السبت 25/11/1435 - الموافق 20/09/2014 آخر تحديث الساعة 02:53 ص مكة المكرمة 12:53 ص جرينتش  
أنشطة المشرف

أثر الزكاة في تحقيق التكافل الاجتماعي (8/8)

1433/09/20 الموافق 08/08/2012 - الساعة 12:59 م
|


 

لقد فرض الله الزكاة لحكم جليلة، وأهداف سامية نبيلة، منها ما يعود على الفرد، سواء كان معطياً للزكاة أم آخذاً لها. ومنها ما يعود على المجتمع بحفظ أمنه، وتحقيق مصالحه، وحل مشاكله.

والغرض الأكبر، والحكمة العظمى من فرض الزكاة - بعد تحقيق العبودية لله - هو تحقيق التكافل الاجتماعي بنوعية : المعنوي، والمادي.(1)

أما تحقيقها للتكافل المعنوي فمن عدة وجوه أهمها ما يلي: -

1- أن دفع الزكاة لمستحقيها، سبب لتأليف القلوب، وتأنيس النفوس، وإشاعة جو من التعاطف والتراحم، والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع.

2- أنها سبب لتحقيق التعارف والتواصل بين المؤمنين، وتأكيد الأخوة والمحبة بينهم.

وليس شيء أجلب لمحبة الناس، وكسب مودتهم من الإحسان إليهم، ومد يد العون لهم، وإسداء المعروف إليهم، والسعي في مصالحهم، والتخفيف من آلامهم.

وفي الحكمة (جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها)(2)

وقد صدق القائل(3):-

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

فطالما استعبد الإنسانَ إحسان

 

3- أنها سبب لتنمية الروح الاجتماعية بين أفراد المجتمع. حيث يشعر دافع الزكاة بعضويته الكاملة في الجماعة، وتفاعله معها، ومشاركته في تحقيق مصالحها، وحل مشاكلها، والنهوض بها. فتنمو شخصيته، وتزكو نفسه، وينشرح صدره، ويرتفع كيانه المعنوي، ويشعر بسعادة غامرة وهو يواسي إخوانه، ويقوم بواجبه تجاه مجتمعه.

كما يشعر آخذ الزكاة، بقيمته وقدره، وأنه ليس شيئاً ضائعاً، ولا كماً مهملاً، وإنما هو في مجتمع كريم يعنى به ويرعاه، ويأخذ بيده، ويعينه على نوائب الدهر.

فيحمله ذلك على محبة مجتمعه، والتفاعل معه، ويبقى قلبه سليماً، خالياً من الحقد والحسد، مقدراً لإخوانه الأغنياء، معترفاً بفضلهم وبذلهم، داعياً لهم بالبركة والتوفيق وسعة الرزق.

فالزكاة تستل سخائم الفقراء، وتزكي نفوسهم من الضغينة والبغضاء، والحسد لأهل المال والثراء، بل تجعل الفقير يدعو لهم بالبركة والزيادة والنماء. وبهذا يتحول المجتمع إلى أسرة واحدة، تجللها المحبة والوفاء، ويسودها التعاون والإخاء.

4- أنها سبب لإشاعة الأمن والطمأنينة.

فهي أمان للآخذ والمعطي، والمجتمع بعامة.

أما الآخذ فإن له في أموال الزكاة ما يغنيه، ويجعله آمناً مطمئناً، شجاعاً عزيزاً، يواجه المستقبل بنفس راضية، وعزيمة ثابتة.

وأما المعطي فإنه مطمئن إلى مستقبله، واثق من عون الله له، وحفظه لماله، ووقايته من الآفات، وأنه إن قدر الله غير ذلك، وعدت عليه عوادي الزمان، واجتاحته صروف الليالي والأيام، وأصبح فقيراً بعد الغنى، فإن له في مال إخوانه ما هو كفيل بجبر خلته، وسد حاجته، فيشعر أن قوة إخوانه قوة له إذا ضعف، وغناهم مدد له إذا أعسر.

وأما المجتمع، فإن الزكاة سبب لتماسكه وتآلفه، وتضامنه وتكافله، ووقايته من رياح التفكك والتصرم، وأعاصير الظلم والجرائم.

وأما تحقيقها للتكافل المادي، فهو أظهر من أن يذكر، وهو المقصود الأصلي من شرعيتها، فإن الله - تعالى - إنما شرع الزكاة مواساة للفقراء والمحتاجين، وقياماً بمصالح المسلمين.(4)

والزكاة ليست مورداً قليلاً أو ضئيلاً، بل هي العشر أو نصف العشر من الثروة الزراعية من الحبوب والثمار.

وهي ربع العشر من الأثمان، والثروة التجارية، والثروة المعدنية.

وهي نحو هذا المقدار من الثروة الحيوانية، حسبما سبق تفصيله.(5)

وقد تبين حين الكلام عن مقدار ما يدفع لكل مصرف من مصارف الزكاة: أن المحتاجين من الفقراء، والمساكين، والرقاب، وأبناء السبيل يعطون ما يكفيهم، ويسد حاجتهم.

وأن العاملين لمصلحة المسلمين من العاملين على الزكاة، والمؤلفة قلوبهم، والغارمين لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله، يأخذون قدر ما يكافيء عملهم، ويصلح لمثلهم.

وبهذا تكون الزكاة أول تشريع منظم لتحقيق التكافل المادي، أو ما يسمى بالضمان الاجتماعي، الذي لا يعتمد على التبرعات الفردية الوقتية، بل يقوم على مساعدات حكومية دورية منتظمة، غايتها تحقيق الكفاية لكل محتاج : الكفاية في المطعم والملبس والمسكن، وسائر الحاجات، بما يكفل له ولعائلته مستوى معيشياً ملائماً من غير إسراف ولا تقتير.(6)

ولو أن أهل الأموال جميعهم أخرجوا زكاة أموالهم، وصرفوها لمستحقيها، لما بقي في المسلمين فقير. وما احتاج فقير إلا بما منع غني.(7)

يقول محمد رشيد رضا: "ولو أقام المسلمون هذا الركن من دينهم لما وجد فيهم - بعد أن كثرهم الله، ووسع عليهم في الرزق - فقير مدقع، ولا ذو غرم مفجع. ولكن أكثرهم تركوا هذه الفريضة، فجنوا على دينهم وأمتهم، فصاروا أسوأ من جميع الأمم حالاً في مصالحهم المالية والسياسية"(8)

وكما أن الزكاة تحقق التكافل المادي، عن طريق دفعها لمستحقيها من الفقراء وغيرهم، فإنها تحقق هذا التكافل من جهة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الزكاة سبب لتنشيط الحركة التجارية، وذلك بتحريك الأموال وتداولها واستثمارها، حيث يعلم مالكها أنه إن لم يستثمرها، ويسعى لتشغيلها وتنميتها، فسوف تأكلها الزكاة، وتقتطع جزءاً منها في كل عام.

وبذلك صارت الزكاة باعثة لهمم أصحاب الأموال، لكي يستثمروها وينموها، ومن ثم ينتعش الاقتصاد، وتنشط الحركة التجارية، ويكثر الإنتاج، وتفتح مجالات رحبة للعمل والكسب، فتنحسر البطالة، وتتوفر فرص العمل، ويستغني القادرون على العمل بما يكسبونه بجهودهم وكد أيمانهم.

كما أنها إذا زادت أموال الأغنياء، زادت نسبة الزكاة فيها، فينتفع بذلك أهل الزكاة والمستحقون لها.

وهذا كله من حِكم إيجاب الزكاة في النقود، حيث ينتفع الآخذ والمعطي، ويحصل التكافل والتضامن بين أفراد المجتمع.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "إن مهمة النقود أن تتحرك وتتداول، فيستفيد من ورائها كل الذين يتداولونها، وأما اكتنازها وحبسها، فيؤدي إلى كساد الأعمال، وانتشار البطالة، وركود الأسواق، وانكماش الحركة الاقتصادية بصفة عامة.

ومن هنا كان إيجاب الزكاة كلّ حول فيما بلغ نصاباً من رأس المال النقدي - سواء ثمّره صاحبه أم لم يثمره - هو أمثل خطة عملية للقضاء على حبس النقود واكتنازها. ذلك الداء الوبيل الذي حار علماء الاقتصاد في علاجه، حتى اقترح بعضهم أن تكون النقود غير قابلة للاكتناز بأن يحدد لها تاريخ إصدار، ومن ثم تفقد قيمتها بعد مضي مدة معينة من الزمن، فتبطل صلاحيتها للادخار والكنز. وتسمى هذه العملة المقترحة (النقود الذائبة).

وقام بعض رجال الغرب الاقتصاديين بتنفيذ فكرة أخرى، هي فرض رسم "دمغة" شهرية على كل ورقة نقدية حتى يحاول كل من يحوزها في يده التخلص منها قبل نهاية الشهر، ليدفع الرسم غيره. وهذا يؤدي إلى نشاط التبادل، واتساع حركة التداول، وانتعاش الاقتصاد بوجه عام.

وهذه الوسائل - ما اقترح منها وما نفّذ فعلاً - تلابسها صعوبات وتعقيدات كثيرة، ولكنها على أية حال، تؤيد وجهة النظر الإسلامية في النقود، ومقاومة اكتنازها بطريقة أبسط وأيسر من تلك الطرق، وهي فرض اثنين ونصف بالمائة عليها سنوياً، مما يحفز الإنسان حفزاً إلى تنميتها واستغلالها، حتى تنمى بالفعل، وتدرّ دخلاً منتظماً، وإلا أكلتها الزكاة بمرور الأيام"(9)


(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (25/6، 8): "من آكد العبادات الصلاة، وتليها الزكاة، ففي الصلاة عبادته، وفي الزكاة الإحسان إلى خلقه.... وقد أفهم الشرع أنها شرعت للمواساة".

(2) وقد روي هذا القول عن ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وموقوفاً على ابن مسعود. ولكن قال السخاوي في " المقاصد الحسنة " ص:172 : وهو باطل مرفوعاً وموقوفاً.

وقال ابن الديبع الشيباني في "تمييز الطيب من الخبيث" ص: 64: يروى مرفوعاً وموقوفاً عن ابن مسعود، وهو باطل من الوجهين. ولكنه وإن كان باطلاً ثبوتاً، فإنه صحيح دلالةً ومعنى.

(3) هو أبو الفتح البستي. انظر: من القائل 2/208.

(4) قال ابن القيم في زاد المعاد 2/9: "والرب - سبحانه - تولى قَسم الصدقة بنفسه ، وجزأها ثمانية أجزاء، يجمعها صنفان من الناس. أحدهما: من يأخذ لحاجة، فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها، وكثرتها وقلتها، وهم الفقراء والمساكين، وفي الرقاب، وابن السبيل.

والثاني: من يأخذ لمنفعته (يعني لنفعه للمسلمين)، وهم العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله. فإن لم يكن الآخذ محتاجاً، ولا فيه منفعة للمسلمين، فلا سهم له في الزكاة".

وقال ابن تيمية في "السياسة الشرعية " ص: 76: "العطاء، يكون بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته، في مال المصالح، وفي الصدقات أيضاً".

(5) وهذا كله في زكاة الأموال. وهناك زكاة أخرى مفروضة على الرؤوس، وهي زكاة الفطر من رمضان، وهي واجبة على الذكر والأنثى، والحر والعبد، والصغير والكبير من المسلمين.

ومن حِكم فرضيتها: إطعام المساكين، حتى يستغنوا عن السؤال في يوم العيد، ويشاركوا المسلمين فرحتهم به.

فقد روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : (فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين). ( سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر، حديث رقم: 1609، 2/262 )

- و ( سنن ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر، حديث رقم: 1827، 1/585 ).

والحديث حسن إسناده ابن قدامة في "المغني" 4/284، والنووي في "المجموع" 6/126، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" 3/332.

(6) لمزيد من البيان حول أسبقية الزكاة لتحقيق الضمان الاجتماعي، انظر: مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام للقرضاوي ص: 105، وفقه الزكاة للقرضاوي 2/881، ويسألونك في الدين والحياة لأحمد الشرباصي 6/655-659.

(7) روى ابن حزم - في المحلى 6/158 - بسنده عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: (إن الله - تعالى - فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجُهدوا، فبمنع الأغنياء، وحقٌ على الله - تعالى - أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه).

(8) تفسير المنار 10/443.

(9) فقه الزكاة 1/242-243.

وانظر لمزيد من البيان حول أهداف الزكاة وآثارها في حياة الفرد والمجتمع : فقه الزكاة للقرضاوي 2/851 فما بعدها، والزكاة وتطبيقاتها المعاصرة للطيار ص: 23-30، 38-39، ومحاسبة الزكاة لحسن شحاته ص: 40 فما بعدها، والإنفاق العام في الإسلام لإبراهيم فؤاد ص:151-191، والنظام الاقتصادي في الإسلام : مبادئه وأهدافه، لفتحي أحمد، وأحمد العسال ص: 112-117، والجمل في زكاة العمل لأبي بكر الجزائري ص: 4-5. 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام