السبت 11/09/1439 - الموافق 26/05/2018 آخر تحديث الساعة 06:59 م مكة المكرمة 04:59 م جرينتش  
مشاهير

عبدالرازق السنهوري.. شموخ القضاء وعبقرية القانون

1434/01/19 الموافق 03/12/2012 - الساعة 09:41 ص
|


منذ أكثر من أربعة عقود، رحل عن عالمنا، الفقيه الدستوري والقانوني الجليل، الدكتور عبد الرازق السنهوري، الذي يعد بحق أحد أهم وأبرز أعلام الفقه والدستور والقانون، في مصر والعالم العربي، حيث أسهم طيلة حياته ــ الثرية بالإنجازات القانونية والسياسية ــ بوضع القانون المدني  في مصر والعديد من الدول العربية، كما أسهم في وضع دستور دولة الكويت وليبيا والسودان، وكان من أبرز الداعين للفكرة الإسلامية، ودافع عنها باستماتة، ضد موجات التغريب والعلمانية، داعيا لفكرة الجامعة الإسلامية لجمع شتات وفراق المسلمين، بعد سقوط دولة الخلافة .

ويعتبر السنهوري باشا ومؤلفاته، ثروة للمكتبة القانونية؛ إذ كان عضواً في مجمع اللغة العربية منذ 1946م، وأسهم في وضع كثير من المصطلحات القانونية، إلى أن توفي في 21 يوليو 1971م.

وكان السنهوري، مؤسس مجلس الدولة في مصر، أول من نادى بوضع قانون مدني جديد، واستجابت له الحكومة، وشغل منصب وزير المعارف 4 مرات، وعين رئيساً لمجلس الدولة من عام 1949م حتى 1954م، عرف عنه تأييده لثورة يوليو، وشارك في مشاورات خلع الملك فاروق، مع محمد نجيب وجمال سالم وأنور السادات، بذل جهود كبيرة في مشروع الإصلاح الزراعي، وطلب إرساء الديموقراطية، وحل مجلس قيادة الثورة، وعودة الجيش إلى الثكنات، إلا إن  خلافه مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، أجبره على العزلة والإقامة الجبرية حتى وفاته.

مولده ونشأته

ولد السنهوري في 19 صفر 1313 هـ / 11 أغسطس سنة 1895م بمدينة الإسكندرية، لأسرة فقيرة، وعاش طفولته يتيمًا، حيث توفي والده الموظف بمجلس بلدية الإسكندرية، ولم يكن يبلغ من العمر أكثر من خمس سنوات. بدأ تعليمه في الكُتَّاب ثم التحق بمدارس التعليم العام، وتدرّج بها حتى حصل على الشهادة الثانوية سنة 1913م، وكان ترتيبه الثاني على طلاب القطر المصري. قرأ في مرحلة مبكرة من عمره درر التراث العربي، حيث قرأ كتب: الأغاني، والأمالي، والعقد الفريد، وقرأ ديوان المتنبي، وكان كثير الإعجاب به، ويفضله على غيره من شعراء العربية.

تعليمه

نال درجة الليسانس في الحقوق سنة 1917م، من مدرسة الحقوق الخديوية بالقاهرة (باللغة الإنجليزية)، وجاء ترتيبه الأول على جميع الطلاب، رغم أنه كان يعمل موظفًا بوزارة المالية، إلى جانب دراسته.

سافر إلى فرنسا سنة 1921م، في بعثة علمية لدراسة القانون بجامعة ليون، وهناك تبلورت عنده الفكرة الإسلامية، وبدأ يتخذ الموقف النقدي من الحضارة الغربية، فانتقد الانبهار بالغرب، وهاجم المستشرقين، وهاجم موقف علي عبد الرازق، صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم من الخلافة الإسلامية، وتأثره فيه بالمناهج العلمانية والرؤية النصرانية.

في فرنسا، وضع الدكتور عبد الرزاق السنهوري رسالته الإصلاحية، التي عرفت بـ (مواد البرنامج)، الذي يتضمن رؤيته في الإصلاح، وأنجز خلال وجوده في فرنسا، رسالته للدكتوراه (القيود التعاقدية على حرية العمل في القضاء الإنجليزي)، ونال عنها جائزة أحسن رسالة دكتوراه. وأثناء وجوده هناك، ألغيت الخلافة الإسلامية، فأنجز رسالة أخرى للدكتوراه عن (فقه الخلافة وتطورها لتصبح هيئة أمم شرقية)، رغم عدم تكليفه بها، وتحذير أساتذته من صعوبتها، والمناخ الأوروبي السياسي والفكري المعادي لفكرتها!.

السنهوري  والسياسة

عين السنهوري بعد حصوله على ليسانس الحقوق، بالنيابة العامة في سلك القضاء، بمدينة المنصورة بشمال مصر. شارك أثناء عمله بالنيابة العامة في ثورة 1919م، فعاقبته سلطات الاستعمار الإنجليزي، بالنقل إلى مدينة أسيوط أقصى جنوب مصر. ترقى سنة 1920م إلى منصب وكيل النائب العام، وفي نفس العام، انتقل من العمل بالنيابة إلى تدريس القانون في مدرسة القضاء الشرعي.

وعيّن بعد عودته من بعثته الدراسية بفرنسا سنة 1926م، مدرسًا للقانون المدني بكلية الحقوق بالجامعة المصرية (القاهرة الآن). شارك في المعارك السياسية والفكرية، التي كانت تموج بها الحياة في مصر قبل الثورة، وكان قريبًا من كل تيارات التغيير والإصلاح، رغم عدم انضمامه لحزب أو تنظيم. فصلته الحكومة سنة 1934م من الجامعة لأسباب سياسية، منها تأسيسه لـ "جمعية الشبان المصريين".

السنهوري والقوانين والدساتير العربية

 سافر إلى العراق سنة 1935م، بدعوة من حكومتها، فأنشأ هناك كلية للحقوق، وأصدر مجلة القضاء، ووضع مشروع القانون المدني للدولة، ووضع عددًا من المؤلفات القانونية لطلاب العراق،

وعاد للعراق مرة أخرى سنة 1943م، لاستكمال مشروع القانون المدني الجديد، ولكن بسبب ضغوط الحكومة المصرية (الوفدية) على الحكومة العراقية، اضطر للسفر إلى دمشق، وبدأ وضع مشروع القانون المدني لها، ولكن أعيد مرة أخرى لمصر، بسبب ضغوط حكومية. وضع أثناء وجوده في دمشق، أول مخطط لإنشاء اتحاد عربي سنة 1944م، قبل قيام الجامعة العربية، ووضع مشروع معهد الدراسات العربية العليا، الذي تأجل تنفيذه حتى سنة 1952م، في إطار جامعة الدول العربية.

شارك في وضع الدستور المصري، بعد إلغاء دستور 1923م. سافر إلى ليبيا بعد استقلالها، حيث وضع لها قانونها المدني، الذي صدر سنة 1953م دون مقابل. حدث صدام بينه وبين الرئيس جمال عبد الناصر سنة 1954م، أقيل بسببه من مجلس الدولة، فاعتزل الحياة العامة حتى وفاته، وفرض عليه النظام الناصري، عُزلة إجبارية حتى عام 1970م. استطاع أثناء عزلته (من 1954-1970) إنجاز عدد من المؤلفات القانونية المهمة، كما وضع المقدمات الدستورية والقانونية، لكل من مصر وليبيا والسودان والكويت والإمارات العربية المتحدة، ولم تسمح له السلطات المصرية بالسفر إلا مرة واحدة، تلبية لدعوة أمير الكويت سنة 1960م، واستطاع خلال هذه المدة وضع دستور دولة الكويت، واستكمال المقومات الدستورية القانونية، التي تؤهلها لعضوية الأمم المتحدة.

مناصب تولاها

عين بعد عودته لمصر من بغداد سنة 1937م، عميدًا لكلية الحقوق، ورأس وفد مصر في المؤتمر الدولي للقانون المقارن بلاهاي. أسندت إليه وزارة العدل المصرية، مشروع القانون المدني الجديد للبلاد، فاستطاع إنجاز المشروع، ورفض الحصول على أية مكافأة. أجبر مرة أخرى على ترك التدريس بالجامعة سنة 1937م، فاتجه إلى القضاء، فأصبح قاضيًا للمحكمة المختلطة بالمنصورة، ثم وكيلاً لوزارة العدل، فمستشارًا، فوكيلاً لوزارة المعارف العمومية، إلى أن أبعد منها لأسباب سياسية سنة 1942م، فاضطر إلى العمل بالمحاماة رغم عدم حبه لها.

تولى وزارة المعارف العمومية، في أكثر من وزارة من عام 1945م حتى 1949م، وقام أثناءها بتأسيس جامعتي فاروق (الإسكندرية الآن)، وجامعة محمد علي. عيّن عضوًا بمجمع اللغة العربية في مصر سنة 1946م. عيّن سنة 1949م رئيسًا لمجلس الدولة المصري، وأحدث أكبر تطوير تنظيمي وإداري للمجلس في تاريخه، وأصدر أول مجلة له، وتحول المجلس في عهده للحريات، واستمر فيه إلى ما بعد ثورة يوليو سنة 1952م.

خلافه مع عبد الناصر

كان الفقيه الدستوري الكبير، عبد الرازق السنهوري، من أكبر داعمي ثورة 23 يوليو عام 1952، وبعد إزاحة الملكية وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، دعا السنهوري إلى تطبيق الديمقراطية في مصر، وحل مجلس قيادة الثورة وعودة الجيش لثكناته، وألغى السنهوري بصفته رئيسا لمجلس الدولة، العديد من القرارات التي اتخذها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فحدث خلاف وصراع  حاد بين الطرفين، انتهى بتدبير عبد الناصر لمظاهرة عمالية، اعتدت على السنهوري في مكتبه بمجلس الدولة وذلك عام 1954، وبعد ذلك العدوان عصف عبد الناصر بالقضاء، وحل مجلس الدولة، وفرض الإقامة الجبرية على السنهوري حتى عام 1970، وخلال فترة عزلته، استثمر السنهوري وقته في إنجاز العديد من المؤلفات القانونية والدستورية، كما أسهم في وضع دستور دولة الكويت.

الفكرة الإسلامية في أعمال السنهوري

كان الدكتور عبد الرزاق السنهوري، من أكبر المدافعين عن الإسلام والشريعة الإسلامية، ضد موجات التغريب العلمانية، ودعاة فصل الدين عن الدولة والسياسية، وتبنى في شبابه فكرة الجامعة الإسلامية، متأثرا بالزعيم الوطني الراحل مصطفى كامل، وأعمال عبدالرحمن الكواكبي وعبد العزيز جاويش ومحمد فريد وجدي.

وتبلورت الفكرة الإسلامية لدى السنهوري، خلال بعثته العلمية في فرنسا، منتقدا الانبهار بالغرب،  ومهاجما للحضارة الغربية وللأفكار العلمانية.

ولعل إيمان السنهوري بالفكرة الإسلامية، قد دفعه في أعقاب سقوط الخلافة الإسلامية، إلى إنجاز رسالة دكتواره،  بعنوان (فقه الخلافة وتطورها لتصبح هيئة أمم شرقية).

كما قام السنهوري بتدريس القانون، في مدرسة القضاء الشرعي، وزامل فيها كوكبة من أعلام التجديد والاجتهاد، مثل الأساتذة أحمد إبراهيم، وعبد الوهاب خلاف، وعبد الوهاب عزام، وأحمد أمين، وتتلمذ عليه عدد من أشهر علماء مصر، وعلى رأسهم الشيخ محمد أبو زهرة. كما قدم السنهوري أبحاثا عديدة، عن الشريعة الإسلامية، في المؤتمرات الدولية للقانون المقارن.

أعماله الفكرية

 لا يوجد حصر نهائي للأعمال الفكرية، التي قدمها السنهوري، ولم يتم حتى اللحظة حصر جميع أبحاث ومؤلفات ودارسات السنهوري، التي قدمها خلال حياته الثرية، كما أن له آثارًا فكرية أخرى بغير اللغة العربية، أهمها تلك الأبحاث التي قدمها عن الشريعة الإسلامية، في المؤتمرات الدولية للقانون المقارن، بالإضافة إلى الأبحاث والدراسات والمذكرات والتقارير، التي ألفها ونشرها خارج مصر، ولم يتم حصرها إلى الآن، وخاصة ما نشره في العراق، أثناء وجوده بها، لوضع القانون المدني لها.

وللسنهوري مؤلفات كثيرة، منها مشروعات القوانين المدنية والدساتير، كالقانون المدني المصري ومذكرته الإيضاحية وشروحه الوسيط، إضافة إلي القانون المدني العراقي، ومذكرته الإيضاحية، والقانون المدني السوري، ومذكرته الإيضاحية، وقانون البيانات، بما فيه ممن قواعد الإثبات الموضوعية والإجرائية.

إضافة إلي دستور دولة الكويت، وقوانينها التجاري والجنائي والإجراءات الجنائية والمرافعات، وقانون الشركات وقوانين عقود المقاولة، والوكالة عن المسئولية التقصيرية، وعن كل الفروع، وهي التي جمعت فيما بعد في القانون المدني الكويتي، إضافة للقانون المدني الليبي، ومذكرته الإيضاحية ودستور دولة السودان، ودستور دولة اتحاد الإمارات العربية.

وفاته

رحل الدكتور عبد الرازق باشا السنهوري عن الحياة الدنيا، في 27  من ربيع الآخر 1391هـ الموافق  20 من يونيو 1971م، ولم يترك من الأبناء إلا ابنته الوحيدة الدكتورة نادية عبد الرزاق السنهوري، زوجة  الدكتور توفيق الشاوي، أستاذ القانون والمفكر الإسلامي الكبير. غير إنه ترك تراثا علميا زاخرا، في مجالات القانون والدستورن كما أصبح رمزا للاستقلال وشموخ القضاء، وسيادة القانون في مواجهة بطش السلطة الغاشمة.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام