الجمعة 30/08/1438 - الموافق 26/05/2017 آخر تحديث الساعة 09:58 م مكة المكرمة 07:58 م جرينتش  
بحوث قرآنية

موقف المفسر من المحكم والمتشابه

1433/08/07 الموافق 27/06/2012 - الساعة 01:08 م
|


يثير المحكم والمتشابه من القرآن اهتمام بعض القراء والدارسين، لبحث في هذا يحتاج إلى شرح طويل، ولعل في هذه الخلاصة ما يفيد.

المحكم اسم مفعول من أحكم الشيء إحكاماً أتقنه؛ لأن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون محكماً لوضوح مفرداته وإتقان تركيبها[1].

وفي الاصطلاح: المحكم ما لا يحتمل في التأويل إلا وجهاً واحداً[2].

والمتشابه في اللغة مأخوذة من الشبه والتشابه والتشبيهات. والشبه بمعنى المثل والمتشابهان: المتماثلان والمتشابهات: المشكلات. وفي الاصطلاح قيل: هو ما عسر إجراؤه على ظاهره، وقيل: هو ما استأثر الله بعلمه كالحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن. والصلة بين المحكم والمتشابه التضاد[3].

والأصل فيه قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا...} (آل عمران: 7). فدل هذا على أن القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه.

وقد تعددت الآراء والتعاريف للمحكم والمتشابه من القرآن منها: ما حكاه السيوطي عن الطيبي بقوله: "المتشابه مختص بالله تعالى، وأن من حاول معرفته فهو الذي أشار إليه في الحديث بقوله: "فاحذروهم". ومراده الذي أخرجه الشيخان عن عائشة قالت: تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: {...هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} (إلى قوله {...أُوْلُواْ الألْبَابِ...}. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم" (متفق عليه).

المراد بالمحكم ما اتضح معناه، والمتشابه بخلافه، لأن اللفظ الذي يقبل المعنى، إما أن يحتمل غيره أولا. الثاني النص، والأول إما أن تكون دلالته على ذلك الغير أرجح أولا، الأول الظاهر، والثاني إما أن يكون مساويه أم لا، الأول هو المجمل، والثاني المؤول، فالمشترك بين النص والظاهر هو حكم، والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتنشابه.

ويؤيد هذا التقسيم أنه سبحانه وتعالى أوقع المحكم مقابلاً للمتشابه، لوجوب أن يفسر المحكم بما يقابله. ويعضد ذلك أسلوب الآية، وهو مجمع مع التقسيم؛ لأنه سبحانه وتعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن {...مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ...}. وأراد أن يضيف إلى كل منهما ما شاء فقال أولاً: {...فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ...}. إلى أن قال: {...وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ...}. وكان يمكن أن يقال: "وأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم"، لكنه وضع موضع ذلك {...وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ...}. لإتيان لفظ الرسوخ؛ لأنه لا يحصل إلا بعد التثبت العام والاجتهاد البليغ، فإذا استقام القلب على طرق الإرشاد ورسخ القدم في العلم، أفصح صاحبه النطق بالقول الحق، وكفى بدعاء الراسخين في العلم: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} (آل عمران: 8). شاهداً على أن {...وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ...}. مقابل لقوله: {...الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ...}. وفيه إشارة إلى أن الوقف على قوله: {...إِلاَّ اللّهُ...}. تام وإلى أن علم بعض المتشابه مختص بالله تعالى، وأن من حاول معرفته هو الذي أشار إليه في الحديث بقوله: "فاحذروهم"[4].

ومن هذه التعريف يتضح أن المحكم ما عرف المراد منه إما بظهوره أو تأويله. أما المتشابه فهو مما استأثر الله بعلمه فليس لغيره علم به. ومن ذلك: قيام الساعة وخروج الدابة والدجال والحروف المقطعة في بدايات السور. ويذهب إلى هذا الرأي أهل السنة وذلك خلافاً لمن قال: "إن المتشابه مما يمكن الاطلاع على علمه"[5].

واتباع المتشابه من القرآن مما ذمه الله وحرمه ووصف أصحابه الزيغ في قوله تعالى: {...فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ...}. كما أنه ذمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله حين تلا هذه الآية: "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم"، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، وعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا" (حسنه الألباني في الصحيحة برقم: 587).

وقد ابتليت الأمة بالذين خاضوا وأكثروا القول في المتشابه من القرآن إما جهلاً أو عمداً، فأما أصحاب الجهل فمصدرهم وموردهم الغفلة، وعدم اتباع منهج علماء السلف، وهذا غالباً ما يكون عاماً في العلوم الأخرى، إذ إن لكل علم جهله به ومعرضين له، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وقد أرشد عمر - رضي الله عنه - الأمة على تعليم هؤلاء بقوله: "سيأتيكم ناس يجادلونكم بمتشابهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله"[6]. وأما أصحاب العمد فهم أخطر من أولئك؛ إذ إن مرادهم البعد عن الحق واتباع الضلال والتلبيس على العامة لأفساد إيمانهم. ومن المعلوم أن الأمة قد ابتليت بهؤلاء ومنهم أصحاب الديانات التي نسخها الإسلام فلم يبق لبعض أصحابها إلا الكبر والعداء بإثارة الشبهات والطعن في ثوابت الإسلام. وقد وصفهم الله بأنهم يبتغون الفتنة، وحذر رسوله - صلى الله عليه وسلم - منهم بقوله: "فاحذروهم".

وكما ابتلي سلف الأمة بهذا الملأ الأخير من المبتغين الفتنة لا تزال نواجه هذا الملأ، فلا تزال بعض الكتب وأصحابها يتلهون بالحديث عن الصفات ويأتون بالمتشابهات ويتأولون ما لا ينفعهم تأويله لا يلوون على شيء من العلم إلا ابتغاء الفتنة ةالاشتغال بما لا ينفعهم، ولا ينفع غيرهم، مع أن الله قد جعل لهم من كتابه ما يغنيهم عن هذا الجدل إن كان مرادهم البحث عن العلم فقال عز ذكره عن ذاته وصفاته واستوائه على عرشه: {...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ...} (الشورى: 11). وقال لنبيه وأمته: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (الإخلاص: 1-5).

وقد اتبع أهل السنة هذا المنهج في أقوالهم وحوارهم، بل تلك عقيدتهم في المحكم والمتشابه فلم تزلَّ اقدامهم ولم تنتكس عقولم كما حدث لطوائف من أسلاف اليهود والنصارى وبعض النحل والطوائف من المسلمين كالمجسمية والمشبهة والمعطلة الذين أثقلوا بجدالهم وأباطيلهم تاريخ المسلمين.

 


[1] - المجم الوسيط ج2 ص150، والتعريفات للجرجاني ص50، وفتح القدير للشوكاني ج1 ص284-285.

[2] - تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج2 ص5، وإرشاد الفحول للشوكاني ص32.

[3] - البحر المحيط ج1 ص450، وإرشاد الفحول ص32.

[4] - الإتقان في علوم القرآن ج3 ص8.

[5] - الإتقان في علوم القرآن ج3 ص3-5.

[6] - الإتقان ج3 ص8.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام