السبت 01/09/1438 - الموافق 27/05/2017 آخر تحديث الساعة 04:37 م مكة المكرمة 02:37 م جرينتش  
بحوث عامة

شروط المحتسب

1433/06/07 الموافق 28/04/2012 - الساعة 12:09 م
|


يشترط فيمن يلي الحسبة شروط من أبرزها ما يأتي:

1. الإسلام:

فلا يصح أن يلي الحسبة كافر، لأن الدعوة إلى الله نصرة لدينه فكيف يكون من أهلها من هو جاحد لأصل الدين وعدو له؟(1).

 ولما في هذه الولاية من السلطنة، وعز التحكيم، والكافر ذليل لا يستحق أن ينال عز التحكيم على المسلمين(2)

 قال تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} (3)

2. التكليف:

 فلا يجوز أن تسند الحسبة لغير مكلف، إذ لا يلزمه أمر، ولا يتوجه إليه طلب؛ حيث إنه لا يحسن تصريف شؤونه بنفسه، فكيف توكل إليه مهمة الإشراف على تصريف شؤون الناس في أسواقهم ومبيعاتهم وغيرها؟

وهذا الشرط المراد به شرط الوجوب .

أما إمكان الفعل وجوازه فلا يستدعي إلا العقل حتى إن الصبي المميز وإن لم يكن مكلفاً فله إنكار المنكر(4)

3. القدرة:

فالعجز الذي هو عدم القدرة من الأسباب المؤدية لعدم وجوب الحسبة على المحتسب.

إذ الحسبة من العاجز ضرب من العبث، بل ربما كان ضررها أعظم من نفعها. لكن على العاجز عن إنكار المنكر باليد أو باللسان إنكاره بالجنان، والابتعاد عن مجلس المنكر حسب الوسع والاستطاعة (5)

4. العلم:

 ويقصد به أن يكون عالماً بأحكام الشريعة فيما يأمر به وينهى عنه(6)

وقد ذكر الماوردي وأبو يعلى وغيرهما أن المحتسب لا بد أن يكون عالماً بالمنكرات الظاهرة لينكرها(7)

أما الغزالي فبعد أن ذكر شرط العلم قال مبيناً له: ”أما العلم فليعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها ليقتصر على حد الشرع فيه"(8)

ويذكر أبو المعالي الجويني أن شرط العلم يتعلق بالمنكرات التي تحتاج معرفتها إلى اجتهاد.

أما ما هو معلوم من الدين بالضرورة فالحسبة فيه لآحاد المسلمين لأن مالا وجهة فيه للاجتهاد فللعالم وغير العام الاحتساب فيه(9)

5- العفة والورع:

أي أن يكون عفيفاً عن أموال الناس، متورعاً عن قبول الهدية من التجار وأرباب الصناعات (10)

فإن ذلك رشوة (11) وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراشي والمرتشي(12)

وقد نهى الحق تبارك وتعالى في كتابه العزيز عن أكل أموال الناس بالباطل فقال سبحانه:

{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون}(13)

ولأن التعفف عما في أيدي الناس أصون لعرضه، وأقوم لهيبته.

6. الحرية:

أي أن يكون المحتسب حراً لا عبداً مملوكاً (14)

ذلك أن العبد في الغالب مشغول بخدمة سيده، والقيام بمصالحه، وغير خاف أن الحسبة ولاية تحتاج إلى تفرغ كامل، وجهد كبير، وعمل دائب.. فالمحتسب عامل للمسلمين، ومحبوس لهم.

فضلاً عن أن العبد كما لا يجوز له أن يتولى القضاء فكذا الحسبة لما بين الولايتين من التشابه الكبير.

7. الذكورية:

 ويعلل المجيلدي السبب في اشتراط هذا الشرط بقوله: "إذا الداعي إلى اشتراط الذكورية أسباب لا تحصى، وأمور لا تستقصى"(15)

فاللرجل من الصبر والجلد والقوة والهيبة والقدرة على التحمل.. ما ليس للمرأة.

فضلاً عن أن المرأة" لا يتأتى لها أن تبرز إلى المجالس، ولا تخالط الرجال ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير.

لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها.

وإن كانت متجالة(16)

برزة(17) لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم، وتكون منظرة لهم.."(18)

كما أن الحسبة نوع ولاية لها شبه بالقضاء، والولاية خاصة بالرجال ليس للنساء فيها مدخل(19)

لقوله -  صلى الله عليه وسلم (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (20)

لكن لا بأس أن تتولى المرأة الحسبة على السوق ونحوه في الأمور الخاصة بالنساء.

وذلك لما نقل عن الخليفه عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- أنه ولى الشفاء بنت عبد الله العدوية شيئاً من أمر السوق في المدينة(21)

8. التفقه في الدين:

 يعلل الشيزرى وجوب كون المحتسب فقيها بأن الحسبة لما كانت أمراً بمعروف ونهياً عن منكر، وإصلاحاً بين الناس، لهذا وجب أن يكون المحتسب فقيهاً(22)

ولعل هذا الشرط هو ما قصده الماوردي وأبو يعلى عندما ذكرا أن من شروط متولي الحسبة أن يكون "ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين"(23)

والواقع أن الفقه في الدين من الأمور الضرورية للمحتسب في عمله، وبخاصة بعد تعدد اختصاصاته، وتنوع مسؤولياته، ولا يخفى مدى العلاقة بين هذه الاختصاصات وتلك الوظائف وبين الأحكام الشرعية الواجبة الاتباع .

9. العدالة(24)

تعد العدالة من أهم الشروط التي أكد أكثر الفقهاء ومَنْ كتب في الحسبة على اشتراطها في المحتسب، وذلك لما لعمله من صلة وثيقة بالرعية بصفة عامة وفي مجالات متعددة.

فقد ذكره الماوردي(25) وأبو يعلى(26) وابن الأخوة(27) وابن تيمية(28) والمجيلدي(29)

كما ذكر المقريزي ما يدل على أن شرط العدالة كان من الشروط الهامة في المحتسب حيث قال أثناء كلامه عن الحسبة بأن " من تسند إليه لا يكون إلا من وجوه المسلمين وأعيان المعدلين؛ لأنها خدمة دينية"(30)

فهؤلاء إذاً وغيرهم من الفقهاء يشترطون في المحتسب أن يكون عدلاً مجتنباً للمعاصي وخوارم المروءة.

وهم يستدلون لما ذهبوا إليه بقوله تعالى:{أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} (31)

وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} (32)

وبما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم -أنه قال:

( رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار).

قلت: مّنْ هؤلاء يا جبريل؟

قال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون"(33)

فهذه النصوص تفيد الإنكار على مَنْ يأمر بأمر وهو لا يفعله.

هذا ويذهب الغزالي(34) وغيره من أهل العلم(35) إلى أنه ليس من شرط المحتسب أن يكون سليماً من المعاصي، بل يجوز إسناد الحسبة لفاسق.

 وهؤلاء يستدلون بعموم النصوص من الكتاب والسنة الواردة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير تفريق بين عدل وفاسق.

وقد ذكر الغزالي أن اشتراط العصمة من المعاصي "خرق للإجماع، وحسم لباب الاحتساب، إذ لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم. والأنبياء – عليهم السلام – قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا"(36)

والذي يبدولي في هذه المسألة – والله أعلم – أنه إذا توفرت العدالة مع قوة وأمانة فيمن تسند إليه ولاية الحسبة فلا يعدل عنه إلى غيره.

لكن إذا ندر أو عُدِم فإن على الحاكم أن يجتهد في اختيار الرجل الأمثل فالأمثل لتوليهما من غير محاباة له، أو ولاء أو قرابة أو صداقة..

بل يتحرى من يثق بعدالته وأمانته وقوته وإن وجد منه اقتراف لبعض الذنوب، أو فعل شيء مما يخل بالمروءة، فلعل ذلك يكون سبباً في إقلاعه عنها، واستقامته وصلاحه.

10. إذن الإمام أو نائبه:

أي أن المحتسب لا بد أن يكون مأذوناً له في الاحتساب من قبل الإمام أو نائبه.

وذلك حتى يكون للمحتسب هيمنة وصولة يُخيف بها العاصين،ـ ويُرهب بها المفسدين، ويُقوِّمُ بها المتهاونين.

كما أنه من غير المعقول أن يتولى شخص الحسبة في بلد أو أقليم مع قيام الدولة، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويُؤدّب ويُعَزّر.. من غير أن يأذن له الإمام أو نائبه!!

إذ لو فعل ذلك لترتب عليه خطر جسيم، وفساد كبير، لما قد يُقابل به من الرفض وعدم الامتثال، بل قد يصل الأمر إلى التصادم والتضارب والتقاتل.

كما أنه ربما استغل هذا أصحاب المآرب الخبيثة، والنيات الفاسدة، للوصول إلى مقاصدهم الشريرة، متذرعين تحت ستار الاحتساب.

ومعلوم أن سد الذرائع له اعتباره  في الشريعة.

أما ما أورده الغزالي من اختلاف العلماء في اشتراط إذن الإمام أو نائبه في المحتسب، وترجيحه عدم اشتراط الإذن.

حيث قال أثناء كلامه عن الشروط الواجب توافرها في المحتسب:".. كونه مأذوناً من جهة الإمام والوالي.

فقد شرط قوم هذا الشرط، ولم يثبتوا للآحاد من الرعية الحسبة. وهذا الاشتراط فاسد .."(37)

فإن هذا محمول – كما يبدو على الاحتساب بمعناه العام الذي اقتضاه التكليف الإلهي، فهو واجب ديني، وفرض كفائي، يجب على الكافة من الأمة القيام به حسب القدرة والطاقه.. وهو ماعناه النووي بقوله:

« ولا يختص الأمر والنهي بأصحاب الولايات والمراتب، بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين، وواجب عليهم.. والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول كانوا يأمرون وينهونهم مع تقرير المسلمين إباهم وترك توبيخهم على التشاغل بذلك بغير ولاية ..»(38)

كما أنه بالرجوع إلى الفروق المتقدمة(39) بين المحتسب المنصوب والمحتسب المتطوع في تطبيق الاحتساب، والقيام به يزول اللبس، ويتضح المقام.. إذ هناك فرق بين من عهد إليه بولاية الحسبة من قبل الحاكم أو الأمير.. وبين من يستمد عمله من مقتضى التكليف الشرعي العام.. – والله أعلم -.

11. مراعاة المصالح وتحقيقها، ودرء المفاسد وتعطيلها

وهذا أصل عظيم جليل طلبه الشارع واعتبره قال تعالى: {وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين}(40) وقال: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم }(41) وقال: { يُريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}(42) وقال: { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً}(43)

وقال -  صلى الله عليه وسلم - : « الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»(44)

وقال –صلى الله عليه وسلم- :« لا ضرر ولا ضرار»(45)

ومن مقررات الشريعة المتفق عليها: لزوم الدية في القتل على العامد والمخطئ، والعالم والجاهل، والصغير والكبير؛ وكذا غرم المتلفات على جميع هؤلاء تحقيقاً لمصالح العباد.

ويعد تقدير المصالح وتمييزها والقدرة على الموازنة بينها وبين المفاسد من أدق المسائل المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وكلما كان المحتسب أقدر على معرفة ذلك وتمييزه كلما كان احتسابه أقوى واثبت.

ويكفي في بيان أهمية هذا الجانب أن مدار بعثة الرسل وإنزال الكتب والشرائع قائم عليه، فلم تبعث الرسل وتنزل الشرائع إلا لجل المصالح وتحصيلها من عبادة الله وحده لا شريك له وظهور شرعه ودينه.. ودفع المفاسد وتعطيلها.

وهذه هي حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هذا واعلم أن أصل المصلحة: المنفعة، وهي في اصطلاح الشرع «جلب المنفعة ودفع المفسدة في نظر الشارع» فهي إما أن تكون نفعاً يجلب أو ضرراً يُدفع.

والمراد بالمنافع: اللذات والأفراح وأسبابها، وضدها المفاسد التي هي الآلام والغموم وأسبابها. وقد يعبر عنهما بالخير والشر والنفع والضر.

وطريق تحديد المصلحة إنما هو الشرع، لا القانون أو العرف أو العقل أو الذوق.. فكل ما أمر به الشرع فهو مصلحة، وكل ما نهى عنه فهو مفسدة.

ثم اعلم أن المصالح الشرعية دائمة أبدية تشمل الدنيا والآخرة، كما أنها شاملة، فلا تختص ببعض الناس دون غيرهم، أو فئة دون الآخر، بل تخدم الأمة عامة وتعود على الناس بحفظ ضروراتهم وحاجياتهم وما كان لهم به نفع.

أقسام المصلحة من حيث اعتبار الشارع وعدمه(46)

تنقسم المصلحة من هذه الحيثية إلى ثلاثة أقسام وهي:

1. ما نص الشارع على اعتبارها فهي الشرعية، كمصلحة حفظ الدين والتي تقوم بنشر العمل الشرعي النافع والدعوة إلى الدين علماً وعملاً بالقلم واللسان والسيف والسنان؛ وكذلك  تحريم كل ما يضعفه أو يضاده من العلوم الرديئة والأعمال المنحرفة.. والمظاهر المخالفة.. ولذا جاء تحريم التصوير ولعن المصورين، كما حرم رفع القبور وتجصيصها والبناء عليها والكتابة، وبالجملة فكل مأمورات الشرع داخلة في هذا وكذا نواهيه.

2. ما قام الشارع بإلغائه وعدم اعتباره، كمصلحة المرأة في مساواتها بالرجل في الميراث.. ويدخل في هذا القسم كل ما عُلم أن الشارع ألغى اعتباره، وإن رأى الإنسان بعقله القاصر أنه مصلحة؛ فهو ليس كذلك لمصادمته الشرع أو إخلاله بمقصد من مقاصده، أو لكونه معارضاً لمصلحة أعظم.

3. ما سكت عنه الشارع فلم يرد طلبه ولا إلغاؤه ..وهذا النوع هو ما يسمى بالمصالح المرسلة.. ولها شروط وضوابط وتفاصيل ليس هذا موضعها.

ثم إن المصلحة الشرعية الدنيوية (وهي الواقعة في الحياة الدنيا) من عبادات ومعاملات.. لا بد أن يشوبها شيء من المفسدة؛ للحوق المشقة بها سواء كانت على وجه التقدم عليها أو المقارنة أو التأخر عنها.

فالمصلحة في هذه الدار راجحة غالبة لا خالصة، بخلاف الأخروية – وهي نعيم أهل الجنة- فإنها خالصة لا كدر فيها.

وقد تعارض المصلحة الشرعية بمصلحة مرجوحه فتكون غالبة، وقد لا يعارضها  غيرها فتكون راجحة كما سيأتي.

ومقصود الشارع إنما هو المصلحة الراجحة – الواقعة في الدنيا – وكذلك الخالصة وهي الواقعة في الآخرة كما تقدم.

ثم إن المصالح الشرعية تتفاوت قوة وضعفاً بحسب متعلقها.. فهي لا تخلو من أن تكون ضرورة أو حاجية أو تحسينية..

فالضرورية هي التي لا بد من توفرها لقيام حياة الناس على الوجه المستقيم دون اضطراب كالمحافظة على الدين – وهو أعلاها – بتثبيت دعائمه ورفع ما يضاده.. وكالمحافظة على العقل وسلامته ومقاومة ما يفسده من مسكر ومخدر حسي أو معنوي؛ وكالمحافظة على الأعراض والأنساب ودفع كل ما يعترضها من فساد بأي صورة كان، سواء عن طريق مقارفة الفواحش، أو ما يجر إليها كالسفور والتبرج واللحن بالقول والخضوع فيه.. وكنشر الصور والمجلات الرديئة أو الأفلام والأغاني الماجنة؛ وكذا حفظ النفوس والمحافظة على سلامتها، ولذا حرم كل ما يضر البدن كالدخان والميتة وأنواع السموم ونحوها من الأمور الضارة.

وكذا حفظ المال وبقائه بأن شرع أنواع العقود المباحة، وبين طرق أخذ المال وإنفاقه.. وحرم الربا وغيره من المحرمات المتعلقة بالمعاملات المالية .. كما تقدم.

والمصالح الحاجية هي التي يفتقر إليها الناس لرفع الحرج والضيق عنهم؛ أما التحسينية فكالأخذ بمحاسن الأمور والجري على مكارم الأخلاق، ومن فروع ذلك خصال الفطرة كالسواك وقص الشارب وكتحريم المستقذرات.

 فالأكل منه ما لا بد منه في قيام حياة الإنسان فهو ضروري، ومنه ما لو ترك لوقع الإنسان في ضرر وحرج لكنه لا يلحق به العطب فهو حاجي، وما زاد فهو تحسيني.

وعمل المحتسب يتعلق بجميع مراتب المصلحة وصورها الشرعية.

هذا وقد تكون المصالح عامة لأغلب الناس أو جميعهم، وقد تكون خاصة وقاصرة على بعض الأفراد أو الجهات.

وهي باعتبار التغير والثبات على قسمين:

الأول: ثابتة، كالواجبات الشرعية وتحريم المحرمات.

الثاني: متغيرة حسب الأحوال زماناً ومكاناً، فتكون خاضعة للاجتهاد، كمقادير التعزيرات وكاتخاذ الدواوين.. ومن ذلك أيضاً اختلاف بعض أساليب الدعوة التي لا يشوبها مخالفة للشرع كاتخاذ الكتب والمجلات والأشرطة والرحلات وغير ذلك من الأساليب المباحة بشرط عدم المخالفة.

أما باعتبار الوقوع فهي قسمان:

الأول: قطعية الوقوع أو ما يقارب ذلك.

الثاني: ظنية الوقوع وهي ما يكون وقوعها جائزاً أو كثيراً لكن لا يصل إلى درجة اليقين أو ما يقاربه.

ذكر ضوابط المصلحة الشرعية:

حتى تكون المصلحة معتبرة شرعاً لا بد من توفر شرطين:

الأول : ورود النص أو القياس بطلبها.

الثاني: أن لا تكون معارضة بمصلحة أرجح منها أو مساوية، وطريق الترجيح بين المصالح لمعرفة مراتبها يكون كالآتي:

1. تقدم الضرورية على الحاجية، كما تقدم الحاجية على التحسينية. ومن هنا يعلم أن قاعدة « درء المفاسد أولى من جلب المصالح» ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بأن تكون المصلحة والمفسدة في رتبة واحدة وّحّدٍّ مستو، أما إن لم يوجد التساوي فيرجح الأعلى.

2. تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة إن كانتا في رتبة واحدة. ومن هنا يعلم أن قاعدة المصلحة العامة مقدمة على الخاصة ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بأن تكون المصلحتان في رتبة واحدة ومستوىً متماثل.

3. إن كانتا ضروريتين وعامتين قدمت المصلحة المتعلقة بالدين على المتعلقة بالنفس ثم العقل ثم النسل ثم المال؛ فالمصلحة المتعلقة بالدين تقدم على غيرها من الضروريات الأخرى. قال تعالى: { والفتنة أشدُّ من القتل }(47) وكذلك ما كان ذو مرتبة أعلى فإنه يقدم على ما دونه.

 توضيح ما سبق بالمثال:

 من مقررات أهل السنة وجود الجهاد مع كل أمير براً كان أو فاجراً. فالجهاد به حفظ الدين وهو ضروري لارتفاع كلمة التوحيد.. أما كونه عادلاً فهو حاجي، فيقدم الجهاد مع البر والفاجر لكونه ضرورياً على ما كان مع العادل فقط لكون هذا الوصف في الإمام حاجي.

 ثم إن الجهاد به حفظ للدين بإزهاق النفس فقدمت مصلحة حفظ الأديان على حفظ النفوس والأبدان.

ويمكن التمثيل على تقديم المصلحة العامة على  الخاصة بالمنع من تلقي الركبان، فمصلحة أهل السوق عامة، وقدمت على مصلحة المتلقي الخاصة؛ وكالنهي عن الاغتسال بالماء الراكد مع كون المغتسل منتفعاً من ذلك لكنه يضر بالمصلحة العامة فيمنع منه لذلك.

بيان نظر الشارع للنتائج واعتباره لها(48)

تقدم عند الكلام على « الحِكَم والفوائد من مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ذكر إقامة الدين وظهور الشريعة.. وزوال الباطل أو التقليل منه.. وهذا ولا شك مطلب شرعي أصيل .. لا بد للمحتسب من أن يضعه نصب عينيه وهو يؤدي هذه المهمة.

أمّا إن كان الناتج عن الأمر والنهي في بعض الحالات زيادة في المنكر الذي أردنا إزالته، أو زوال للمعروف الذي أردنا تكثيره.. فإن الآمر أو الناهي في هذه الحال يكون سبباً في ازدياد الباطل وتقليل المعروف علم أم لم يعلم(49)

ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما شُرع لتحقيق ما يحبه الله ورسوله، فإذا ترتب على ذلك ما هو أنكر منه وأبغض إلى الشارع فإنه لا يسوغ إنكاره؛ وترك الإنكار في هذه الحالة لا يعني إقرار المنكر.

ومثاله: الإنكار على الولاة المسلمين بالخروج عليهم.. فإن ما يترتب عليه من المفاسد أكبر مما يجلب من المصالح .. وقد استأذن الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قتال الأمراء الذين قال في وصفهم: « تعرفون وتنكرون » فقال: « لا ما صلوا، لا ما صلوا»(50)

ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه.

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى بمكة أكبر المنكرات – كالأصنام – ولا يستطيع تغييرها .. ولما فتح مكة عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك – مع قدرته عليه – خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام. ولهذا لم يأذن بالإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من المفاسد.

والحاصل أن ما  يترتب على إنكار المنكر لا يخلو من أربع حالات:

الأولى: أن يزول ويخلفه ضده من المعروف، كما إذا نصحت رجلاً يبيع الأغاني وينشرها، فقبل النصح، فاستبدل ذلك بالأشرطة الإسلامية.

الثانية : أن يقل المنكر وإن لم يزُل بجملته.. كما إذا نبهت بعض أصحاب المناهج المشتملة على بعض المخالفات أو البدع .. على مخالفته أو بدعته، فقبل منّك، فترك بعض ما هو فيه من المنكر.. وكما إذا نصحت من يسب الله عزوجل أو رسوله - صلى الله عليه وسلم -أو الدين، فانتهى إلى سب آحاد المؤمنين.

الثالثة: أن يزول ويخلفه ما هو مثله .. كما إذا نصحت رجلاً ليكف عن سماع الأغاني الغربية، فانتقل منها إلى الأغاني العربية !!

وكما إذا بينت لنصراني فساد عقيدة التثليث، فعرف فسادها، فانتقل إلى اليهودية مثلاً..!!

وكما إذا حاورت بعض المنتسبين إلى الدعوة إلى الإسلام،وهو ذو منهج تشوبه بعض البدع أو المخالفات، فانتقل إلى منهج في الدعوة يماثله في حجم الانحراف وقدره.

الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه. وكما إذا نصحت بعض أصحاب المهن بأن يتزين في لباسه إذا أراد المجيء إلى المسجد فيدع الصلاة فيه.

فالأولان مشروعان، والثالث موضع اجتهاد(51)ونظر، والرابع محرم(52)

قال ابن القيم – رحمه الله - : « فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الشارع كسباق الخيل.. وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون فإذا نقلته عنها انتقل إلى كتب أهل البدع والضلال والسحر فدعه.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة .. وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم.

ولذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قطع الأيدي في الغزو .. مع كون القطع حد من حدود الله تعالى .. فنهى عنه خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين.

وقد نص أحمد وإسحاق والأوزاعي وغيرهم على أن الحدود لا تقام في أرض العدو»(53)أ. هـ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:« .. فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به وإن كان قد تُرك واجب وفعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم »(54)أ. هـ.

العمل عند تعارض المصالح والمفاسد(55)

يجب أن يكون الاحتساب بفقه ونظر فيما يصلح من هذا العمل وما لا يصلح فإذا تعارضت المصالح والمفاسد فيما يأمر به أو ينهى عنه نُظِرَ: فإن كانت المصلحة راجحة والمفسدة مرجوحة، فإنه لا يعتبر المفسدة حينئذ، وعليه الاحتساب في هذه الحال.

وهذا يكون مع مراعاة ما سبق من شرطية كون المتعارضين في مرتبة واحدة ونوعية واحدة كما تقدم بيانه، وإلا فإنه يرجح ما كان متعلقاً بالضروري على غيره، كما يرجح الحاجي على التحسيني.

وهذا كمن يريد شرب الخمر ليزيل به عطشاُ يشق عليه تحمله لكنه لا يؤدي به إلى الهلاك، فإنه يحرم عليه، لتعلق المفسدة بالضروري وهو حفظ العقل، وتعلق المصلحة بالحاجي وهو إزالة ذلك العطش.. بخلاف ما إذا كان العطش يؤدي به إلى الهلاك.. فإنه يشرب فيه هذه الحالة لتعلق ذلك بالضروري وهو حفظ النفس، ولتعلق شرب الخمر بالعقل وهو ضروري لكنه دونه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – ما ملخصه :« الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر، فإذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعاً، أو يتركوهما جميعاً، لم يجز أن يؤمروا بمعروف، ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أمر به وإن استلزم ما دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، وإن كان المنكر أغلب نهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف»أ. هـ(56)

أما في حال كون المفسدة أرجح من المصلحة: كتعطيل الدعوة ونحو ذلك فحينئذ تفوت المصلحة وتدفع المفسدة .. بالشرط المتقدم.

ومن صور هذه القاعدة: تَرْكُ النبي - صلى الله عليه وسلم -لعبد الله بن أُبَيّ وعدم قتله لئلا تأخذ الحمية قومه .. ولئلا يقول الناس: محمد يقتل أصحابه(57)

ومن أمثلة هذا النوع: القول بمنع ابتعاث الصغار وسائر من لا ينطبق عليه الشروط المعروفة للسفر إِلى بلاد الكفار.. من اعتزاز بالدين ونحوه .. على ما في ذلك من المصلحة وهي تحصيل بعض العلم.

ومن أمثلة ذلك: منع التلقي من أصحاب البدع- المخالفين لعقيدة أهل السنة والجماعة – في حال وجود غيرهم ممن يؤخذ عنه هذا العلم ولا يقع فيما وقعوا فيه.

ومن الأمثلة أيضاً على ذلك: منع دخول البرلمانات ونحوها في البلاد التي تحكم القوانين .. مع أنه قد يوجد شيء من مصلحة في ذلك ولكن المفسدة أعظم من وجوه كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

وقد حُرّمت الخمر لرجحان مفاسدها على منافعها..

أما إذا تساوت مقادير المصالح والمفاسد : في حال التعارض فإنه ينظر في مراتبهما من ضروري وحاجي – كما تقدم- فإن اتحدت عُمل بقاعدة :« درء المفاسد مقدم على جلب المصالح »وإلا فيقدم الأقوى منهما.

قال شيخ الإسلام ابن يمية – رحمه الله - : « وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم يُنه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المنكر والمعروف  متلازمين،وذلك في الأمور المعينة الواقعة.

 وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقاً، وينهى عن المنكر مطلقاً، وفي الفاعل الواحد والطائفة والواحدة: يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويُحمد محمودها ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الزمر بمعروف أكبر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه.

وإذا اشتبه الأمر استثبت المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يُقْدِم على الطاعة إلا بعلم ونية..» أ. هـ(58)

العمل عند تزاحم المصالح:

  إذا تزاحمت المصالح بحيث لا يمكن القيام إلا ببعضها وتفويت ما سواها .. ففي هذه الحالة ينظر فيما كانت مصلحته أرجح فيقدم .. سواء كان التفاضل والرجحان في المرتبة ، كتقديم الضروري على الحاجي والحاجي على التحسيني.. وكتقديم ما يتعلق بحفظ الدين من الضروري على غيره، وتقديم ما يتعلق بالنفس من الضروري على ما تعلق بحفظ ما دونه؛ أو كان التفاضل واقعاً في صورة الحكم كالواجب مع المستحب.

وهذه المسألة دقيقة جداً وكبيرة الأهمية، ذلك لسعة هذه الشريعة وشمولها، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – شبهها بالشرائع المتنوعة .. فالواجبات أكبر من الأوقات وأوسع.. فينبغي تقديم ما هو أهم وآكد في مثل هذه الحال وأبلغ في التأثير والنفع في مجالات الدعوة المختلفة.

ومن صور هذه المسألة: ازدحام بعض مجالات الدعوة عند بعض المشتغلين بها، كمن لم يتمكن إلا من القيام بشيء محدود من ذلك .. فأيهما يقدم .. العناية بتربية النشء على الإسلام أو خوض المجالات العامة ؟ ويجاب عن هذا بأن الجمع بين الأمرين هو الأصل وهو المطلوب، لكن من لم يتمكن إلا من واحد منهما فإنه يُنظر في حاله وحال زمانه من حيث حال الدعوة وسيرها في هذين السبيلين وحاجتها إلى الأعوان في كل منهما.. فيرجح على هذا الأساس.

 ومن صور هذه المسألة: تزاحم الأوقات بين الاشتغال بطلب العمل أو بنوافل العبادات وبين القيام بالدعوة .. فالمطلوب التوفيق بين هذه الأمور ومصلحة الدعوة من أهم المصالح فلا ينبغي إهمالها بل يوليها بعض اهتمامه ووقته حسب قدرته.

العمل عند تزاحم المفاسد:

إذا ازدحمت المفسدتان ارتُكب أيسرهما لدفع أشرهما .. هذا في حال التفاوت والذي يبنى على ما تقدم.

قال في المراقي : ( وارتكب الأخف من ضُرَّين(59)

وهذا كله مُخّرَّج على ( قاعدة ارتكاب أخف الضررين ) وإنما يكون ذلك إذا كان لا بد من الوقوع في أحدهما لا محاله، أما إذا أمكن تلافيهما فالأمر يجري على قاعدتين هما:

الأولى: «الضرر يُزال .

والثانية : «الضرر لا يزال بالضرر».

ومن صور ذلك(60): إشغال من تعلق بالأغاني وسماعها بالقصائد التي تحمل المعاني الطيبة، حتى تنصرف نفسه عن ذلك الغناء، إن كان لا يتركه إلا بمثل هذا؛ مع أنه قد يشتغل بهذه القصائد عن قراءة القرآن أو الذكر.

ومن صور ذلك(61): دفع أشرطة «الفيديو» التي تحمل مواد طيبة لمن تعلق بالتلفاز تعلقاً ميئوساً من مفارقته .. فيعطى أمثال تلك الأشرطة وإن كان المُعطي يرى أن تلك الصور التي تظهر فيها من قبيل المحظور.

ولا يحتج على هذا بقاعدة « الضرر لا يزال بالضرر » لأن القاعدة ليس هذا محلها. فالضرر الأصل فيه قاعدة « الضرر يزال » وأنه « لا يزال بالضرر» هذا فيما إذا كانت إزالته بغيره ممكنة.. أما في مثل تلك الصور والتي لا بد فيها من الوقوع في أحد المفسدتين فإن القاعدة التي يجب إعمالها هي « ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما ». كما مر بك في الأمثلة السابقة.

ومن صور هذه القاعدة: الترخيص لمن عُرض على السيف أو يتكلم بما يشعر السامع بالكفر .. بأن يتكلم بذلك شريطة أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان.

ومن صورها : ما فعله عبد الله بن حذافة السهمي – رضي الله عنه – حينما خُيِّرَ بين القتل وبين تقبيل رأس عظيم الروم .. فَقَبِلَ ذلك عبد الله – أعني تقبيله – على أن يفك أسارى المسلمين .

أما إذا تساوت المفاسد في القدر فإنه يُخّيَّر بينها.. كما قال في المراقي:

وارتبك الأخف من ضُرَّيْن

جج  وخَيِّرنْ لدى استوى هذين(62)

ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – حول هاتين القاعديتن:

قال ابن تيمية – رحمه الله - : « فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقُدم أو كدهما لم يكن الآخر في هذه الحال واجباً، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة.

وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرماً في الحقيقة، وإن سُمي ذلك ترك واجب وسمي هذا فعلاً محرماً باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر، وفعل المحرم للمصلحة الراجحة، أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم، وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها أنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء.. وهذا – باب التعارض – باب واسع جداً لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يغنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات، لكون الأهواء قارنت الآراء.

فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل، وقد يكون الواجب في بعضها .. العفو عن الأمر والنهي في بعض الأشياء لا التحليل والإسقاط؛ مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلاً لمعصية أكبر منها، فيترك الأمر بها دفعاً لوقوع تلك المعصية، مثل أن ترفع مذنباً إلى ذي سلطان ظالم فيعتدي عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضرراً من ذنبه، ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركاً لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات، فيسكت عن النهي خوفاً أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر.

فالعالم تارة يأمر، وتارة ينهى، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر والنهي أو « الإباحة ».. فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: إما لجهله، وإما لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه، فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه(63)أ. هـ.

وقد نقلنا باقي كلامه فيما تقدم فراجعه إن شئت(64)

العمل في حال اختلاط المعروف بالمنكر والمصلحة بالمفسدة(65)

تفشت المنكرات في هذا العصر بشكل مخيف جداً.. حتى لا يكاد يسلم منها بيت من بيوت المسلمين.. ومن لم يقارف شيئاً منها فإنه يمر به صباح مساء.. بل إن كثيراً من المعروف قد اختلط به شيء من المنكر.. حتى كثيراً من المساجد لم تسلم من ذلك !!

وقد آثرت في هذه المسألة أن أورد بعض كلام ابن تيمية – رحمه الله – حول هذه المشكلة(66) فهو يقول: « واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع، وفي أيضاً شر من بدع وغيرها، فيكون ذلك العمل خيراً بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من أنواع المشروع، وشراً بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين، وهذا قد ابتُلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة، فعليك هنا بأدبين: أحدهما : أن يكن حرصك على التمسك بالسنة باطناً وظاهراً في خاصتك وخاصة من يطيعك. وأعرف المعروف وأنكر المنكر .

والثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدع إلى ترك منكم بفعل ماهو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه؛ ولكن إذا كان في البدعة من الخير فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا إلى مثله أو إلى خير منه، فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروها ، والتاركون أيضاً لسنن مذمومون، فإن منها ما يكون واجباً على الإطلاق، ومنها ما يكون واجباً على التقييد كما أن الصلاة النافلة لا تجب ولكن من أراد أن يصليها يجب عليه أن يأتي بأركانها، وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات والقضاء والتوبة والحسنات الماحية.

وكثير من المنكرين لبدع العبادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو الأمر به، ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة، بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا قوام لاحدهما إلا بصاحبه، فلا يُنهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله سبحانه ويُنهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح وإلا لم يترك العمل السيئ أو الناقص.. – إلى أن قال:- إنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء: إنه أنفق على مصحف ألف دينار. أو نحو ذلك . فقال: دعهم، فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب، أو كما قال. مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة .. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا ولا اعتاضوا بفساد لا صلاح فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور ؛ من كتب الأسمار أو الأشعار أو حِكَم فارس والروم.

فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد بحيث تعرف ما مراتب المعروف، ومراتب المنكر،حتى تقدم أهمها عند الازدحام، فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر، أو جنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيراً.

فأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل، بحيث يقدم عند التزاحم أعرف المعروفين، وينكر أنكر المنكرين، ويرجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين.

فالمراتب ثلاثة:

أحدهما(67): العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه.

والثاني: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها، إما لحسن القصد، أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع.

والثالث: ما ليس فيه صلاح أصلاً ؛ إما لكونه تركاً للعمل الصالح مطلقاً، أو لكونه عملاً فاسداً محضاً.

فأما الأول: فهو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باطنها وظاهرها، قولها وعملها، في الأمور العلمية والعملية مطلقاً، فهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه والأمر به، وفعله على حسب مقتضي الشريعة من إيجاب واستحباب، والغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

وأما المرتبة الثانية: فهي كثيرة جداً في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة ومن العامة أيضاً،وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملاً صالحاً مشروعاً ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم، كالكفر والكذب والخيانة والجهل، ويندرج في هذا أنواع كثيرة.

فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة كالوصال في الصيام وترك جنس الشهوات ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليالي لا خصوص لها كأول ليلة من رجب ونحو ذلك، قد يكون حاله خيراً من حال البطال الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته؛ بل كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء زاهدون في جنس عبادة الله من العلم النافع والعمل الصالح، أو في أحدهما – لا يحبونها ولا يرغبون فيها، لكن لا يمكنهم ذلك في المشروع فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء، فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع، وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع، ومع هذا: فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر..»(68)أ. هـ. كلام الشيخ – رحمه الله -.

وقال في موضع آخر: «.. وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منا فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر – والنهي – وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة – فينظر في المعارض له: فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به بل يكون محرماً، إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته.

لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر وقلّ أن تُعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام.

وعلى هذا إذا كان الشخص والطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما ؛ بل إما أن يفعلوهما جميعاً أو يتركوهما جميعاً لم يجز أن يُؤمروا بمعروف ولا أن يُنهوا عن منكر، بل يُنظر، فإن كان المعروف أكثر أمر به،  وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم يُنه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوال فعل الحسنات.

وإن كان المنكر أغلب نهي عنه.وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمراً بمنكر، وسعياً في معصية الله ورسوله،وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي،وتارة لا يصلح أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين وذلك في الأمور المعينة الواقعة.

وأما من جهة النوع: فيؤمر بالمعروف مطلقاً، وينهى عن المنكر مطلقاً.

وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة: يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه، أو فوات معروف أرجح منه، وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية..»(69)أ. هـ.

وقال في موضع آخر: «.. فأما المؤمنون فالصحو خير لهم، فإن السكر يصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، وكذلك العقل خير لهم لأنه يزيدهم إيماناً.

وأما الكفار فزوال عقل الكافر خير له وللمسلمين؛ أما له فلأنه لا يصده عن ذكر الله وعن الصلاة، بل يصده عن الكفر والفسوق؛ وأما للمسلمين فلأن السكر يوقع بينهم العداوة والبغضاء فيكون ذلك خيراً للمؤمنين، وليس هذا إباحة للخمر والسكر ولكنه دفع لشر الشرين بأدناهما.

ولهذا كنت آمر أصحابنا أن لا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار والكرج ونحوهم، وأقول: إذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، بل عن الكفر والفساد في الأرض، ثم إنه يوقع بينهم العداوة والبغضاء، وذلك مصلحة للمسلمين، فصحوهم شر من سكرهم، فلا خير في إعانتهم على الصحو بل يستحب –أو يجب – دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره(70)

فهذا في حق الكفار، وفي الفساق والظلمة من إذا صحا كان في صحوه من ترك الواجبات ومنع الناس حقوقهم، ومن فعل المحرمات والاعتداء في النفوس والأموال ما هو أعظم من سكره، فإنه إذا كان يترك ذكر الله والصلاة في حال سكره ويفعل ما ذكرته في حال صحوه، لم يكن سكره شراً من صحوه، وإذا كان في حال صحوه يفعل حروباً وفتناً لم يكن في شربه ما هو أكثر من ذلك، ثم إذا كان في سكره يمتنع عن ظلم الخلق في النفوس والأموال والحريم، ويسمح ببذل أموال – تؤخذ على وجه فيه نوع من التحريم- ينتفع بها الناس كان ذلك أقل عذاباً ممن يصحو فيعتدي على الناس في النفوس والاموال والحريم، ويمنع الناس الحقوق التي يجب أداؤها.. فعليك بالموازنة في هذه الأحوال والأعمال الباطنة والظاهرة حتى يظهر لك التماثل التفاضل، وتناسب أحوال أهل الأحوال الباطنة لذوي الأعمال الظاهرة، لا سيما في هذه الأزمنة المتأخرة التي غلب فيها خلط الأعمال الصالحة بالسيئة في جميع الأصناف لنرجح عند الازدحام والتمانع خير الخيرين وندفع عند الاجتماع شر الشرين، ونقدم عند التلازم – تلازم الحسنات والسيئات – ما ترجح منها، فإن غالب رؤوس المتأخرين وغالب الأمة من الملوك والأمراء والمتكلمين والعلماء والعباد وأهل الأموال يقع غالباً فيهم ذلك..»(71)     أ. هـ.

هذا وقد أطلت في شرح هذا الأصل – أعني مراعاة المصالح ودفع المفاسد – لكون الحاجة ماسة إلى ذلك .. كما أنه من أدق وأجل مسائل هذا الباب. والله أعلم.

ومن الجدير بالذكر أنه ليس كل من اشتغل بالحسبة يكون قادراً على التمييز بين المصالح والمفاسد والموازنة بينها.. وإنما ذلك يحتاج إلى فقه وعلم وعقل وحكمة. وعلى من قصر فهمه وذهنه عن الترجيح بينها أن يسأل غيره ويستشيره.

أستاذ الفقه المساعد بجامعة الملك خالد بأبها.

 

_________________

(1) الغزالي : الأحياء  2/308.

(2) ابن الأخوة: معالم القربة /52.

(3) سورة النساء الآية /141.

(4) الغزالي: الإحياء  2/308 . ابن الأخوة: معالم القربة /51.

 (5)راجع هذا الشرط في: الغزالي: الإحياء  2/315. والسنامي: نصاب الاحتساب /179. وقد أشار إليه بقوله: الباب السابع والأربعون ( فيما تسقط به فرضية الاحتساب وهو أن يكون عاجزاً عن إقامته).

وابن الأخوة: معالم القربة /51.

(6) ابن الأخوة: معالم القربة /52. ابن عبدون: وابن عبد الرؤوف.

والجرسيفي: ثلاث رسائل أندلسية في آداب الحسبة والمحتسب /20 مطبعة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، عام 1955م. الشيزرى: نهاية الرتبة في طلب الحسبة/6.

(7) الماوردي: الأحكام السلطانية /300. أبو يعلى: الأحكام السلطانية /285.

 (8) إحياء علوم الدين 2/328.

(9)  الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد /368. ط/ الأولى، القاهرة. د. محمد كمال الدين إمام: أصول الحسبة في الإسلام /66. نشر دار الهداية، القاهرة، ط/ الاولى 1406 هـ.

  (10)  ابن الأخوة: معالم القربة /59.

(11)  الرّشوةُ: في اللغة: الجعل. أو هي ما يعطيه الشخص الحاكم وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد. وقيل هي: الوُصْلّةُ إلى الحاجة بالمصانعة.. والمراشاة: المحاباة وجمعها ( رشاً) مثل س~دْرَة وسِدرٍ و ( رُشاً) بالضم أيضا.  و( رَشَوْتُهُ) ( رَشْواً) من باب قتل أعطيته ( رُشْوَةً) ( فَارْتَشَى) أي أخذ وأصله ( رَشَا) الفرخ إذا مد رأسه إلى أمه لتزقه.

أو من الرِّشاء الذي يتوصل به إلى الماء، فالراشي: من يعطي الذي يعينه على الهاطل. والمرتشي: الآخذ.

والرائش: الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا، ويستنقص لهذا.

1- هـ. عن ابن منظرو: اللسان – مادة ( رشا ) -14/322 .

الفيومي: المصباح – مادة ( الرشوة ) – 1/228 . وابن الأثير: النهاية 2/226. والرازي: المختار – مادة ( رشا ) /244.

أما في الاصطلاح فقد عرفت بأنها: ما يعطى الإبطال حق، أولا حقاق باطل. 1 - ÷ـ. عن الجرجاني: التعريفات /119.

وقيل هي : كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عوناً على مالا يجوز 10 – هـ. عن ابن العربي: عارضة الأحوذ ي 6/80 .

(12)  الحديث بهذا اللفظ أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح.

الإمام أحمد: المسند 2/164. أبو داود: السنن – كتاب الأقضية، باب في كراهية الرشوة – 3/300. الترمذي: السنن- أبواب الأحكام، باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم.

راجع: ( ابن العربي : عارضة الأحوذي 6/81، 82).

(13) سورة البقرة الآية / 188 .

 (14) الماوردي: الأحكام السلطانية /300. ابن الأخوة: معالم القربة /51 ابن طلحة القرشي: العقد الفريد للملك السعيد /179. مطبعة الوطن.(13 هـ. 1892 م. النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب 6/291. نشر وزارة الثقافة والإرشاد القومي، والمؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة، نسخه مصورة عن طبعة دار الكتب.

 (15)  التيسير في أحكام التسعير /42 .

وراجع أيضاً هذا الشرط في: ثلاث رسائل أندلسية في آداب الحسبة والمحتسب /20 . ( الرسالة الأولى لابن عبدون).

(16) ُتَجَالَّة: أي مسنة كبيرة، يقال: تَجالَّت المرأة: إذا أَسَنَّت وَكَبِرَت.

هـ . عن ابن منظور: اللسان – مادة ( جلل ) – 11/116.

(17) بَرْزة : مادتها في اللغة ( برز) يقال: بَرز الشيء بُرُوزاً من باب قعد أي ظهر.

وامرأة بَرْزة: أي عفيفة تبرز للرجال وتتحدث معهم. وهي المرأة التي أسَنّت وخرجت عن حَدّ المحجوبات 100 – هـ. عن الفيومي: المصباح – مادة ( برز ) -1/44 .

(18) ابن العربي: أحكام القرآن 3/1458 .

(19) وقد نقل ابن العربي الإجماع على ذلك. قال: إلا أن أبا حنيفة قال: تكون المرأة قاضية فيما تشهد فيه، يعني على الخصوص بأن يجعل إليها ذلك الرأي أو يحكمها الخصمان.– هـ. عن عارضة الأحوذي 9/199 .

أما الحافظ ابن حجر فقد نسبه إلى الجمهور حيث قال: ( المنع من أن تلي – أي المرأة- الإمارة والقضاء قول الجمهور، وأجازه الطبري وهي رواية عن مالك، وعن أبي حنيفة تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادة النساء)– هـ. عن فتح الباري 8/97 .

(20)  الحديث أخرجه الإمام أحمد والبخاري والترمذي عن أبي بكرة. وقال عنه الترمذي حديث حسن صحيح.

الإمام أحمد: المسند 5/47 و 50 و 51. الإمام البخاري: الصحيح كتاب المغازي، باب كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى وقيصر – 5/136 . الترميذي: السنن – أبواب الفتن، باب ما جاء لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة -.

راجع : ( ابن العربي : عارضة الأحوذي 9/118، 119 ).

(21)  هذا وقد تقدم ص 1011 اعتراض ابن العربي على هذه الرواية عن مر بن الخطاب حيث ذكر أنها من دسائس المبتدعة.

لكن الأولى حمل ذلك على أنه ربما ولاها شيئاً من أمر السوق فيما يتعلق بالنساء. والله أعلم.

على أنه ينبغي أن يعلم أن ما ذكرناه خاص بتولي منصب الحسبة.. أما من حيث الاحتساب العام تطوعاً لله، وتنفيذاً لأمره، وطلباً لثوابه.. فهو واجب ديني على كل مسلم مكلف ( بالغ عاقل ) قادر رجلاً كان أو امرأة

(22) نهاية الرتبة في طلب الحسبة /6 . وانظر أيضاً: ابن بسام: نهاية الرتبة /10.

(23)  الماوردي: الأحكام السلطانية/300 . وأبو يعلى: الأحكام السلطانية /285.

والخشونة هي : القوة والشدة. يقال: رجل خشن أي قوى شديد. - هـ. عن الفيومي: المصباح – مادة ( خشن ) – 1/170.

  (24) قال بعض العلماء: ( العدالة ) صِفَةٌ تُوجِبُ مراعاتُها الاحتراز عما يُخِلُّ بالمروءة عادة ظاهراً، فالمرة الواحدة من صغائر الهفوات وتحريف الكلام لا تخل بالمروءة ظاهراً لاحتمال الغلط والنسيان والتأويل بخلاف ما إذا عرف منه ذلك وتكرر فيكون الظاهر الإخلال، ويعتبر عرف كل شخص وما يعتاده من لبسه وتعاطيه للبيع والشراء وحمل الأمتعة وغير ذلك فإذا فعل مالا يليق به لغير ضرورة قدح وإلا فلا.– هـ.

   عن الفيومي : المصباح – مادة ( عدل) – 2/396.

(25)  الأحكام السلطانية /300 .

(26)  الأحكام السلطانية /285 .

(27) معالم القربة /51.

 (27)  الحسبة في الإسلام /14.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن ابن تيمية لم يفرد شروطاً خاصة يجب توفرها في المحتسب غير أنه أثناء كلامه عن أنواع الولايات الإسلامية ومتوليها قسم أولئك المتولين إلى قسمين:

منهم ( من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن والمطلوب منه الصدق مثل الشهود عند الحاكم ومثل صاحب الديوان.. والنقيب والعريف. ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع والمطلوب منه العدل من الأمير والحكم والمحتسب)  1- هـ. عن الحسبة /14.

(28)  التيسير في أحكام التسعير/43 .

(29)  المواعظ والاعتبار المعروف ( بالخطط المقريزية )1/463 .

(30) سورة البقرة الآية /44.

(31) سورة الصف الآيتان /2، 3.

(32) الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن حبان والطبراني في الأوسط والبزار عن أنس بن مالك ويقول الهيثمي في مجمع الزوائد بعد أن أورد هذا الحديث وبعض رواياته: رواها كلها أبو يعلى والبزار ببعضها والطبراني في الأوسط، وأحد أسانيد أبي يعلى رجاله رجال الصحيح 10- هـ.

الإمام أحمد : المسند 3/120، 231 و 239 ، 240 . والهيثمي: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان – كتاب الإيمان ، باب ما جاء في الوحي والإسراء/39 . والطبراني : المعجم الأوسط – الحديث رقم (2853 )- 3/396، 397 . والهيثمي: مجمع الزوائد – كتاب الفتن ، باب فيمن يأمر بالمعروف ولا يفعله – 7/286. وكشف الأستار عن زوائد البزار- كتاب الفتن، باب فيمن يأمر بالمعروف ولا يفعله – 4/112 .

(33)  إحياء علوم الدين 2/309 .

(34)  القرطبي : الجامع لأحكام القرآن 6/253.

(35)  إحياء علوم الدين 2/309.

(36)  إحياء علوم الدين 2/311.

(37) روضة الطالبين 10/219. وراجع أيضا: الجويني: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد /368.

(38)   راجع ص 1029 .

(39)  انظر المستصفى ( 1/284 ) فما بعدها، الفروق للقرافي (4/255)، قواعد الأحكام ومصالح الأنام (1/3 ) فما بعدها، مفتاح دار السعادة ( 2/2 -32 )، الموافقات (2/5 ) فما بعدها، الاستصلاح للزرقاء، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، د/حسين حامد حسان، تعليل الأحكام لمحمد مصطفى شلبي.

(40)  الأنبياء آية 107.

(41)  الأنفال آية 24.

(42)  البقرة آية 185 .

(43) النساء آية 28.

(44) البخاري في الإيمان، باب: أمور الإيمان، بلفظ: الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان، حديث رقم (9) الفتح (1/51).

 (45) أحمد ( 1/313، 5/326-327 )، وانظر في تحقيق أحمد شاكر حديث رقم (2867 )(4/310 )،وابن ماجة في كتاب: الأحكام، باب: من بني في حقه ما يضر بجاره. حديث رقم (2340 ) ( 2/784)، والدارقطني (3/77)، (4/227 ، 228)، والحاكم (2/57 ، 58)، وانظر نصب الراية (4/384، 385) ، الإرواء رقم (896 ، 1427 )، وصحيح ابن ماجة (2/39 )، والحديث رواه جماعة من الصحابة كما سترى عند الرجوع إلى تلك المصادر.

(46) انظر مذكرة أصول الفقه (168-170).

 (47)  البقرة آية 191.

(48) انظر: الموافقات 4/194 ، 210، التشريع الجنائي (1/497-498).

(49) انظر أصول الدعوة (187-188).

(50)  مسلم في كتاب : الإمارة، باب: وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع . وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك. حديث رقم (1854 ) ( 3/1480).

(51)  انظر الكلام على تزاحم المفاسد ص 264، مجموع الفتاوى 20/57-61.

(52) انظر إعلام الموقعين (3/4-7).

(53) إعلام الموقعين (3/4-7).

 (54) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية (17-18).

 (55) انظر الإحياء (2/316)، مجموع الفتاوى( 20/52 ) ، الموافقات (2/372-373 )، أصول الدعوة (462، 463، 465).

(55)  مجموع الفتاوى ( 28/126، 129-134).

(56) انظر الاستقامة (2/219 -220 )، اضواء البيان (2/175 ) أصول الدعوة 465.

(57) الاستقامة (2/218 -219).

(58) انظر مراقي السعود إلى مراقي السعود ص 117.

(59) أي ارتكاب أخف الضررين.

(60) أي ارتكاب أخف الضررين .

(61)مراقي السعود إلى مراقي السعود ص117.

(62)مجموع الفتاوى( 20/57-61).

(63) انظر ص 232.

(64) انظر أصول الدعوة 463.

(65) راجع ما مرّ في الصفحة السابقة من كلامه رحمه الله فإن به نفعاً في هذه المسألة.

(66) هكذا في الطبعة التي اعتمدتها، وفي الطبعة الأخرى (ص298 ): « إحداها».

(67) اقتضاء الصراط المستقيم (2/616-621).

(68) رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية (20-22).

(69) وليس معنى هذا ترك الكفار يعلنون بالشراب في ديار المسلمين بلا نكير !! وإنما المراد أن أمثال التتار من الكفرة الذين إذا صحوا كان لهم قتل وفساد. بخلاف حالهم وقت سكرهم فإنهم لا يعلمون تلك الأعمال .. فلا شك أن سكرهم خير من صحوهم .. لكن إذا استطعنا منع الكفار من الأمرين كان هو الواجب، وإذا لم نتمكن نظرنا في الأخف ضرراً فقدمناه .

(70) الاستقامة (2/165-168).

(71) انظر أصول الدعوة (187-188).

(72) مسلم في كتاب : الإمارة، باب: وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع . وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك. حديث رقم (1854 ) ( 3/1480).

(73) انظر الكلام على تزاحم المفاسد ص 264، مجموع الفتاوى 20/57-61.

(74) انظر إعلام الموقعين (3/4-7).

(75) إعلام الموقعين (3/4-7).

(76) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية (17-18).

(77) انظر الإحياء (2/316)، مجموع الفتاوى( 20/52 ) ، الموافقات (2/372-373 )، أصول                           الدعوة (462، 463، 465).

(78) مجموع الفتاوى ( 28/126، 129-134).

(79) انظر الاستقامة (2/219 -220 )، اضواء البيان (2/175 ) أصول الدعوة 465.

(80) الاستقامة (2/218 -219).

(81) انظر مراقي السعود إلى مراقي السعود ص 117.

(82) أي ارتكاب أخف الضررين.

(83)  أي ارتكاب أخف الضررين .

(84) مراقي السعود إلى مراقي السعود ص117.

(85) مجموع الفتاوى( 20/57-61).

(86) انظر ص 232.

(87) انظر أصول الدعوة 463.

(88)  راجع ما مرّ في الصفحة السابقة من كلامه رحمه الله فإن به نفعاً في هذه المسألة.

(89) هكذا في الطبعة التي اعتمدتها، وفي الطبعة الأخرى (ص298 ): « إحداها».

(90) اقتضاء الصراط المستقيم (2/616-621).

(91) رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية (20-22)

(92) وليس معنى هذا ترك الكفار يعلنون بالشراب في ديار المسلمين بلا نكير !! وإنما المراد أن أمثال التتار من الكفرة الذين إذا صحوا كان لهم قتل وفساد. بخلاف حالهم وقت سكرهم فإنهم لا يعلمون تلك الأعمال .. فلا شك أن سكرهم خير من صحوهم .. لكن إذا استطعنا منع الكفار من الأمرين كان هو الواجب، وإذا لم نتمكن نظرنا في الأخف ضرراً فقدمناه .

(93) الاستقامة (2/165-168).

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام