الخميس 25/11/1438 - الموافق 17/08/2017 آخر تحديث الساعة 02:16 ص مكة المكرمة 12:16 ص جرينتش  
مقالات

المرجفون في المدينة

1436/11/03 الموافق 18/08/2015 - الساعة 08:35 ص
|


الشائعات إما أن تكون موجهة ضد شخص، أو أسرة، أو جهة، أو مجتمع، أو أمة بأسرها. وقد تكون هذه الشائعات مختلقة مكذوبة، أو مبالغاً فيها، بحيث تجعل من الحبة قبة، ومن الصغير كبيراً، ومن الحقير خطيراً، أو تكون صحيحة واقعة، لكن في نشرها وتداولها مفسدة وضرر، وإساءة وأذية، إما لصاحبها، أو لأسرته، أو للمجتمع المسلم بأكمله.

ولا يكاد يخلو مجتمع من هذه الشائعات السيئة التي يتلقفها ويتداولها، أو يختلقها ويروجها أناس فارغون يبحثون عما يشغلون به أوقاتهم ولو كان في طياتها ضرر عليهم وعلى غيرهم، أو مغرضون مفسدون ينفثون من خلالها أحقادهم، وينفسون بها عن حسدهم وبغضهم، وينشرون مكرهم ومكايدهم، ويتخذونها سلاحاً لمحاربة خصومهم والإضرار بهم.

وهذه الشائعات السيئة، كلها محرمة مذمومة، وصاحبها مذموم مأزور، غير مشكور ولا مأجور، لأنها إن كانت مكذوبة مزورة، فإن الكذب حرام مجمع على تحريمه، بل هو من أكبر الكبائر وأشد المفاسد، وهو آفة قاتلة ما انتشرت في مجتمع إلا قوضت دعائم استقراره، وهدَّمت أركان أمنه، ونزعت الثقة بين أفراده، وليس هو من أخلاق الكرام، فضلاً عن الملتزمين بالإسلام، بل هو أساس النفاق وعماده، وشعاره ودثاره، ولله در القائل:

إذا المرء أخطأه ثــــــــلاثٌ        فبعه ولو بكفٍ من رمــادِ

سلامةُ صدره والصدق منه      وكتمان السرائر في الفؤاد

 وإن الكذب حين يروج بين العامة، ويذاع في المجتمع يتفاقم ضرره، ويتعاظم خطره، ويهلك بسببه كثير من الخلق، ولهذا كان عقاب صاحبه أليماً، وعاقبته خساراً وبواراً عظيماً.

ومن ذلك ما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياً طويلة رآها، وفيها: "فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى" ثم قال في آخر الحديث: "وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة" متفق عليه. والنصوص في تحريم الكذب، وأنه يهدي إلى الفجور، ثم إلى النار، وأنه ليس من خصال المؤمن الصادق، بل هو من أظهر علامات الدعي المنافق كثيرة مشهورة.

وناقل الكذب والمروج له، سواء علم أو شك أنه كذب، أو أذاعه من دون تثبت ولا تمحيص هو أحد الكاذبين، لأنه معين على الشر والعدوان، ناشر للإثم والظلم، ولذلك قال ربنا ـ عز وجل ـ ناصحاً لعباده ومحذراً لهم: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) وإذا كان هذا هو الواجب في خبر المؤمن الفاسق، فكيف بخبر الكافر المحارب، أو المنافق الحاقد، أو الغالي المارق، أو الخبر الذي لا يعلم مصدره، ولا عدالة قائله أو ناشره، كالأخبار والقصص التي تنشر عبر رسائل الهاتف النقال، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو شريط الرسائل في القنوات الفضائية، أو في بعض المواقع والمنتديات في الشبكة العنكبوتية، والتي لا يدرى من وراءها، ولا أهداف القائمين عليها، ومدى إخلاصهم ونصحهم، وعدالتهم وصدقهم؟! فليس كل ما يقال صحيحاً، وليس كل ما يعلم يقال، وليس كل ما يسمع يذاع، وفي الناس ظلم وجهل، وفيهم حسد وكيد، وفيهم تعجل وطيش، ورقة دين وقلة مبالاة، والسلامة لا يعدلها شيء، وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "بئس مطية الرجل : زعموا" رواه أبو داود وغيره.

وحذر من إلقاء الكلام على عواهنه من دون تأكد من ثبوته وصحته، أو نظر في مآلاته وعواقبه، ومدى تحقق الخير فيه من عدمه، فقال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" متفق عليه. 

وأما إن كانت الشائعة صحيحة واقعة، لكن في إذاعتها مفسدة وأذى، فإن ذلك محرم أيضاً، وليس ذنب ـ بعد الشرك ـ أعظم تحريماً، وأسوأ عاقبة، وأعجل عقوبة من أذية المسلم والإضرار به، والاستطالة في عرضه، وتتبع عوراته، فعن أبي برزة الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تؤذوهم، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وأحمد.

ويزداد الأمر شناعة وسوءًا، إذا كان في نشر هذه الواقعة إشاعةٌ للفاحشة، وتحريضٌ عليها، وتهوينٌ لشأنها في النفوس، قال الله تعالى متوعداً من يفعل ذلك: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)

وإذا كان مجرد الرضا بشيوع الفاحشة بين المؤمنين، والمحبة لذلك موجباً للعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فكيف بمن يخوض فيها، ويعمل على نشرها، وإذاعة أخبارها؟!

ذلك أن تداول هذه الأخبار وترويجها ولو كانت صحيحة واقعة يوحي إلى النفوس المتحرجة من ارتكاب الفاحشة أن جوّ الجماعة كله ملوّث، وأن الفاحشة فيه ذائعة، فيهون عليها فعلها، ويحرضها ذلك على ارتكابها بعد أن كانت متحرجةً منها، ويضعف في حسها بشاعتها وشناعتها بكثرة تردادها وترويج أخبارها، وشعورها بأن كثيرين غيرها يأتونها، فتصبح الجماعة وتمسي وهي تتنفس في ذلك الجو الآسن الموحي بارتكاب الفحشاء والمنكر، وهذا إحدى الحكم التي شرع من أجلها الستر على المسلم، وأن من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، وهي أيضاً من حكم التغليظ في عقوبة القذف ونشر قالة السوء بين الناس، ومن هنا يتبين خطورة هذه الشائعات وسوء عواقبها.

ومن هذه الشائعات الكاذبة المغرضة: ما حصل لبيت النبوة الكريم من رمي الطاهرة المطهَّرة: أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ بالزنا، وهي منه براء، حيث اتهمها أهل النفاق بذلك، ورموها بهذا الإفك العظيم، وصدقهم وروج إشاعتهم بعض المتعجلين من المسلمين، وذلك لضعف بصيرتهم، وقلة توفيقهم، وسوء حظهم، وأصاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهل بيته والمؤمنين من ذلك بلاء عظيم.

وبعد أن برَّأ الله تعالى عائشة ـ رضي الله عنها ـ بقرآن لا يزال يتلى إلى يوم القيامة، بيّن ـ سبحانه وتعالى ـ في تضاعيف هذه القصة المنهج الذي يجب أن يسلكه المسلم تجاه هذه الشائعات المغرضة الظالمة، فقال ـ سبحانه ـ: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين)، وتأمل قوله: (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم)، أي: بإخوانهم، وكيف جعل الأخ المسلم بمنزلة النفس، فإذا كنت لا ترضى هذا لنفسك، وتحسن الظن بها، فلا يجوز لك أن ترضاه لأخيك المسلم، أو تسيء به الظن، ثم حذر من تلقي هذه الشائعات والترويج لها، والاستهانة بشأنها، فقال: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم) ويالها من آية عظيمة تقشعر لها الجلود المؤمنة، وترجف لها القلوب الحية خشية ورهبة!! أتظنون أيها الجهلة المتعجلون، أو الحاقدون الظالمون أن الطعن في أعراض الناس وتلويث سمعتهم بلا علم بين ولا حجة ظاهرة شيء يسير؟! بل هو شيء عظيم كبير، وشنيع خطير، (إذ تلقونه بألسنتكم) فأنتم مستعدون جاهزون لتلقف هذه الشائعات السيئة وتصديقها، والسعي لنشرها وإذاعتها، دون أن تكلفوا أنفسكم عناء التثبت منها، والتفكر في مدى المصلحة في تداولها والحديث عنها، أو تلزموا جانب الحذر والسلامة، فتكفوا عما لا يعنيكم، وتتورعوا عن الخوض فيما قد يلحقكم به الإثم، وتقعون به في الإساءة والظلم، ثم وعظ المؤمنين وحذرهم، وبين ما هو الواجب عليهم واللائق بأمثالهم فقال: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين).

ومن الشائعات الخطيرة التي تكثر أوقات الأزمات والفتن: شائعات الإرجاف والتخويف، التي يراد يها توهين عزائم المؤمنين، وتثبيط هممهم، والفتُّ في أعضادهم، والإرجاف بهم، وبث الرعب في نفوسهم، وإضعاف قوتهم، والتشكيك في قدرتهم على المواجهة والمصابرة، وتعظيم قوة الأعداء في أعينهم، وتفخيم شأنهم، وتهويل قدراتهم، وأنه لا طاقة لهم بمحاربتهم، ولا قبل لهم بهم، وأنه لا سبيل لهم إلا مداهنة هؤلاء الأعداء، والركوع لهم، والسير في ركابهم، والسكوت عن ظلمهم وابتزازهم.

وقد بين الله تعالى أن هذا هو ديدن المنافقين في المواجهات التي تقع بين المؤمنين والكافرين، وتوعدهم على ذلك بالعذاب الشديد، وحذر المؤمنين من السماع لهم وتصديقهم، وإشاعة تخويفاتهم وأراجيفهم، فقال تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا. ملعونين أينما ثقفوا أخذو وقتلوا تقتيلا)

والمرجفون: هم الذين ينشرون الشائعات الكاذبة، أو يبالغون في تعظيم قوة الأعداء وقدراتهم، واستحالة هزيمتهم وكسر شوكتهم، من أجل تخذيل المؤمنين وتخويفهم من أعدائهم، وقد لعنهم الله حيثما وجدوا، وتوعدهم بأن يسلط عليهم من يستأصل شأفتهم ويقطع دابرهم.  

وقال ـ عز وجل ـ كاشفاً حقيقة هؤلاء المنافقين وأثرهم في الإرجاف والتخويف، والتعويق والتخذيل، ونشر الفتنة بين المؤمنين: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا) وقال: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم)

فبين أن وجودهم في صف المؤمنين لا يزيدهم إلا شراً وفساداً، وضعفاً وهواناً، وفتنة وفرقة، وإسراعاً في التخذيل والتعويق، ويعظم البلاء حين يكون في المسلمين جهلة بسطاء، يسمعون لهؤلاء المنافقين المفتونين، فيتأثرون بإشاعاتهم، ويستجيبون لتخويفاتهم، ويصبحون أبواقاً لهم، وببغاوات يرددون أراجيفهم، وينشرون فتنتهم، ولهذا قال تعالى: (وفيكم سماعون لهم)، فيتولد من سعي أولئك المنافقين، وقبول هؤلاء الساذجين، من الشر والبلاء وتوهين عزائم المؤمنين وإرعابهم ما هو من أعظم البلاء على أمتهم، وأكبر المدد لأعدائهم.

وقد أرشدنا الله تعالى إلى ما يجب علينا تجاه هذه الشائعات التي تخل بالأمن، وتجلب الوهن، وتحقق مراد الأعداء في تركيع المؤمنين واستضعافهم، وكسر شوكتهم، وتيئيسهم وقتل روح المقاومة في نفوسهم، فقال ـ سبحانه ـ: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)

فأنكر الله تعالى عليهم خوضهم في الأمور الكبار المتعلقة بالأمن والخوف ومصالح الأمة العامة، وإذاعتهم لأخبارها، وتعجلهم في نشرها، قبل أن يتبينوا حقيقتها ويتأكدوا من صحتها، ويتأملوا في آثارها وعواقبها، وهل المصلحة تقتضي إذاعتها ونشرها أو طيها وكتمانها، ثم حثهم على رد الأمر إلى ولاة الأمر من العلماء والخبراء، فهم بحسب فقههم بالشرع ومعرفتهم بالواقع أقدر على إدراك الحقائق، والنظر في عواقب الأمور ومآلاتها، وما ينبغي نشره وإعلانه، وما يحسن السكوت عنه وكتمانه. والإنسان لا يخسر بالسكوت شيئاً، كما يخسر حين يخوض فيما لا يحسنه، أو يتدخل فيما لا يعنيه، والسلامة لا يعدلها شيئ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" رواه البخاري ومسلم.  

 

كتبه

أ.د. عبد العزيز بن فوزان بن صالح الفوزان

أستاذ الفقه المقارن وعضو مجلس هيئة حقوق الإنسان

  

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام