الأربعاء 28/08/1438 - الموافق 24/05/2017 آخر تحديث الساعة 08:45 م مكة المكرمة 06:45 م جرينتش  
مقالات

هل أصبح "تويتر" مجلس شورى الأمة؟

1438/07/15 الموافق 12/04/2017 - الساعة 08:08 م
|


أحمد الأمين*

ذكرتني الحملة الأخيرة على فضيلة الشيخ الفقيه الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن فوزان الفوزان المشرف العام على شبكة رسالة الإسلام بخطورة منح صوت لكل متكلم وإتاحة منبر لكل ناعق، وهو الأمر الذي تفخر شبكات التواصل الاجتماعي بتوفيره وتسعى لتجييره لصالحها بما تقدمه من "ديمقراطية" إعلامية، بعد أن كان الإعلام حكراً على الشركات والحكومات التي تملك المحطات والأجهزة والطواقم الفنية وتسخر لها الميزانيات الكبيرة.

ولا يمكن إنكار أن هذه الشبكات منحت أصواتاً للمكبوتين والمحرومين الذين ظلمهم الإعلام التقليدي أو تجاهل أصواتهم، وأسهمت في نشر المعاناة التي تقع على كثير من الشعوب خاصة المسلمين وإيصالها للعالم، كما لا يمكن إنكار أن لكل فرد حقاً في التعبير عن نفسه لا سيما إن كان مظلوما ويسعى إلى إيصال صوته. لكن هذا الفضاء الحر الذي أضافته الشبكات الاجتماعية وضع "مكبر الصوت" في أيدي سفهاء لا يحسنون تسيير أمور أنفسهم الشخصية اليومية فضلاً عن أمور غيرهم، وشجعهم على الإدلاء بآرائهم في كل مسألة من شؤون الأمة العامة والخاصة.

ولنأخذ تويتر مثالاً، فهذه المنصة الاجتماعية المفتوحة أصبح تعامل الناس اليومي معها بالدخول على الوسم السائد (الهاشتاق) والمشاركة فيه بأي شيء، حتى لو كان المغرد عاطلاً بطالاً، لا يعرف كوعه من بوعه وكان الوسم في علم الذرّة، فإنه لن يغادره حتى يشارك فيه.

هذا الأمر مكّن السفهاء والمسيئين من استغلال جمهور تويتر في تصعيد حملاتهم وإساءاتهم على من يعادون، وخاصة حزب معاداة المشايخ والعلماء والدعاة.

وفي الحملة التي تعرض لها الشيخ المحبوب الدكتور عبدالعزيز الفوزان، قام سفيه من السفهاء بإنشاء وسم (هاشتاق) مسيء للشيخ وما هي إلا ساعات حتى صعّده الجهلة والحمقى إلى الوسوم السائدة (ترند) بتعليقاتهم الجهولة، ولو قرأت تغريداتهم لعلمت أن أكثرهم ليس في العير ولا في النفير، ولا يعلم عن الموضوع شيئاً، وتجزم أنه لم يتكلف البحث عنه والتحقق منه بل وضع نفسه مثالاً حياً للإمّعة في العصر الرقمي.

وتلك الحملة مع أنها بلغت في الإساءة للشيخ مبلغها، وكان لها وقعها على كل محب للشيخ وللدعوة ولعلمائنا الأجلاء، إلا أنها بفضل الله لم تزد الشيخ إلا تشريفاً وشهرة في الخير، فقد انقلب السحر على الساحر وجاءت نتيجتها كشفاً لجهود الشيخ ومؤسسته الإعلامية في الدعوة إلى الله في حين تقاعس المنتقدون، وخسئ الشانئون.

وخطورة هذه "الحرية" الفوضوية في الإعلام الجديد قد تصل إلى جوانب أخرى، فحين يكون الجهلة والدهماء والأطفال هم "مجلس شورى" الأمة من خلال تعليقهم بالتأييد أو الرفض على ما يطرح من القرارات والأنظمة، فلنا أن نتصور أين سيصل حالنا.

فمنذ متى كانت أمور الأمة الكبرى تطرح للتصويت العام؟ وهل يمكن أن تبني الدول سياساتها على آراء مجهولين قد يكونون مندسّين أو أطفالاً أو على الأقل جُهّالاً؟

هاهم يَشغلوننا كل رمضان بالدعوة إلى اعتماد الحساب الفلكي بدلاً من الرؤية، وإطفاء مكبرات الصوت في المساجد، وتوحيد الأذان، ويشاركون بالرأي في التخطيط الاستراتيجي لقضايا الدولة السيادية مثل سياسات التعليم العام وأولوياته ومشكلات الاقتصاد وغيرها من القضايا العويصة.

لا أعوّل كثيراً على تويتر في فرض الانضباط على مستخدميه وبذل المزيد للتحقق من هويات أصحاب الحسابات ومنشوراتهم، فهذه الشبكة وصلت إلى مرحلة من الفوضوية جعلت كثيراً من الخبراء يهجرونها، إذْ لم تتخذ إدارتها إجراءات حاسمة لتحسين بيئة المشاركة فيها، ولأن الشركة لم تحقق نموًّا حقيقيًّا في السنوات الأخيرة، فقد أصبح رصيدها الأهم هو كثرة المستخدمين النشطين لتنافس الشبكات الأخرى ولتضيفه لتقريرها الفصلي المقدم لملّاك الأسهم على أنه مؤشر نموّ، بغض النظر عن المحتوى المطروح.

ولكن أدعو إلى إعادة النظر في المشاركة في شبكة اجتماعية أصبحت مرتعاً للإساءة والهجوم الفوضوي على المبادئ والرموز، ولو كنت مثالياً لدعوت إلى إيجاد شبكة اجتماعية للنخبة يقتصر قبول العضوية فيها على من يثبت كفاءته العلمية والثقافية و"نظافة" سجلّه الاجتماعي الإلكتروني من الإساءات، وتكون الموافقة على العضوية فيها يدوياً بعد دراسة كل طلب على حدة أو بعد الحصول على تزكية من عدد من الأعضاء. فهل نراها قريباً؟

*رئيس التحرير

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام