الأربعاء 28/12/1435 - الموافق 22/10/2014 آخر تحديث الساعة 04:33 ص مكة المكرمة 02:33 ص جرينتش  
تزكية
شجرةٌ كالرّجل المسلم

وقفات مع حديثٍ نبويٍّ شريف

1432/11/22 الموافق 20/10/2011 - الساعة 02:38 م
|


تمهيد:

1: كيف نتلقّى حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم؟

روي عن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم قولُه: (وددت أنِّي لقيتُ إخواني؟) فقال أصحابه: أو ليسَ نحن إخوانَك؟ قال: (أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني)[1]! وقد ورد في الحديث الآخر قوله: (إنَّ من ورائكم أيَّامَ الصبر، للمتمسِّك فيهنَّ يومئذٍ بما أنتم عليه أجرُ خمسينَ منكم!) قالوا: يا نبيَّ الله أو منهم؟ (قال: بل منكم)[2]!

فلنُحسن الظّنّ بالله عزَّ وجلَّ، إخوتي، ولنرجُ ونجتهدَ في أن نكون من الإخوان الّذين اشتاق الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم إلى لقائهم، وعندئذٍ فلنتلقَّ حديثه صلّى الله عليه وسلّم، عندما نقرؤه أو نسمعه بكلِّ إدراكٍ ووعيٍ وحساسيَّةٍ وانتباه! كأنّه بيننا صلّى الله عليه وسلم يمحضنا النُّصحَ ويُربّينا ويُعلّمنا.

وليكن شوقنا إلى لقائه صلّى الله عليه وسلّم، زاداً في الطريق، يُعيننا على الاجتهاد في طلب العلم والإيمان وإتباعهما بالعمل الصّالح.

وممّا يُعين على تحقيق هذه الحالة الإيمانيّة الإيجابيّة عند تلقّي حديثه صلّى الله عليه وسلم، ثقتُنا من صحّة الحديث المنسوب إليه، ولله درُّ أولئك العلماء الأعلام الّذين أسَّسوا لهذه الغاية علوم الحديث الشّريف ومصطلحه، وبورك في علماء العصر الّذين اصطفاهم الله عزّ وجلّ لخدمة السُّنّة النّبوية، وتقريبها بين يدي الأمّة، وتيسير الوصول إليها.

2: حديثُ (شجرة كالرجل المسلم):

يدور محورُ كلامنا في هذه الحلقة، على الحديث الذي رواه عبدُ الله بن عمر رضي الله عنهما، قال:

"كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: (أَخْبِرُونِى بِشَجَرَةٍ شِبْهِ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لاَ يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا؟) تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لاَ يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا، أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا[3].

وهذا الحديث أورده الإمام مسلم، برواياته المختلفة[4]، في كتاب "صفة القيامة والجنّة والنّار"، وترجم له بقوله: "بابٌ: مثل المؤمن مثلُ النّخلة"، وقد نلحظ أنّه رغم مناسبة الترجمة لمعنى الحديث، لكنّ وضعه في كتاب "صفة القيامة والجنّة والنّار"، ليس مناسباً والله تعالى أعلم.

والحديث رواه الإمام البخاريُّ، ثمَّ على طريقته في الإيحاء بفقه الحديث، فرَّقهُ على أبوابٍ عديدة، ورد معظمُها في كتاب العلم، فهي كما يلي: "بَاب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا"، "بَاب طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ"، "بَاب الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ"، "بَاب الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ"، "بَاب بَيْعِ الْجُمَّارِ وَأَكْلِهِ"، "بَاب قَوْلِهِ: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ}"، "بَاب أَكْلِ الْجُمَّارِ"، "بَاب مَا لَا يُسْتَحْيَا مِنْ الْحَقِّ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ"، "بَاب إِكْرَامِ الْكَبِيرِ وَيَبْدَأُ الْأَكْبَرُ بِالْكَلَامِ وَالسُّؤَالِ"[5].

"وقد توارد النقل -كما يقول ابن حجر- عن كثير من الأئمة: أنَّ من جملة ما امتاز به كتاب البخاريِّ: دقَّةُ نظره في تصرُّفه في تراجم أبوابه[6]، ولذا فإنّ التّأمُّل في ترجمات هذه الأبواب، عند البخاريِّ، يُلقي ضوءاً كاشفاً على فقه الحديث وفوائده.

وهذا الحديث، لم يروِه عن النّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، بهذا السّياق إلا عبد الله بن عمر وحده، كما "قال البزار في مسنده"[7]، وهناك روايةٌ لأنس بن مالك رضي الله عنه، فيها أنّه "قرأ: {ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة} قال: هي النَّخلة"[8]، وروايةٌ لأبي هريرة رضي الله عنه ورد فيها قوله: (مثلُ المؤمن مثل النخلة)[9] "وإنما وافقه أبو هريرة على شطر من الحديث، وهو قوله: (مثلُ المؤمن كمثل النخلة)، لكن لم يذكر بقية الحديث"[10].

3: مجمل الفوائد التي يتضمّنها الحديث:

يُلخِّص الإمام ابن القيِّم رحمه الله، فوائد هذا الحديث الشريف، بقوله:

"ففى هذا الحديث: إلقاءُ العالِمِ المسائلَ على أصحابه، وتمرينُهم، واختبارُ ما عندهم.

وفيه ضربُ الأمثال والتشبيه.

وفيه ما كان عليه الصَّحابةُ من الحياء من أكابرهم، وإجلالهم، وإمساكهم عن الكلام بين أيديهم.

وفيه فرحُ الرجل بإصابة ولده، وتوفيقه للصَّواب.

وفيه أنه لا يُكره للولد أن يُجيبَ بما يَعْرِفُ بحضرة أبيه، وإن لم يَعرفه الأبُ، وليس فى ذلك إساءةُ أدب عليه.

وفيه ما تضمنه تشبيهُ المسلم بالنَّخلة من كثرة خيرها، ودوامِ ظلِّها، وطيبِ ثمرها، ووجودِهِ على الدوام"[11].

ولا تكاد الفوائد التي يتضمّنها هذا الحديث، تتجاوز ما ذكره ابن القيّم، ولسوف نستعرضها متّبعين متنَ الحديث على النحو التالي:

- عند قول ابن عمر: (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: أَخْبِرُونِى... إلى آخر الحديث)، سنتكلّم بإذن الله عن مناسبة الحديث، وما ورد فيها من الروايات.

- عند قول ابن عمر: (أَخْبِرُونِى بِشَجَرَةٍ شِبْهِ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ) نتكلّم عن أمرين:

1: المنهج التربوي التعليميّ الذي اتّبعه الرّسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، ألا وهو أسلوب إثارة الأسئلة من أجل تحقيق أهدافٍ معيّنة.

2: المنهج المعرفيّ الّذي استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم، في سبيل إيصال الرّسالة المضمّنة في الحديث، ألا وهو منهج ضرب المثل.

- عند قول ابن عمر عن تلك الشجرة أنّها: (لاَ يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا؟ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ)، نتكلم عن العلاقة بين شجرة النّخلة والرّجل المسلم.

- عند قول ابْنُ عُمَرَ: (فَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لاَ يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا)، نُجيب عن هذا السؤال:

لماذا لم يتكلّم ابن عمر رضي الله عنه؟

- عند قول عُمَرَ رضي الله عنه: (لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا، أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا(، نُجيب عن هذا السؤال:

لماذا تمنَّى عمر أن لو كان تكلّم ابنه؟

أولاً: ما هي مناسبة الحديث؟:

وتتّضح لنا هذه المناسبة بإذن الله عبر الإجابة عن سؤالين:

السؤال الأول:

من هم الصحابة الذين كانوا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يومها؟

سياق هذه الرواية من الحديث يدلُّ على أنّ الصّحابة الّذين كانوا في مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلم، في مناسبة هذا الحديث، هما الشَّيخان وابن عمر، ولكنّ الروايات الأخرى عند مسلم عن ابن عمر، فيها إشارةٌ إلى الحاضرين بكلمتي (الناس) و(القوم)، كما ورد في إحدى روايات البخاريّ قوله: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ الْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ، أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ)[12]، إذن فقد كانوا عشرة من الصحابة رضي الله عنهم، يذكر منهم ابن حجر: "أبا بكر وعمر، وابن عمر، وأبا هريرة وأنس بن مالك، إن كانا سمعا ما روياه من هذا الحديث في ذلك المجلس! والله تعالى أعلم"[13].

السؤال الثاني:

ما هي مناسبة الحديث؟ فنقول بحول الله:

تتّفق الروايات الواردة لهذا الحديث، فيما يتعلّق بموضوعه الأساسيّ، أي: طرح السُّؤال حول شجرةٍ تُشبه المسلم، ولكن تختلف هذه الروايات فيما يتعلّق بمناسبة طرح هذا السُّؤال، وبناءً عليها نجد ثلاثة احتمالات:

الأول: أن يكون السؤالُ وارداً بمناسبة قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله سبحانه وتعالى: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} (ابراهيم:24)، والبخاري كما رأينا كان من ضمن ترجماته للحديث ترجمةٌ أوردها في كتاب التّفسير، بمناسبة تفسير هذه الآية؛ "إشارةً منه إلى أنَّ المراد بالشَّجرة النخلةُ، وقد ورد صريحاً فيما رواه البزار، من طريق موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر، قال: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر هذه الآية، فقال: أتدرون ما هي؟ قال ابن عمر: لم يخفَ عليَّ أنها النخلة، فمنعني أن أتكلم مكانُ سني، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: هي النَّخلة)"[14].

الثَّاني: أن يكون السؤال وارداً، بمناسبة ما رواه مسلم  في صحيحه عن مجاهد عن ابن عمر، أنّه: (أُتيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بجُمَّار، فذكر نحو حديثهم)[15]، وروى البخاريُّ عن مجاهد "في باب الفهم في العلم، قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فقال: كنا عند النبي صلى الله عليه و سلم فأُتي بجُمَّار، ... وله عنه في البيوع: كنت عند النبي صلى الله عليه و سلم، وهو يأكل جُمَّاراً"[16].

 "وجُمَّارَةُ النَّخل شحمته التي في قِمَّةِ رأْسه، تُقْطَعُ قمَّتُه ثم تُكْشَطُ عن جُمَّارَةٍ في جوفها بيضاء، كأَنها قطعةُ سَنَامٍ ضَخْمَةٌ، وهي رَخْصَةٌ، تؤكل بالعسل والكافورُ"[17].

فهذا يدلُّ على أنّه كان يأكل جُمّاراً، عندما طرح سؤاله صلى الله عليه وسلم.

الثَّالث: يقول ابن حجر: "ويجمع بين هذا وبين ما تقدم: أنه صلى الله عليه و سلم أُتِيَ بالجُمَّار فشرع في أكله، تالياً للآية، قائلاً: (إنَّ من الشجر شجرةً... إلى آخره)[18].

ثانياً: في المنهج التربوي التعليميّ:

إنَّ السُّنة النّبوية تزخر بكمٍّ هائل من الدروس التربويّة والتّعليمية، ما لا يسمح المجالُ بتناوله هنا، لذا فسوف نصبّ اهتمامنا في دائرة هذا الحديث الشريف، والّذي نلحظ فيه أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قد اتّبع منهجاً تربويّاً، يؤكّد على استخدامه المتخصّصون في التربية المعاصرة، ألا وهو منهج إثارة الأسئلة من أجل تحقيق الأغراض التي يستهدفها المعلم، وذلك في سياق الخبرة الواقعية.

لقد كان الرّسول صلّى الله عليه وسلم يستهدف بيانَ بعض صفاتِ المسلم أو المؤمن، فاختار [إمّا بصورةٍ مسبّقةٍ، أو عند أكله للجُمّار] أن يستخدم من أجل تحقيق هذا الهدف (منهجَ ضرب المثل)، وذلك عن طريق تشبيه المسلم بشيءٍ آخر يتّسم بتلك الصفات، ألا وهو تلك الشَّجرة، لكنّه لإضفاء مزيدٍ من المتعة والتشويق، وإثارة التّفكر، لم يُحدّد نوع الشجرة المعنيّة، بل طلب منهم تحديدها، والحال أنّه كان يحمل في يده بعض ثمرات تلك الشجرة، وهو الجُمّار، ونلحظ في هذا الحديث، عدة مرتكزات تربوية تعليمية:

أولاً: التَّخطيط المسبق، وكما نعلم فإنّ التخطيط يُعتبر فى عصرنا الرّاهن، هو الأسلوب العلمي لتحقيق أيِّ هدفٍ يُراد بلوغه، في أيّ مجالٍ من المجالات، وخاصَّةً بالنّسبة للعالم أو للمعلّم أو للمربّي، فالتخطيط الجيِّد ضمانةٌ لتحقيق أهداف التربية، بطرقٍ فعّالة ومؤثرة ومُشوّقة.

يكفي أن نتأمّل في الإنجاز الّذي تحقّقَ بقيام الدّولة الإسلاميّة على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لتُهيمن على الحضارتين الرّوميّة والفارسيّة، خلال ظرفٍ من الزمان وجيزٍ؛ لندرك أنّه بعدَ توفيق الله سبحانه وتعالى، كان ذلك ثمرةً لعملٍ مخطّطٍ منظّم، له أهدافٌ معلومة، اُتُّبع في سبيل تحقيقها منهج إلهيٌّ قائمٌ على التدريج، شيئاً فشيئاً، وبُذلت من أجله تضحياتٌ، وسالت في سبيل ذلك دماء الشّهداء، وسُكب عرق المجاهدين الأتقياء، إلى أن أذن الله بالفرج والنّصر!

ولمّا شكا الصحابة رضي الله عنهم ما يجدونه من الهمّ والغمّ والمعاناة، إلى الرّسول صلّى الله عليه وسلم، قال لهم مبشّراً: (وَلَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخْشَى إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ)[19]، أي أنّ هذا الطريق مرسومةٌ خطواتُه، ولا ينبغي لي ولا لكم اعتسافُها، ومحاولةُ قطف ثمرة قبل أوانها.

والله سبحانه وتعالى يقول: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} (سورة التوبة) يقول الشيخ السّعديّ: "{حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} فيُحبُّ لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكرهُ لكم الشرَّ، ويسعى جهده في تنفيركم عنه، {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم."[20]! أفرأيتَ من كان هذا حالُه، يسلك سبيل العفويّة في القيام بهداية الناس ودلالتهم إلى الصراط المستقيم؟ أم إنّه يحرص كلّ الحرص على بذل كلِّ ما بوسعه من أجل هداية النّاس؟!! كيف وهو القائل: (إنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)[21]؟! والخطوة الأولى في إتقان أيِّ عملٍ من الأعمال هي التّمهيد والتّخطيط له.

ثانياً: أسلوب طرح السؤال، ونلحظ أنّه صلّى الله عليه وسلم في استخدامه لهذا الأسلوب، لم يُلغز عليهم، وإنّما هيّأ لهم في دائرة إحساسهم، ما يُعينهم على الوصول إلى الجواب، قال ابن حجر: "بيَّن أبو عوانة في صحيحه، من طريق مجاهد، عن ابن عمر وجهَ ذلك، قال: فظننتُ أنها النَّخلة، من أجل الجُمَّار الذي أتى به، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الملغَّز له ينبغي أن يتفطَّن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأن الملغِّز ينبغي له أن لا يبالغ في التَّعمية، بحيث لا يجعل للملغَّز باباً يدخل منه، بل كلَّما قرَّبه كان أوقعَ في نفس سامعه"[22].

قال ابن حجر: "وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية، عن النبي صلى الله عليه و سلم: أنَّه نهى عن الأغلوطات! قال الأوزاعيُّ أحدُ رواته: هي صعابُ المسائل، فإنَّ ذلك محمولٌ على ما لا نفعَ فيه، أو ما خرج على سبيل تعنُّت المسئول أو تعجيزه"[23].

ثالثاً: توجيه طالب العلم، إلى التَّعلم من سياق الخبرة الحسّيّة المباشرة.

 وحقّاً كما قال الصحابيُّ الجليل معاوية بن الحكم السُّلمي: (فبأبي هو وأمي، ما رأيتُ معلماً قبله ولا بعده أحسنَ تعليماً منه)[24].

ثالثاً: في المنهج المعرفيّّ:

في هذا الحديث الشَّريف من الفوائد، كما قال ابنُ حجر: "ضربُ الأمثال والأشباهِ، لزيادة الإفهامِ وتصوير المعاني، لترسخ في الذهن، ولتجديد الفكر في النَّظر في حكم الحادثة"[25]، يتعلّق الأمر إذن بمنهجٍ علميٍّ قرآنيٍّ متميّز، ألا وهو منهجُ ضرب الأمثال، فما هو تعريف هذا المنهج؟ وما هي صورته التطبيقية فيما بين يدينا من مثلٍ؟

1: التّعريف بمنهج ضرب الأمثال:

وهو المنهج المعرفيُّ المفضّل في القرآن الكريم، وبه يتمُّ بيانُ حقائق الأشياء الغامضة أو المجهولة بالإحالة إلى أشياء أخرى معلومة، يتمُّ نصبُها وإشخاصُها أمام العقول، لتقدير ما فيها من المعاني والحكم والحُجج، ليحصل بذلك تلقيحُ الأفكار والخواطر وإخصابها، ودون الخوض في متاهات الجدال النظريّ المتشعِّب، يقول الله تعالى: {وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ} (إبراهيم: 25)، ويقول سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}(الكهف: 54).

[وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى أنَّ الأمثال المضروبة في القرآن هي من أسباب الهداية، وأنه سبحانه يهدي بها كثيراً ممَّن تدبرها وانتفع بها، ويُضلُّ كثيراً ممن أعرض عنها.[(1/15)] قَال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الفَاسِقِينَ} (البقرة: 26).

وبين سبحانه أنه ضرب للناس أمثالهم التي يتعرفون بها على الهدى والضلال، والخير والشر، والحق والباطل، وما آل إليه أهلُها من العواقب الحميدة، أو النهايات السيئة الوخيمة، قَال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا البَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} (محمد: 3).

وأعظم أمثال القرآن أهميةً، وأرفعَها شأناً ومنزلةً الأمثالُ الإيمانية، التي تُبيِّن أركان الإيمان، وتُبيِّن أسس الدين، وتُعرف بالله ربِّ العالمين، وبحقه على عباده، وغير ذلك من المطالب الإيمانية][26].

ويقوم منهج ضرب المثل، على مُقوِّمين شرعيِّين أساسيّين، هما: القياس، والحكمة.

"والقياس في الأمثال يكون بطريقين"[27]:

[أحدهما: التَّشبيه، كقوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الأعراف:176).

وهذا النوع يقوم فيه المتكلم بإجراء القياس بتشبيه الفرع بالأصل، وبيان وجه المشابهة، وغالباً ما يوجد فيه أداةٌ من أدوات التشبيه.

الثاني: إبراز النموذج الذي يراد أن يُحتذى والشاهد والحجة، ليُقاس عليها ويُعمَّم حكمها لكلِّ من تحقَّق فيه وصفُها، كقوله تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لّلّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} (التحريم:11).

وأما الحكمة، فهي المعاني والنتائج والأحكام والعبر والبراهين.. ونحوها التي يتضمَّنها المثل][28].

2: تطبيق منهج ضرب الأمثال:

أمّا تطبيق هذا المنهج فيما يتعلّق بدرسنا، فثمَّة إضافةً إلى المثل الّذي يتضمّنه الحديث الشريف، مثلٌ آخر هو الذي تتضمّنه الآية القرآنيّة، وفيما يلي ننظر في هذين المثلين:

أولاً، في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)} (سورة إبراهيم)!:

شُبِّهت (الكلمة الطيبة) بـ (الشَّجرة الطيبة).

واختلف العلماء والمفسّرون في المقصود بكلٍّ من هذين الطرفين! ونختار ما ذهب إليه ابن جرير، وهو مذهب الجمهور، إذ يقول في تفسير الآية القرآنيّة: "ألم ترَ ، يا محمد ، بعين قلبك، فتعلم كيف مثَّل اللهُ مثَلاً وشبَّه شبَهًا (كلمة طيبة)، ويعني بالطيبة: الإيمانَ به جلَّ ثناؤه، كشجرةٍ طَيّبةِ الثمرة"[29]، إذن فالكلمة الطيبة هي (الإيمان)، أمّا الشجرة الطيبة، فقد قال بعضهم: إنّها النّخلة، وقال آخرون: إنّها شجرةٌ في الجنّة، يقول ابن جرير: "وأولى القولين بالصَّواب في ذلك، قولُ من قال: هي "النخلة"، لصحَّة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" ثمّ يستدل ابن جرير على ذلك بذكر بعض رواياتِ حديث ابن عمر، ومنها قول ابن عمر: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هل تدرُون ما الشجرة الطيبة؟ قال ابن عمر: فأردتُ أنْ أقول "هي النَّخلة"، فمنعني مكانُ عُمَر، فقالُوا: اللهُ ورسوله أعلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النَّخْلة)[30].

ثانياً، في الحديث: يقول الرَّسول صلى الله عليه وسلم: (أَخْبِرُونِى بِشَجَرَةٍ شِبْهِ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لاَ يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا؟ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ)[31]:

شُبِّهت (الشَّجرة الطيبة) بـ (الرّجل المسلم)،

ولا خلاف حول المقصود بهذين الطرفين، فالحديث نفسه يُحددهما بوضوح.

ونلحظ أنّ المثلين كليهما، يقوم القياس فيهما على أساس التّشبيه، هذا من حيث المقوم الأول للمثل، أي القياس، أما من حيث المقوم الثاني أي: الحكمة المكنونة في المثل، وما يتضمّنه من المعاني والأحكام والعبر والبراهين، فهذا هو موضوع المبحث التالي.

رابعاً: ما هي العلاقة بين الطرفين في كلٍّ من المثلين:

لقد تناثرت كلمات العلماء، في بيان أوجه العلاقة بين طرفي كلٍّ من المثلين القرآنيِّ والنّبويِّ، ولكنّا لم نقف على بحثٍ يستقصي أوجه هذه العلاقة، مثل ما فعل الإمام ابن القيّم، فلذا نكتفي بإثبات ما توصّل إليه حول العلاقة بين طرفي كلّ من المثلين القرآني والنّبويِّ، على النحو التالي:

1: فيما يتعلّق بالمثل القرآنيّ:

 ما هي العلاقة بين الإيمان والشجرة الطيبة؟ وما هي الحكمةُ من وراء تشبيهِ إيمان المؤمن بشجرة النّخلة؟

يقول ابن القيّم:

"وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف، ما يليقُ به ويقتضيه علمُ الذي تكلَّم به وحكمتُه:

- فمن ذلك: أنَّ الشجرة لا بدَّ لها من عروقٍ وساقٍ وفروعٍ وورقٍ وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والإسلام؛ ليُطابق المشبهُ المشبهَ به:

فعروقُها: العلم والمعرفة واليقين،

وساقها: الإخلاصُ،

وفروعها: الأعمال،

وثمرتها: ما توجبُه الأعمال الصَّالحة من الآثار الحميدة والصفات ....

فيُستدلُّ على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه، بهذه الأمور، ...[فإذا تحقّقت] عُلم أنَّ شجرة الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإذا كان الأمرُ بالعكس عُلم أنَّ القائم بالقلب إنَّما هو الشَّجرة الخبيثة التي اجتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار"[32].

ثمّ يقول ابن القيّم:

"ومنها: أنَّ الشجرة لا تبقى حيَّة إلا بمادة تسقيها وتُنميها، فإذا قُطع عنها السَّقيُ أوشك أن تيبس، فهكذا شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهَدْها صاحبُها بسقيها كلَّ وقت: بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، والتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الإيمانَ يَخْلَق في القلب كما يَخلق الثوب، فجدِّدوا أيمانكم)[33]، وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبُه؛ أوشك أن يهلك، ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات، وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده، بأن وظَّفها عليها، وجعلها مادَّةً لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم.

- ومنها: أنَّ الغرس والزرع النافع، قد أجرى الله سبحانه العادةَ أنه لا بد أن يُخالطه دَغَلٌ ونبت غريب ليس من جنسه، فإن تعاهده ربُّه ونقاه وقلعه؛ كمل الغرس والزرع واستوى وتمَّ نباتُه، وكان أوفرَ لثمرته وأطيب وأزكى، وإن تركه أوشك أن يغلب على الغرس والزرع، ويكون الحكم له أو يُضعفُ الأصل، ويجعل الثمرة ذميمة ناقصةً بحسب كثرته وقلته، ومن لم يكن له فقهُ نفسٍ في هذا ومعرفةٌ به؛ فإنَّه يفوتُه ربح كثير، وهو لا يشعر، فالمؤمن دائماً سعيُه في شيئين: سقيُ هذه الشجرة، وتنقيةُ ما حولها، فبسقيِها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتمُّ، والله المستعان وعليه التُّكلان"[34].

ويقف هنا ابن القيّم، مستشعراً التّقصير، قائلاً:

 "فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل، من الأسرار والحكم، ولعلها قطرة من بحر بحسب أذهاننا الوقفة، وقلوبنا المخطئة، وعلومنا القاصرة، وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار، وإلا فلو طَهُرت منا القلوب، وصفت الأذهان، وزكت النفوس، وخلصت الأعمال، وتجرَّدت الهمم للتلقي عن الله ورسوله؛ لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحكمه ما تضمحلُّ عنده العلومُ، وتتلاشى عنده معارف الخلق، وبهذا تعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم، وأنَّ التفاوت الذي بين علومهم، وعلوم من بعدهم، كالتفاوت الذي بينهم في الفضل، والله أعلم حيث يجعل مواقعَ فضله، ومن يختصُّ برحمته"[35].

2: فيما يتعلّق بالمثل النّبويِّ:

يقول ابن القيّم:

"ثم تأمَّل هذه النخلة التي هي إحدى آيات الله؛ تجد فيها من الآيات والعجائب ما يبهرك، فإنَّه لما قدَّر أن يكون فيها إناث تحتاج الى اللقاح، جعلت فيها ذكور تلقحها بمنزلة الحيوان وإناثه، ولذلك اشتدَّ شبهُها من بين سائر الأشجار بالإنسان، خصوصاً بالمؤمن، كما مثَّله النبيُّ صلى الله عليه و سلم، وذلك من وجوهٍ كثيرةٍ:

- أحدها: ثبات أصلها في الأرض واستقراره فيها، وليست بمنزلة الشجرة التي اجتُثَّت من فوق الأرض مالها من قرار.

- الثاني: طيب ثمرتها وحلاوتها وعموم المنفعة بها، كذلك المؤمنُ طيبُ الكلام طيب العمل، فيه المنفعة لنفسه ولغيره.

- الثالث: دوام لباسها وزينتها، فلا يسقط عنها صيفاً ولا شتاءً، كذلك المؤمن لا يزول عنه لباسُ التقوى وزينتها؛ حتى يوافي ربه تعالى.

- الرابع: سهولة تناول ثمرتها وتيسُّره، أمَّا قصيرُها فلا يُحوج المتناولَ أن يرقاها، وأمَّا باسقُها فصعوده سهلٌ بالنسبة إلى صعود الشجر الطُّوال وغيرها، فتراها كأنها قد هُيِّئت منها المراقي والدَّرج إلى أعلاها، وكذلك المؤمن خيره سهل قريبٌ لمن رام تناوله، لا بالغِرِّ ولا باللئيم.

- الخامس: أنَّ ثمرتها من أنفع ثمار العالم؛ فإنه يؤكل رطبه فاكهة وحلاوة، ويابسه يكون قوتاً وإداماً وفاكهة، ويُتخذ منه الخل والناطف والحلوى، ويدخل في الأدوية والأشربة، وعموم المنفعة به وبالعنب فوق كل الثمار....

- الوجه السَّادس من وجوه التشبيه: أن النخلة أصبر الشجر على الرياح والجهد، وغيرُها من الدوح العظام تُميلها الريح تارةً وتقلعها تارةً وتقصف أفنانها، ولا صبر لكثير منها على العطش كصبر النخلة، فكذلك المؤمن صبورٌ على البلاء لا تزعزعه الرياح.

- السابع: أن النخلة كلها منفعة، لا يسقط منها شيء بغير منفعة، فثمرها منفعة وجذعها فيه من المنافع مالا يُجهل، للأبنية والسقوف وغير ذلك، وسعفها تسقف به البيوت مكان القصب، ويُستر به الفُرَج والخلل، وخُوصُها يُتَّخذ منه المكاتل والزَّنابيل، وأنواع الآنية والحصر وغيرها، وليفُها وكربها فيه من المنافع ما هو معلوم عند الناس، وقد طابق بعض الناس هذه المنافع وصفات المسلم، وجعل لكلِّ منفعةٍ منها صفة في المسلم تُقابلها، فلما جاء الى الشَّوك الذي في النَّخلة جعل بإزائه من المسلم صفة الحدَّة على أعداء الله، وأهل الفجور، فيكون عليهم في الشدة والغلظة بمنزلة الشوك، وللمؤمنين والمتقين بمنزلة الرطب حلاوةً وليناً، أشدَّاء على الكفار، رحماءُ بينهم.

- الثامن: أنها كلَّما طال عمرُها ازداد خيرها وجاد ثمرها، وكذلك المؤمن إذا طال عمره ازداد خيره وحسن عمله.

- التاسع: أنَّ قلبها من أطيب القلوب وأحلاه، وهذا أمر خُصَّت به دون سائر الشجر، وكذلك قلبُ المؤمن من أطيب القلوب.

- العاشر: إنها لا يتعطل نفعها بالكلية أبداً، بل إن تعطلت منها منفعة، ففيها منافع أخر، حتى لو تعطلت ثمارها سنةً لكان للنِّساء في سعفها وخوصها وليفها وكربها منافع، وهكذا المؤمن لا يخلو عن شيء من خصال الخير قط، إن أجدب منه جانب من الخير، أخصب منه جانب، فلا يزال خيره مأمولاً وشره مأموناً"[36].

خامساً: لماذا لم يتكلم ابن عمر رضي  الله عنه؟

اهتمّ العلماء والشارحون بالإجابة عن هذا السؤال، بمناسبة قول ابن عمر رضي الله عنه في الحديث: (فَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لاَ يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا)[37].

ووردت عدة إجاباتٍ عن هذا السؤال، أولها أنّه كره أن يتكلّم، وهو الجواب المصرّح به في هذه الرواية، في قوله: (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا)، ويبدو أنّ سبب هذه الكراهة، هو ظنُّه بأنّه ليس من الأدب والإجلال اللائق بأكابر القوم أن يتكلم بين أيديهم، ويسبقهم إلى الجواب، وهو ما صرّح به في قوله: (وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لاَ يَتَكَلَّمَانِ). 

يؤكد ذلك ما ورد في إحدى روايات مسلم، قول ابن عمر: (وألقي في نفسي أو روعي، أنها النخلة، فجعلت أريدُ أن أقولها، فإذا أسنانُ القوم فأهابُ أن أتكلَّم)[38].

ويؤكد ذلك كذلك ما روي عن سمرة بن جندب، قال: (لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً، فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أنَّ ها هنا رجالاً هم أسنُّ منِّي)[39]، فيبدو أنّ ذلك كان من خلق الصحابة رضي الله عنهم، وتأدّبهم مع شيوخهم وعلمائهم، رغم أنّه قد اتّضح لنا من ردِّ عمر رضي الله عنه لابنه أنّ الأمر على الجواز، وقرّر ابن القيّم بناءً على ذلك: "أنّه لا يُكره للولد أن يُجيبَ بما يَعْرِفُ بحضرة أبيه، وإن لم يَعرفه الأبُ، وليس فى ذلك إساءةُ أدبٍ عليه"[40].

ولعلّ التّنازع ما بين دواعي الأدب وهيبة الكبار، وما بين الرّغبة في الكلام، والحال أنّ ابن عمر يعلم بجواز ذلك، هذا التنازع قد ولّد حالةً أخرى كانت مانعاً لابن عمر من الكلام، ألا وهي الحياء، حيث ورد قوله: (فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النَّخلة، فاستحييت)[41].

وفي روايةٍ في المسند عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قال: (أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ؛ فَفَرِقْتُ مِنْ عُمَرَ)[42]، وفي روايةٍ أخرى، يقول ابن عمر: (فأردتُ أنْ أقول "هي النَّخلة"، فمنعني مكانُ عُمَر)[43].

ومفهوم هاتين الروايتين أنّ السبب الأساسيَّ في عدم انطلاق لسان عبد الله بن عمر بالكلام، هو خوفه من سيّدنا عمر رضي الله عنه، وعندئذٍ فالسَّبب الذي شجّع ابن عمر ليحكي لوالده عما وقع في نفسه من جواب مسألة الرّسول صلى الله عليه وسلم، وأنّه كره أن يتكلّم بالجواب، هو شعورُه بأنّه كان الأولى له أن يتكلّم، لأنّه يعلم أنّ هذا الأمر ليس من قبيل قلّة الأدب، ما دام أنّه سيقول ما يقوله بتأدُّبٍ واحترام لمقام الحاضرين، ولا بدّ أنّ عمر بن الخطاب، في هذه الحالة سيشعر بأنّ هيبته والخوف منه، كانت سبباً في عزوف ابنه عن التكلم بما يعلم، خاصّةً وأنّ إجابة سيّدنا عمر فيما يبدو كانت مشجّعةً إلى حدٍّ لو كان يعلم ابنُه عبدُ الله بن عمر بشيءٍ منه، لكان تكلّم! والله تعالى أعلم.

سادساً: لماذا تمنَّى عمر رضي الله عنه أن لو كان تكلَّم ابنه؟

في قول ابن عمر: (فَقَالَ عُمَرُ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا، أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا)[44] "زاد ابنُ حبَّان في صحيحه: أحسبُه قال: حُمرَ النَّعم"[45].

وبمناسبة هذا المقطع، يقول ابن القيِّم: "وفيه فرحُ الرجل بإصابة ولده، وتوفيقه للصَّواب"[46].

ويقول صاحب المفهم: "إنَّما تمنَّى ذلك عمر ليدعو النبيَّ صلى الله عليه وسلم لابنه، فتناله بركة دعوته، كما نالت عبدَ الله بن عباس، وليظهر على ابنه فضيلةُ الفهم من صغره، ويسودَ بذلك في كبره، والله تعالى أعلم"[47].

"واستدلَّ به مالك على أنَّ الخواطر التي تقع في القلب، من محبة الثَّناء على أعمال الخير، لا يُقدح فيها إذا كان أصلُها لله، وذلك مستفادٌ من تمنِّي عمر المذكور، ووجهُ تمنِّي عمر رضي الله عنه ما طُبع الإنسانُ عليه من محبَّة الخير لنفسه ولولده، ولتظهر فضيلةُ الولد في الفهم من صغره، وليزداد من النبي صلى الله عليه و سلم حظوةً، ولعله كان يرجو أن يدعوَ له إذ ذاك بالزيادة في الفهم، وفيه الإشارة إلى حقارة الدُّنيا في عين عمر؛ لأنه قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحمر النعم، مع عظم مقدارها وغلاء ثمنها"[48].



[1] السلسلة الصحيحة للألباني (2888).

[2] السلسلة الصحيحة للألباني (494).

[3] صحيح مسلم (2811).

[4] صحيح مسلم (2811).

[5] صحيح البخاري (61)، (62)، (72)، (131)، (2209)، (4698)، (5444)، (5448)، (6122)، (6144)، على التَّوالي.

[6] فتح الباري:1 /317.

[7] فتح الباري:1 /317.

[8] مسند البزار: 2 /350  (7643).

[9]

[10] شرح صحيح البخاري للحويني: 8/4 (الشَّاملة).

[11] زاد المعاد: 4 /397.

[12] صحيح البخاري (5444).

[13] فتح الباري:1 /317.

[14] فتح الباري:2 /2028.

[15] صحيح مسلم (2811).

[16] فتح الباري:1 /316.

[17] لسان العرب: 4 /144.

[18] فتح الباري:1 /317.

[19] مسند أحمد: 34 /537 (21057).

[20] تفسير السّعدي ص 356.

[21] السِّلسلة الصَّحيحة للألباني (1113).

[22] فتح الباري:1 /317.

[23] فتح الباري:1 /317.

[24] صحيح مسلم (537).

[25] فتح الباري:1 /317.

[26] الأمثال القرآنية القياسية للجربوع: (1/16، 17) بتصرف.

[27] الأمثال القرآنية القياسية للجربوع: (1/16).

[28] الأمثال القرآنية القياسية للجربوع: (1/95) بتصرف.

[29] تفسير الطبري: 16/566.

[30] تفسير الطبري: 16/567، (20697).

[31] صحيح مسلم (2811).

[32] إعلام الموقعين: 1 /173،174. 

[33] المستدرك: 1/4.

[34] إعلام الموقعين: 1/174.

[35] إعلام الموقعين: 1/173.

[36] مفتاح دار السعادة: 1 /230.

[37] صحيح مسلم (2811).

[38] صحيح مسلم (2811).

[39] صحيح مسلم (964).

[40] زاد المعاد: 4/398.

[41] صحيح مسلم (2811).

[42] مسند أحمد: 10 /171 (5955).

[43] تفسير الطبري: 16/567، (20697).

[44] صحيح مسلم (2811).

[45] فتح الباري:1 /317.

[46] زاد المعاد: 4/398.

[47] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: 6 /701.

[48] فتح الباري:1 /317.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام