الخميس 07/03/1440 - الموافق 15/11/2018 آخر تحديث الساعة 05:27 م مكة المكرمة 03:27 م جرينتش  
مشاهير

علي عزت بيجوفيتش.. المفكر المناضل

1433/08/27 الموافق 17/07/2012 - الساعة 01:30 م
|


عاش حياته مفكراً ومناضلاً يدافع عن مسلمي البوسنة المضطهدين، كان قانونياً ومفكراً وفيلسوفاً وزعيماً محبوباً ناضل من أجل شعبه حتى ينال حريته واستقلاله، إنه القائد المسلم علي عزت بيجوفيتش الذي سيذكره التاريخ مدافعاً عن أمته في وقت تكالب عليها أعداءها من الغرب، وخذلها إخوانها في الشرق.

مولده ونشأته

ولد علي عزت بيجوفيتش في مدينة بوسانا-كروبا البوسنية في عام 1925م لأسرة مسلمة عريقة، وتعلم في مدارس مدينة سراييفو عاصمة البوسنة والتي أمضى حياته فيها، وفيها أكمل تعليمه الثانوي عام 1943م، وفي العام 1940م أسس علي عزت بيجوفيتش مع بعض زملائه نادياً مدرسياً للمناقشات الدينية سمي بـ "جمعية الشبان المسلمين"، وكان عمره آنذاك 16 عاماً فقط، والتحق بيجوفيتش بجامعة سراييفو وحصل على الشهادة العليا في القانون عام 1950م.

 ولقد نشأ علي عزت بيجوفيتش في مناخ يعادي المسلمين وينظر إليهم على أنهم دخلاء على أوروبا، ففي بداية نشأته كانت البوسنة جزءاً من مملكة يوغوسلافيا، والتي مالبثت أن تحولت بعد ذلك إلي جمهورية يوغوسلافيا، ووقعت يوغوسلافيا تحت الاحتلال الألماني النازي 1941م والذي أزال الحكم الملكي، وأخذت أفكار هتلر النازية تجد مكانها بين الشباب عن طريق "حركة الأستاشا"، والتي حاولت أن تنشر أفكارها الفاشية بين الطلاب المسلمين فتصدى لهم بيجوفيتش ورفاقه ونادوا بتحريم الالتحاق بهذه الحركة.

جهاده ونضاله

وبعد ست سنوات فقط من إنشاء جمعية "الشبان المسلمين"، قامت الحكومة الشيوعية باعتقاله هو وصديقه نجيب شاكر بيك بسبب مساعدتهما في إصدار جريدة "المجاهد" وحكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات مع الأشغال الشاقة، وبعد خروجهما من المعتقل، شَنَّ الشيوعيون حملة أخرى من حملاتهم الضارية ضد "الشبان المسلمين"، وفي عام 1949م، قدم أربعة أعضاء من الجماعة إلى المحاكمة التي قضت في النهاية بإعدامهم، هذا بالإضافة إلى اعتقال عدد غير قليل من "الشبان المسلمين" بسبب نشاطهم الإسلامي الملحوظ.

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية وانهيار دولة هتلر النازية استقلت يوغوسلافيا وأصبحت اتحاداً فدرالياً شيوعياً، وزادت معاناة المسلمين بوصول جوزيف تيتو وحزبه الشيوعي إلى السلطة سنة 1953م، والذي كان يكن عداءاً مستحكماً لعلي عزت ودينه، ما جعل بيجوفيتش يتحرك ويوثق علاقته بالشيخ "حسين دوزو" رئيس جمعية العلماء - الذي عينته الحكومة للإشراف على شئون المسلمين-، وهو ما فتح الباب له لنشر مقالاته تحت اسم مستعار في مجلة "تاكفين" التي كانت تصدرها الجمعية، وكانت كتاباته تصل إلى خمسين ألف مسلم.

ومات جوزيف تيتو في العام 1980م، فارتخت القبضة الشيوعية وبدأ المسلمون في التحرك، ووضع علي عزت ملخص فكرته الإسلامية في كتاب أسماه "البيان الإسلامي"، وأثار صدور الكتاب ضجة كبيرة أدت لاتهام بيجوفيتش بالسعي لتكوين جمهورية أصولية إسلامية في قلب أوروبا، قبض على عزت بيجوفيتش في سنة 1983م وحوكم محاكمة صورية صدر بعدها حكم بسجنه 14 سنة، ولكنه لم ييأس ولم يتراجع فألف بين جدران السجن كتابه الشهير "الإسلام بين الشرق والغرب"، وفي العام 1988م أعيدت محاكمته وخرج بعدها.

انهيار الشيوعية وقيادته للبلاد

أعيدت محاكمة بيجوفيتش وتم الإفراج عنه في وقت كانت أوروبا تشهد فيه تغيراً كبيراً، وكانت التغييرات تلوح نذرها في الأفق، وفشلت الديكتاتوريات في امتصاص غضب الشعوب، فأُجبرت "رابطة الشيوعيين اليوغوسلافي" على إقامة نظام متعدد الأحزاب في العام 1990م بعد 45 سنة من احتكار السلطة، فأسس بيجوفيتش "حزب العمل الديمقراطي"، وخاض الانتخابات وفاز في أربع جمهوريات يوغوسلافية، وتولى رئاسة البوسنة في نوفمبر من العام 1990م.

وفي العام التالي أعلنت كرواتيا وسلوفينيا استقلالهما من جانب واحد، فسارع الجيش اليوغوسلافي الخاضع لقيادة الصرب بالهجوم على الجمهوريتين، وتدخلت أوروبا لإيقاف نزيف الدم المسيحي وهددوا صربيا بالعقوبات، وأراد بيجوفيتش استغلال الموقف الدولي للحصول على استقلال البوسنة، فدعا المسلمين البوسنيين وغيرهم للإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء الشعبي لاستقلال البوسنة والهرسك عن يوغوسلافيا دون خوف، معلناً للعالم أجمع أنه قد انتهى إلى الأبد ذلك الأوان الذي يتقرر فيه مستقبل البوسنة دون إرادة مسلميها، ونزل بنفسه ليكسر الخوف في نفوس مسلميها إلى الاستفتاء على استقلال البوسنة في 1992م، اختار المسلمون وقتها الموافقة على الاسقلال بنسبة كاسحة، ولكن نتيجة الاستفتاء جذبت إلى البوسنة سفاحو جيش الصرب الذي ارتكب المذابح والفظائع في البوسنة والهرسك.

حرب البوسنة

انقض الصرب على البوسنة في حرب عرقية دموية، قتلت فيها المسلمين الأبرياء في البوسنة والهرسك وارتكبت المذابح في حق المسلمين العزل وكثرت المقابر الجماعية التي ضمت رفاتهم - والتي لم يكشف عنها كلها حتى الآن -، وعارضت دول أوروبية تسليح المسلمين في الحرب بحجة أن ذلك يزيد في أمد الحرب وتدخلت الأمم المتحدة بقرارات هزيلة، وخلفت الهجمة أكثر من ثلاثمائة وخمسين ألف شهيد بوسني، بالإضافة إلى حوادث الاغتصاب التي تمت لعشرات الآلاف من النساء المسلمات.

وفي أثناء الحرب ظل علي عزت بيجوفتش صامداً وأصر على البقاء مع شعبه تحت الحصار في سراييفو، وعندما أراد الخروج للبحث عن دعم لقضيته قام بمغامرة جريئة حتى يخرج ويخاطب العالم، فنزل في نفق طويل أسفل المطار الذي يحاصره الصرب حصاراً شديداً، واضطر بعد ذلك علي عزت بيجوفتش قائد البوسنة والهرسك إلى التنازل من أجل الحفاظ على أرواح شعبه وقبل باتفاق دايتون الظالم ليقسم البوسنة والهرسك إلى: فيدرالية البوسنة والهرسك، وجمهورية صرب البوسنة.

مؤلفاته

وعندما وضعت الحرب أوزارها لم يغره بريق السلطة واستقال من رئاسة البلاد في 2000م وتفرغ للكتابة، وكان ألف في فترة سجنه الأخيره ابرز ما أنتجه وهو كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب"، وهذا الكتاب الكبير هو أشبه بموسوعة علمية، هز به أركان العالم الغربي، فقد خاطب به قادة الفكر هناك، وكان فيه عالما وفيلسوفا وأديباً وفناناً مسلماً تمثّل كل ما أنجزته الحضارة الغربية، ثم ارتقى بتلك العلوم عندما ربطها بهدي السماء الذي جاء به الإسلام، كما ألف ايضاً كتاب "هروبي إلى الحرية"، والذي كان  كتبه في السجن أيضاً، عندما اعتقله الشيوعيون عام 1949، ومن مؤلفاته أيضاً كتاب "عوائق النهضة الإسلامية"، وكتاب "الأقليات الإسلامية في الدول الشيوعية"، بالإضافة لكتاب "البيان الإسلامي" الذي جمع فيه ابنه مقالاته.

وفاته

وحصل علي عزت بيجوفيتش على تكريم شخصية العام للعالم الإسلامي سنة 2001م تقديراً لدوره في الدفاع عن الإسلام، ولحق بجوار ربه في التاسع عشر من شهر أكتوبر سنة 2003م.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام