الإعلان المفاجئ عن الوصول إلى اتفاق لتطبيق مبدأ الحريات الأربع بين السودان وجنوب السودان، وذلك قبل تسوية الملفات العالقة بين البلدين ويأتي على رأسها ملف النفط، أثار الكثير من علامات الاستفهام بين المواطنين في كل من دولتي السودان، فمنهم من استبشر بهذا الاتفاق ومنهم من استنكره.
ولعل مواطني الشمال هم أكثر من يستنكرون هذا القرار ويتساءلون: كيف لدولتين على شفا حرب في أي وقت، أن يغيرا في علاقتهما بهذا الشكل الصارخ، ويتصافحان ويتغازلان بشكل علني، ويتفقان على تطبيق مبدأ الحريات الأربع؟!، وطالب بعضهم بتدخل الرئيس السوداني لإلغائه، أو عمل استفتاء عليه بين جموع السودانيين، فيما هدد البعض الآخر باعتصامات طويلة الأمد حتى يتم إلغاء هذا الاتفاق.
واعتبر بعض المراقبين، أن هذا الاتفاق هو ظلم بيّن للسودانيين في الشمال، وفي نفس الوقت هدية للجنوب، وطوق نجاة لها لأنها تعاني من قلة المواد المالية، مشيرين أن مواطني الشمال هم من سيدفعون الفاتورة في هذه الحالة.
ويعد الاتفاق حول تطبيق مبدأ الحريات الأربع وهي (حرية التنقل وحرية الإقامة وحرية التملك وحرية العمل)، هو قفزة مفاجئة وسريعة فوق مراحل المفاوضات في الوقت الذي لم تحسم فيها قضايا هامة مثل النفط والحدود، وهي القضايا التي قد تنذر بحروب بين الطرفين.

غياب الرؤية
وحول الاتفاق حول تطبيق مبدأ الحريات الأربع بين حكومة السودان ودولة جنوب السودان، أشار المحلل والباحث السياسي السوداني وليد الطيب إلى أن حكومة السودان غابت عنها الرؤية الاستراتيجية في التفاوض، ولهذا وقعت اتفاقا يعطي الجنوب كل شيء ولم تحصد من غنيمة التفاوض أي شيء، بحسب قوله.
وحول ما قاله البعض بأن هذا الاتفاق هو دليل على أن عين الحكومة السودانية على عائدات عبور النفط، قال الطيب: وهل تضمن الحكومة السودانية الحصول على 10 دولارات رسوم عبور للبرميل، مقابل ان يأخذ الجنوب كل ما تمنى؟.
اعتبر الطيب أن الحكومة السودانية ما زالت تتعامل مع السودانيين كأنهم تحت الوصاية فلم ينشر ما اتفق عليه على الملأ.
.JPG)
"إسرائيل في التفاصيل"
واعتبر الخبير القانوني والمحلل السياسي، المحامي غازي سليمان أن اتفاق الحريات الأربع، قد يصب في مصلحة إسرائيل، الأمر الذي يمكِّن الموساد من التغلغل في السودان الشمالي وبالتالي يتمكن من تنفيذ مخططاته الصهيونية وتدعيم نشاطه داخل السودان.
وأشار سليمان في تصريحات صحفية عبر فيها عن رفضه لاتفاقية الحريات الأربع بين الشمال والجنوب، ووصف أي اتفاق على ذلك النحو للحريات مع جنوب السودان في وضعه الحالي تحت حكم الحركة الشعبية بأنها مخلب للقوى العالمية وإسرائيل.
ورأى سليمان أيضا، في حديث لصحيفة "الانتباهة" السودانية، أن هذا الاتفاق هو تفريط صريح في سلامة واستقرار وأمن واقتصاد ودين وثقافة دولة السودان الشمالي، وله آثار كارثية مدمرة، على حد قوله.
واتفق معه المحلل السياسي، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، د. صفوت صبحي فانوس، بقوله: إن الشيطان يكمن في تفاصل هذه الاتفاق، مشددا على ضرورة النظر إلى الاتفاق من خلال التسوية الشاملة للقضايا العالقة والتي من بينها النفط وأبيي والحدود.

دعوات اعتصام
وفي نفس السياق، هدد عدد من الناشطين السودانيين باعتصامات طويلة الأمد في حال إقرار العمل باتفاق الحريات الأربع مع دولة جنوب السودان.
ودعا الناشط السياسي السوداني إدريس محمد، في رسالة وجهها إلى جموع السودانيين، للاحتجاج علي اتفاق منح الجنوبيين الحريات الأربع، والوقوف في وجه العبث الذي ظل المؤتمر الوطني يمارسه ضد السودان وكرامته وعزته.

استفتاء
من ناحية أخرى، اتخذ عدد كبير من أئمة المساجد بالخرطوم منابرهم منصة للهجوم على اتفاق الحريات الأربع الموقَّع في أديس أبابا بين الحكومة ودولة الجنوب.
وطالب الأئمة الرئيس البشير بالتدخل لإلغائها كما فعل في اتفاق سابق دعوا لقيام استفتاء بين السودانيين للموافقة على الاتفاق أو لرفضه، وتساءلوا: كيف يُتخذ قرار خطير كهذا من قبل قلة؟.
فمن جانبه انتقد خطيب مسجد دار حفظ القرآن الكريم بشمبات د. مختار عثمان صديق الاتفاقية، وطالب بإجراء استفتاء بين السودانيين للموافقة عليها أو رفضها، مشيراً إلى أن أمرًا بمثل هذه الخطورة لا يمكن أن يتخذ فيه القرار مجموعة محدودة من المفاوضين

تهديد الأمن القومي
وكان رد فعل حزب منبر السلام العادل قويا على اتفاق الحريات الأربع بين دولتي السودان، حيث شن الحزب هجوماً شديداً على الاتفاق الإطاري، الذي تم التوقيع عليه بين الخرطوم وجوبا بأديس أبابا أمس الأول.
وحذَّر حزب "منبر السلام العادل"، في بيان له، من خطورة اتفاقية الحريات الأربع مع دولة الجنوب.
وقال رئيس المنبر المهندس الطيب مصطفى في مؤتمر صحفي: إن هذا الاتفاق يشكل تهديداً للأمن القومي، وذلك لما تحمله الحركة الشعبية من مشروع هدَّام أعلنته في وقت سابق وقالت: إنه لن يرتبط بالانفصال أو الوحدة.
وأضاف أن الحركة الشعبية مازالت تحلق بمسماها "تحرير السودان"، وذلك لسعيهم لضم شمال السودان لدولة الجنوب.

الحكومة: لم نتفق بعد
ومن جانبه، نفى نائب د. الحاج آدم يوسف رئيس الجمهورية ما تم تناوله عبر الإعلام حول التوصل لاتفاق نهائي اتفاق الحريات الأربع بين السودان ودولة الجنوب.
وأكد أن الدولتين لم تتفقا بعد على ملف الحريات الأربع ولم يتم تناول الموضوع بالنقاش المستفيض بعد وكذلك ملف المواطنة.
وأشار يوسف إلى أن هذه القضايا يمكن أن يتم تداولها عقب الفراغ من الاتفاق والتنفيذ حول أجندة الملف الأمني بين الدولتين.
وحول تاريخ 9 إبريل الذي وصفه البعض بأنه يوم طرد الجنوبيين، قال نائب رئيس الجمهورية: إن التاسع من أبريل القادم ليس يوماً خاصاً بطرد الجنوبيين من السودان، وإنما هو تاريخ خاص بتوفيق أوضاعهم.
وأكد يوسف أن أي جنوبي سيتم تعامله بعد التاسع من أبريل القادم على اعتبار أنه (أجنبي)، وقال: إذا وجد أحد من الجنوبيين غير مرغوب فيه بالسودان، بسبب دوره السالب في التخريب الأمني والاجتماعي والاقتصادي من حقنا طرده.