السبت 27/10/1435 - الموافق 23/08/2014 آخر تحديث الساعة 12:25 م مكة المكرمة 10:25 ص جرينتش  
تزكية

الشهادة

1432/10/30 الموافق 28/09/2011 - الساعة 04:09 م
|


لا ريب أن الشهادة هي الطريق المعتاد للإثبات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، والشهادة كدليل صالحة للإثبات في جميع جرائم الحدود بلا تفرقة, وإن اختلفت شروط قبولها من واحد لآخر, فهي دليل من أدلة الإثبات يتمثل في قيام شخص من غير أطراف الخصومة بالإخبار في مجلس القضاء بعد حلف اليمين بما يعرفه شخصيا حول وقائع معينة تصلح محلا للإثبات.

وذلك سواء كان موضوعها حق لله تعالى أو حق غيره ما دام ناشئا عن يقين. (1)

أول شهادة في التاريخ

بدأت الشهادة قبل بدء الخلق والدليل عليها – آية الإشهاد - قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (الأعراف: 172).

يخبر الله - تعالى - أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم, شاهدين على أنفسهم بربوبيته سبحانه وتعالى، وأنه لا إله إلا هو, وأشهدهم على الفطرة التي فطرهم عليها.

قال الطبري: واذكر يا محمد إذ استخرج ربك أولاد آدم من أصلاب أبائهم فقررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض بذلك.

وقال ابن عباس: مسح الله ظهر آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة وقررهم على ربوبيته ووحدانيته فأقروا بذلك والتزموه.

أحكام الإثبات

وتنقسم أحكام الإثبات إلى قسمين:

1- القسم الموضوعي: يشمل القواعد التي تحدد أدلة الإثبات, وقيمة كل دليل, ومن يقع عليه عبء الإثبات, وما الذي يقوم بإثباته؟

2- القسم الشكلي:  يضم القواعد التي تحدد الإجراءات التي يجب اتباعها في تقديم أدلة الإثبات؛ ذلك أن لكل دليل إجراءات معينة رسمها القانون وأوجب مراعاتها عند تقديمه أو الطعن فيه (2)، والأصل في مشروعية قبولها قوله تعالى: {...وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ...} (الطلاق: من الآية 2)، وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله – تعالى - عن هول يوم القيامة, وشدة أمره وشأنه, حين يجيء من كل أمة بشهيد, يعني الأنبياء - عليهم السلام -.

الشهادة لغة

(الشهادة): خبر قاطع, تقول: (شَهِد) على كذا, و(المُشاهدةُ): المعاينة, و(شَهِدَه) بالكسر(شُهودا) أي حَضَره فهو(شَاهِدٌ), وقومٌ (شُهَود): أي حُضُور, و(شَهِد) له بكذا: أي أدى ما عنده من الشهادة، فهو(شاهِدٌ), والجمع: (شَهدٌ), وجمع, الشَّهد: (شُهود) و(أشهاد), و(الشهيد): الشاهد, والجمع:(الشُّهداء) و(أشهَدَه) على كذا (فشَهِد) عليه.(3)

سبب التسمية:  تسميتها بالشهادة إشارة إلى أنها مأخوذة من المشاهدة المتيقنة.

الشهادة شرعا: إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء سواء كان موضوعها حق لله – تعالى - أو حق غيره مادام ناشئا عن يقين. (4)

وقيل الشهادة مأخوذة من الإعلام من قوله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ...} (آل عمران: من الآية 18)، والشاهد حامل الشهادة ومؤديها؛ لأنه شاهد لما غاب غيره.

تعريف الشهادة في الفقه

- إخبار صادق في مجلس القضاء بلفظ الشهادة لإثبات حق على الغير.

- إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء. (قول الحنفية).

- إخبار الحكم عن علم ليقضى بمقتضاه. (قول المالكية).

- إخبار بحق للغير على الغير بلفظ خاص, أي بلفظ (أشهد). (قول الشافعية).    

- إخبار شخص بما علمه بلفظ خاص (كشهدت), و(أشهد). (قول الحنابلة).

الشهادة وحجيتها في الإثبات الجنائي

- هي إخبار صدق في مجلس القضاء كحجة وبقصد إثبات واقعة أو نفيها بتعبير أشهد, بل هي الطريق الأكثر شيوعا في الإثبات الجنائي, فهي (وسيلة إثبات معتبرة شرعا وقانونا).

حكمها

تحمل الشهادة وأداؤها حكم (فرض كفاية )؛ بمعنى أنه إذا تقدم به البعض سقط عن الباقين؛ لأن غايتها حفظ حقوق العباد لقوله تعالى: {... وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ...} (البقرة: من الآية 283), وقد خص الله - سبحانه وتعالى - القلب بالإثم؛ لأنه موضع العلم بها, ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات, وقيل أنها "فرض عين" على من تحمَّلها متى دُعى إليها, بل تجب إذا خيف من ضياعه.

وفي الحديث: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، وفي أداء الشهادة نصرة. (5)

وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها". (6)

وإنما تجب متى قدر على أدائها بلا ضرر يلحقه في بدنه أو عرضه أو ماله أو أهله، لقوله تعالى: {...وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ...} (البقرة: من الآية 282).

لا شهادة إلا بعلم

ولا يحل لأحد أن يشهد إلا بعلم, والعلم يحصل بالرؤية أو بالسماع أو باستفاضة فيما يتعذر علمه غالبا بدونها. والاستفاضة هي: الشهرة التي تثمر الظن أو العلم.

وتصح الشهادة بالاستفاضة عند الشافعية في النسب والولادة والموت والعتق والولاء والولاية والوقف والعزل والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريم والوصية والرشد والسفه والملك.

وقال أبو حنيفة: تجوز في خمسة أشياء: النكاح والنسب والموت والعتق وولاية القضاء.

وقال أحمد وبعض الشافعية: تصح في سبعة: النكاح والنسب والموت والعتق والولاء والوقف والملك المطلق.

شروط الشاهد

- الإسلام: حيث يُشترط الإسلام في الشاهد, فلا تقبل شهادة غير المسلم سواء كانت الشهادة على مسلم أو غير مسلم, ويجمع الفقهاء على هذا الشرط لقوله تعالى: {...من رِّجَالِكُمْ...} (البقرة: من الآية 282). (7)

- العدالة: صفة زائدة عن الإسلام ويجب توافرها في الشهود؛ بحيث يغلب خيرهم على شرهم، ولم يجرب عليهم اعتياد الكذب لقول الله – تعالى -: {...وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ...} (الطلاق : من الآية 2), أما الفقهاء فقالوا: إنها مقيدة بالصلاح في الدين، وبالإنصاف في المروءة.

- البلوغ والعقل: ولما كانت العدالة شرطا في قبول الشهادة فإن البلوغ والعقل شرط في العدالة, فلا تقبل شهادة الصغير – ولو شهد على صبي مثله – ولا المجنون ولا المعتوه؛ لأن شهادتهم لا تفيد اليقين الذي يحكم بمقتضاه لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق". (8)

وأجاز الإمام مالك شهادة الصبيان في الجراح ما لم يختلفوا وما لم يتفرقوا، كما أجازها عبد الله بن الزبير. (9)

- الكلام: ولا بد أن يكون الشاهد قادرا على الكلام, فإن كان أخرس لا يستطيع النطق فإن شهادته لا تقبل, ولو كان يعبر بالإشارة وفهمت إشارته إلا إذا كتب الشهادة بخطه.

- الحفظ والضبط: فلا تقبل شهادة من عرف بسوء الحفظ وكثرة السهو والغلط لفقد الثقة بكلامه, ويلحق به المغفل ومن على شاكلته.

- انتفاء موانع الشهادة: ويعني هذا الشرط ألا يتوافر بالشاهد مانع من موانع الشهادة كالقرابة بينه وبين المشهود له فلا تقبل شهادة الوالدين للأولاد وإن نزلوا ولا شهادة الأولاد للوالدين وإن علوا, ولا مانع – عند الشافعيين – من شهادة أحد الزوجين للآخر. (10) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجوز شهادة خائن, ولا خائنة, ولا ذي غمر على أخيه, ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت". (11) والغمر هو: صاحب الحقد والعداوة, والقانع هو: الخادم أو الرجل ينفق عليه أهل البيت لوجود سبب المحاباة لهم.

أحكام الشهادة

- لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا بما علمه يقينا برؤية أو سماع.

- تجوز الشهادة على شاهد آخر إذا تعذر حضوره لمرض أو غياب أو موت للضرورة إذا توقف عليه حكم الحاكم.

- يزكى الشاهد بشهادة عدلين: على أنه عدل مرضي, إذا كان الشاهد غير مبرز العدالة, أما مبرز العدالة فلا يحتاج القاضي إلى تزكية له.

- إن زكى رجلان رجلا, وجرح فيه آخران قدم جانب التجريح على جانب التعديل؛ لأنه الأحوط.
- يجب تأديب شاهد الزور بما يردعه ويكون عبرة لمن تحدثه نفسه بذلك.

نصاب الشهادة

الشهادة إما أن تكون في الحقوق المالية أو البدنية أو الحدود والقصاص, ولكل حالة من هذه الحالات عدد من الشهداء لابد منه حتى تثبت الدعوى:

- شهادة الأربعة:

 نصاب الشهادة في حد الزنا أربعة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء...} (النــور: من الآية 4), {لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء...} (النــور: من الآية 13).

- شهادة الثلاثة:

قالت الحنابلة: إن من عُرف غناه إذا ادعى أنه فقير ليأخذ من الزكاة لا يقبل منه إلا ثلاثة شهود من الرجال على ادعائه.

قال الأشعث بن قيس: كان بيني وبين رجل خصومة في شيء, فاختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "شاهداك أو يمينه", فقلت له: إنَّهُ إذن يحلف ولا يُبالي: فقال النبي: "من حلف على يمين يستحق بها مالا وهو – فاجر- لقي الله وهو عليه غضبان" (12) فأنزل الله تصديق ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (آل عمران: 77).

- شهادة الرجلين دون النساء:

تُقبل شهادة الرجلين دون النساء في جميع الحقوق وفي الحدود ما عدا الزنا فقط أربعة شهود, فإن شهادة النساء في الحدود والنكاح  والطلاق غير جائزة عند عامة الفقهاء, {وَأَشهِدُوا ذَوَي عَدلٍ}  و"شاهداك أو يمينه".

- شهادة الرجلين أو الرجل وامرأتين:

 قال تعالى: {...وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ...} (البقرة: من الآية 282)، وهذا في قضايا الأموال كالبيع والقروض والديون كلها والإجارة والرهن والإقرار والغصب.

- شهادة الرجل الواحد:

يرى الإمام مالك أن تحديد نصاب الشهادة برجلين لا يستلزم إلا في الجناية على النفس عمدا.

أما في الجنايات على ما دون النفس والموجبة للقصاص في بعض صورها فإنه يجيز إثباتها بشهادة رجل واحد ويمين المجني عليه, وتقبل شهادة الرجل الواحد العدل في العبادات كالأذان والصلاة والصوم, قال ابن عمر: أخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أني رأيت الهلال فصام وأمر الناس بصيامه. أي صيام رمضان. (13)

ويكتفي بشهادة طبيب واحد إذا اختلف في طبيعة الشجة وهل هي موضحة أم لا؟ أو فيما كان الجرح أكثر من الموضحة كالهاشمة والمنقلة أو أصغر منها كالباضعة والمتلاحمة على اعتبار أنه من أهل الخبرة . (14)

الموضحة: هي التي توضح العظم وتكشفه من الشجاج فإذا ظهر العظم من الشجاج قل أو كثر فهو موضحة، والهاشمة: هي التي تتجاوز الموضحة, فتهشم العظم: أي تكسره, وسميت هاشمة لهشمها العظم، والمنقِّلة: التي تنقل العظم بعد الكسر, أي تزيله عن موضعه، والباضعة: هي التي تبضع اللحم أي تقطعه، والمتلاحمة: هي التي تأخذ في اللحم فتقطعه كله, ثم يتلاحم بعد ذلك ويلتئم.

الشهادة على الرضاع

-  ذهب ابن عباس وأحمد إلى أن شهادة المرضعة وحدها تقبل لحديث عقبة بن الحارث تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت امرأة فقالت: قد أرضعتكما, فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "كيف؟ وقد قيل؟ دعها عنك أو نحوه"، ففارقها عقبة فنكحت زوجا غيره. (15)

- وقالت الأحناف: الرضاع كغيره لابد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ولا تكفي شهادة المرضعة لأنها تقرر فعلها.

- وقال مالك: لابد من شهادة امرأتين.

- وقال الشافعي: تقبل شهادة المرضعة مع ثلاث نسوة بشرط أن لا تُعَرَّ بطلب أجرة.

وأجابوا عن حديث عقبة بأنه محمول على الاستحباب والتحرز عن مظان الاشتباه.

الشهادة على الاستهلال

الاستهلال هو: صراخ الطفل.

- أجاز ابن عباس شهادة القابلة وحدها في الاستهلال.

- ذهب مالك إلى أنه لابد من شهادة امرأتين مثل الرضاع.

- جرى الشافعي على قبول شهادة الاستهلال، لكنه اشترط شهادة أربع منهن.

- قال أبوحنيفة : يثبت الاستهلال بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين لأنه ثبوت إرث. فأما في حق الصلاة عليه والغسل فيقبل فيه شهادة امرأة واحدة.

- عند الحنابلة : أن ما لا يطلع عليه الرجال غالبا يقبل فيه شهادة امرأة عدل, كما روى عن حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة القابلة وحده. ذكره الفقهاء في كتبهم. والذي لا يطلع عليه الرجال غالبا مثل عيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والحيض والولادة والاستهلال والرضاع والرقق والقرن والصقل وكذلك جراحة وغيرها من حمام وعرس ونحوهما مما لا يحضره الرجال. قالوا: والرجال في هذا كالمرأة وأولى لكماله.

الثيوبة هي: زوال العذرية مطلقا بجماع أو غيره.، والرقق هو: الضعف, يقال فيه رقق وفي عظامه رقق، والقَرَن: بفتح القاف والراء, قرنت المرأة قرنا إذا كان في فرجها قرن وهو عظم أو غدة مانعة من ولوج الذكر.

حكم الرجوع عن الشهادة في الجرائم الموجبة للقصاص

إذا رجع الشهود عن شهادتهم بعد أدائها لم يخل الأمر من ثلاثة أحوال: (16)

- الأول: أن يرجعوا قبل صدور الحكم بناء عليها, ومن ثم فلا يجوز الحكم تأسيسا عليها باتفاق جمهور الفقهاء، وحكى عن أبي ثور أنه قال يحكم بها؛ لأن الشهادة قد أديت فلا تبطل برجوع من شهد بها كما لو رجعوا بعد الحكم, وهو قول غير معمول به؛ لأن الشهادة شرط الحكم فإذا زالت قبله لم يجز صدور الحكم بناء عليها, كما لو شهد الشهود بقتل رجل معين ثم علم حياته قبل الحكم على الجاني.

- الثاني: أن يرجع الشهود بعد الحكم وقبل استيفاء القصاص, وهنا لم يجز استيفاؤه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعهم من أعظم الشبهات عند الفقهاء, ولأن المحكوم به عقوبة ذات خطورة تمس الإنسان إما في نفسه أو جسده ولم يتعين استحقاقها ولا سبيل إلى جبرها فلم يجز استيفائها كما لو رجعوا قبل الحكم.

- الثالث: أن يرجعوا بعد صدور الحكم واستيفاء العقوبة, فإذا كانت العقوبة المحكوم بها على الجاني القصاص في النفس ونفذت وأقر الشهود بعمدهما الشهادة عليه بالزور ليقتل فعليهم القصاص, وإن كانت العقوبة قطع عضو فقط فعليهم القصاص في نفس العضو بعد تحقق المماثلة وإمكان القصاص دون حيف, وهو رأي جمهور الفقهاء وعند الأحناف لا قصاص عليهم؛ لأنهم لم يباشروا الإتلاف وإنما قد حدث بالتسبب الذي لا يوجب القصاص.

شهادة الزور

- شهادة الزور من أكبر الكبائر وأعظم الجرائر؛ لأنها مناصرة للظالم وهضم لحق المظلوم وتضليل للقضاء وبث للشحناء والضغينة, والخزي والندم لحظة الوقوف بين يدي الله  - تعالى -، قال تعالى: {... فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} (الحج: من الآية 30)، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (الفرقان:72).

وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "ألا أُنبِّئُكُم بِأَكبَرَ الكَبَائِر – ثلاثا – قالوا: بلى يا رسول الله, قال: "الإِشرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ" - وجلس وكان مُتَّكِئًا فقال: "أَلا وَقَوَلُ الزُّورِ", قال: وما زال يكررها حتى قلنا: لَيتَهُ سكَتَ. (17)

عقوبة شاهد الزور

* قانون العقوبات المصري لسنة 1969م:

- م/ 294 – كل من شهد زورا في جناية أو عليه يعاقب بالحبس.

- م/ 295 – ومع ذلك إذا ترتب على هذه الشهادة الحكم على المتهم يعاقب من شهد عليه زورا بالسجن المشدد أو السجن, أما إذا كانت العقوبة المحكوم بها على المتهم هي الإعدام ونفذت عليه يحكم بالإعدام أيضا على من شهد عليه زورا.

- م/ 296 – كل من شهد زورا على متهم بجنحة أو مخالفة أو شهد له زورا يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين, ملحوظة: ألغيت عقوبة الغرامة بموجب القانون 29 لسنة 1982 وكانت قبل الإلغاء0 بغرامة لا تتجاوز عشرين جنيها مصريا؛ أي 4 دولارات تقريبا).

- م/ 297 – كل من شهد زورا في دعوى مدنية يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين.

- م/ 298 – إذا قبل من شهد زورا في دعوى جنائية أو مدنية عطية أو وعدا بشيء ما يحكم عليه هو والمُعطي أو من وعد بالعقوبات المقررة للرشوة أو للشهادة الزور إن كانت هذه أشد من عقوبات الرشوة.

وإذا كان الشاهد طبيبا أو جراحا أو قابلة وطلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعدا أو عطية لأداء الشهادة زورا بشأن حمل أو مرض أو عاهة أو وفاة أو وقعت منه الشهادة بذلك نتيجة لرجاء أو توصية أو وساطة يعاقب بالعقوبات المقررة في باب الرشوة أو في باب شهادة الزور- أيهما أشد - ويعاقب الراشي و الوسيط بالعقوبة المقررة للمرتشي أيضا.

- م/ 299 – يعاقب بالعقوبات المقررة لشهادة الزور كل شخص كلف من سلطة قضائية بعمل الخبرة أو الترجمة في دعوى مدنية أو تجارية أو جنائية فغير الحقيقة عمدا بأي طريقة كانت.

- م/ 300 – من أكره شاهدا على عدم أداء الشهادة أو على الشهادة زورا يعاقب بمثل عقوبة شاهد الزور مع مراعاة الأحوال المقررة في المواد السابقة.

- م/ 301 – من ألزم باليمين أو ردت عليه في مواد مدنية أو حلف كذبا يحكم عليه بالحبس, ويجوز أن تزيد عليه غرامة لا تتجاوز مائة جنيه مصري (تقريبا 20 دولارا).

* رأى الإمام مالك والشافعي وأحمد:

شاهد الزور يعزر، ويعرف بأنه شاهد زور. وزاد الإمام مالك فقال: يُشهر به في الجوامع والأسواق ومجتمعات الناس العامة عقوبة له وزجرا لغيره.

وكما كانت البداية شهادة, كذلك النهاية تؤكد شهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد انتهاء الخلق وقبلها في دار الدنيا شهادة المسلمين على أنفسهم وعلى الخلق, ولا بد أن يسير الناس على هذا الخيط حتى عندما يأتوا للشهادة الأخيرة يكونوا وصلوا للخير وطريق الصواب والنجاة, ثم إن الجميع مجموعون في نقطة الشهادة الأخيرة، وقال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا} (النساء:41).

وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله - تعالى - عن هول يوم القيامة, وشدة أمره وشأنه, حين يجيء من كل أمة بشهيد, يعني الأنبياء عليهم السلام.

وعن عبد الله ابن مسعود قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقرأ علىَّ"، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أُنزل؟، قال: "نعم إني أُحب أن أسمعه من غيري"، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا} الآية فقال: "حسبك الآن"، فإذا عيناه تذرفان. (18)

وقبلها في دار الدنيا شهادة المسلمين على أنفسهم وعلى الخلق {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا...} (البقرة: من الآية 143).

فلا بد أن يسير الناس على هذا الخيط حتى عندما يأتوا للشهادة الأخيرة يكونوا وصلوا للخير وطريق الصواب والنجاة, ثم إن الجميع مجموعون في نقطة الشهادة الأخيرة.. فاللهم اجعلها نقطة خير ورشاد وفلاح لهذه الأمة.


حواشي المقال:

(1) المغني والشرح الكبير (ج/10, ص42).

(2) الوسيط في شرح القانون المدني( ج/2 , ص 16-18 ). الدكتور عبد الرزاق السنهوري.

(3) مختار الصحاح للإمام الرازي - باب الشين- (ص-349-).

(4) المغني والشرح الكبير (ج/10 - ص-42-).

(5) فتح الباري شرح صحيح البخاري (ج/5, رقم-2443-) باب أعن أخاك ظالما أومظلوما.

(6) مسلم – الأقضية (1719), الترمذي – الشهادات (2295), أبو داود – الأقضية - (3596)، ابن ماجه – الأحكام (2364), أحمد (5/193), مالك- الأقضية (1426).

(7) حيث يجوز شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض عند الأحناف, وشهادة غير المسلمين في الوصية حال السفر, وشهادة غير المسلم على المسلم عند الضرورة.

(8) شرح فتح القدير (ج/4 – ص-169-)

(9) فقه السنة للشيخ سيد سابق – باب الشهادة – ص-422-.

(10) المهذب ( ج/2 ص -347).

(11) الترمذي - كتاب الشهادات - (4/4/545 /2298), ابن ماجه - كتاب الأحكام - باب من لا تجوز شهادتهم –(2/792/236).

(12) فتح الباري بشرح صحيح البخاري – باب اليمين على المدعي عليه في الأموال والحدود (5/2669 /2670).

(13) سنن أبو داود (2342), ابن حبان – بلوغ المرام - (185), الدار قطني – السنن الكبرى للبهيقي (2/2/4), ابن حزم – المحلي – (6/236), الألباني إرواء الغليل (908) والمشكاة (1920).

(14) المغني لابن قدامه (ج/9/270).

(15) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (ج/5 /2660) – باب شهادة المرضعة -.

(16) المغنى لابن قدامه ( ج/9/246-247).

(17) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (ج/5/2654) - باب ما قيل في شهادة الزور.

(18) البخاري – تفسير القرءان – (4582)،  مسلم – صلاة المسافرين – (800).

من مراجع المقال:

- فقه السنة / الشيخ سيد سابق – كتاب الجنايات – السلام والحرب – المعاملات.

- المرافعات المدنية والتجارية / الدكتور أحمد أبو الوفا – أستاذ ورئيس قسم المرافعات بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية – لسنة 1975 م.

- شرح القسم الخاص في التشريع الجنائي الإسلامي/ الدكتور محمد نعيم فرحات - أستاذ فقه العقوبات المساعد بكلية الملك فهد الأمنية لسنة 1984 م.

- قانون العقوبات, وقانون الإجراءات الجنائية (مجموعة القوانين المصرية) لسنة1969م.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
د.عبد الحميد        مصر         2012/08/08
السلام عليكم والله خسارة أستاذه زى الأستاذه اكرام ولها العلم والفكر والأدب اللى اشتهرت بيه تغيب عن موقع ممتاز زى ده والله ارتبطنا وكل مانعرفهم بالموقع من يوم قرينالها واللى يحزن انهابتكتب دلوقت على الفيس مقالات وحاجات روعه ولولا انه ميصحش كنت حطيت الصفحات اللى بتكتب فيها عشان الكل يستفيد من مقالاتها الأمر لله واحنا الحمد لله نقرأ لها ونكتب كل اللى عايزين نقولوا على الصفحة على طول.
الحارثي        السعودية         2012/10/03
مافى كاتبة بتكتب مثل مابتكتبين وكل ماكتبت مفيد وطيب بنفتقدك وبفتقد طيب كلامك وصدق نصايحك بتردين اختى لاجل قراءك !
فاطمة        السعودية         2012/15/01
بشهد الله انو غيابك بيؤثر فينا وبكل من بيعرفك
د.ياسر        مصر         2011/27/12
الأخ عادل..صحيح فيكم اصل وأخلاق اهل اسكندرية الأستاذه لها صفحة على الفيس بوك طبعا مش حقدر اكتب تفاصيلها خوفا من زعل الأستاذه رغم انها اكيد مش بتقرا هناولا بتشوف تعليقات من زماااااااان واضح زمان كانت ترد دور عليها حتلاقيها إنشاءالله
عادل        مصر - الأسكندرية         2011/25/12
الأخ الدكتور - ياسر -حقيقي أنت تقول ياخسارة وأنا أقول نشهد أن الأستاذه الفاضلة والكاتبة اللى ياما أثرت فينا وخصوصا في أهلنا كانت كاتبة صادقة وأخلاقها عاليه وداعية إلى الله بهدوء صحيح ابنة اسكندرية زى بحروهواء اسكندرية لأهلها ممكن نعرف صفحة ايه اللى الأستاذه موجودة عليها اكون شاكر لك
فاطمة        السعودية         2011/24/12
أستاذتنا وصديقتنا المخلصة واختنا الحبيبة مع انو بتطلبين نتوقف عن التعليقات بقول كلمة مخلصة كما بنتعلم منك حرام fبتتوقفين حرام بتحرمين من عطائك
د.ياسر        مصر         2011/18/12
ياخسارة ياأستاذه اختفاء قلمك من هنا لكن صفحتك عوضتنا وهى ماشاءالله الكل يحبها ويستفيد منه والمهم نلاقي فكرك ودعوتك الى الله على اى صفحة ربنا يديك الصحة
د.ياسر        مصر         2011/13/12
الموقع المحترم ..الأستاذة المحترمة صاحبة العلم والدعوة المخلصة لرب العالمين بتمنى حد فيكم يرد على سؤالي فين الأستاذه اكرام؟ ياريت تعملو حساب للقراء اللى بيقروا له من يوم الدعاء نهر المتحابين في الله - شفتو على الفيس رجعت احسب من كام سنة نقرا لها وفي موقعكم - لولا ان شفت لها مقال قريب خالص كنا قلقنا خالص ربنا يحفظها ويخليها لأولادها وكل حبايبها
د.ياسر        مصر         2011/08/12
الأستاذه اكرام جلال ننتظر منك مقالة قانونية لان صحيح زى مامحامي علق قبل كده انك متمكنة وعرفنا من أستاذه صديقتك إنك محامية وتخصصات ومهارات كبيرة فيك وقبل كل ده داعية ناجحة ونشيطة جدافي الإسكندرية ماشاءالله صحيح زوجتى واخواتي وكل معارفنا يحسدوك ياريت لاتبخلي علينا بمواضيعك المفيدة جدا ولك وللموقع الأجر والثواب إنشاءالله
ناهد        مصر         2011/06/12
والله ياأستاذه اكرام احنا احترنا من موقفكم منا لاتردي على القراء ودى حاجه مكنتش فيك ومن كام سنة وأنت في الموقع تراعي القراء وغير كده لما نسأل عليك لايسألوا فينا وأخيرا نشر لك مقالة مهمة في مناسبتها صحيح كانت يدوب ليلة 8 محرم ولم تنشر هنا ؟؟على العموم المهم نلاقيك ونلاقي مقالاتك الحبيبة
1234
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام