الخميس 25/11/1438 - الموافق 17/08/2017 آخر تحديث الساعة 02:11 ص مكة المكرمة 12:11 ص جرينتش  
مقالات

تعظيم حق الحياة في الإسلام

1436/11/04 الموافق 19/08/2015 - الساعة 09:14 ص
|


السلوك العدواني الظالم، والتصرفات الشاذة المنحرفة إنما تنشأ في الغالب من فكر شاذ منحرف، وتصورات فاسدة، أوعاطفة طائشة، وجهل وحمق، وقلة فقه وعمى بصيرة, وعدم نظر في مآلات الأمور وعواقبها.

وحينما يتفكر المرء في هذه العمليات الإرهابية الظالمة، وبخاصة ما يقع منها في بعض بلاد الإسلام على أيدي فئة شاذة من أبناء المسلمين يتساءل بحرقة وألم: بأي عقل يفكر هؤلاء؟ وعلى أي منطق يستندون؟ وبأي حجة يتشبثون؟ وإلى أية شريعة يحتكمون؟ وأية مصلحة يستهدفون؟ وبأي دليل يتذرعون؟ حين يغدرون بالعهود، وينقضون المواثيق، وينتهكون الحرمات، ويرتكبون الجرائم والموبقات، ويروعون الآمنين والآمنات، ويشوهون صورة الإسلام وأهله، ويصدون عن سبيل الله وهم يزعمون نصرة دين الله، والانتقام للمستضعفين من المسلمين!!

إنهم يقتلون إخوانهم المسلمين، ومن دخل في ذمتهم من المعاهدين والمستأمنين، يسفكون الدماء المعصومة، ويسترخصون النفوس المصونة، ويستهترون بالحياة الإنسانية الكريمة.. يفجرون ويدمرون، ويرعبون ويرهبون، ويؤذون ويظلمون، ويفتحون في الأمة جروحاً غائرة تضاف إلى جروحها النازفة في العراق وفلسطين وسوريا واليمن وليبيا ومصر وبورما وغيرها...

يسعون جاهدين من حيث يشعرون أو لا يشعرون إلى إثارة الفتنة العمياء، وإشاعة الفرقة والفوضى، وإضعاف الأمة، وتفكيك صفوفها، وتمزيق وحدتها، وتهديم أمنها، وإغراء أعدائها بها، وتسليطهم عليها وعلى استلاب خيراتها.

والعجب كل العجب أن تحدث هذه العمليات الإجرامية في أفضل البلاد، وخير البقاع، بل في قلب الأمة النابض، وقاعدتها الحصينة.. في بلاد الحرمين الشريفين، ومهبط الوحي، ومهد النبوة، ومنطلق الرسالة، ومأرز الإسلام، ومحط أنظار المسلمين!!

وأعجب من هذا أن الذي تولى كبر هذه الجرائم ونفذها هم من أبناء هذا البلد وأهله، الذين ترعرعوا في أكنافه، ورضعوا من خيراته، ودرسوا في معاهده ومدارسه، التي تتميز بصحة معتقدها، وسلامة توجهها، وتفوق مقرراتها ومناهجها، التي تؤكد على حفظ مقاصد الشريعة الإسلامية، وتعظّم حق الحياة الإنسانية، وتحترم الدماء المعصومة، وتحث على حفظ الحقوق، ورعاية العهود، والوفاء بالعقود، وأداء الأمانات، واحترام ذوي الهيئات، وإعانة ذوي الحاجات، والرحمة بالإنسان وسائر المخلوقات.

وما دامت هذه الأعمال الإرهابية الظالمة نتاج فكر منحرف، وعواطف طائشة لم تضبط بشرع حنيف، ولا بعقل حصيف، فلا بد من غسيل هذه العقول الملوثة، وتصحيح هذه الأفكار الشاذة المنحرفة، وضبط هذه العواطف الطائشة، والحماس الأهوج، وذلك بالعلم الشرعي الصحيح المؤسس على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، فإن هذا العلم صمام الأمان، والضمانة الحقيقية لمنع الإرهاب والعدوان، وردع النفوس عن ارتكاب الموبقات، وانتهاك الحرمات، وحثها على تعظيم حقوق العباد، وحفظ مصالحهم، ومحبة الخير لهم. وكما أنه يمنع من الاعتداء ابتداءً فإنه من أعظم الأسباب المعينة على علاج هذه الظاهرة الخطيرة، وحمل من تلبس بشئ من ذلك على التوبة والإنابة، وعدم التكرار والمعاودة.

ولقد عظم الله حق الحياة الإنسانية، وشرع من الأحكام ما يكفل وجودها وبقاءها على أكمل وجه وأحسنه، وذلك عبارة عن حفظها من جانب الوجود، كما حفظها من جانب العدم، وذلك بتشريع ما يمنع من الاعتداء عليها، وانتهاك حرمتها، أو سلبها والقضاء عليها، ولهذا حرم الله قتل النفس بغير حق، وتوعد عليه بالعذاب الشديد، وجعل في عمده القصاص، وفي خطئه الدية والكفارة، وحرم على المكلف إلقاء نفسه في التهلكة، أو تمكين غيره منه، وشرع مدافعة الصائل على النفس ولو بقتله، وحرم قطع عضو من أعضائه لغير مصلحة تزيد على مفسدة القطع.

والاعتداء على الحياة الإنسانية قد يكون بقتل الإنسان لنفسه، وهو المعروف بالانتحار، وقد يكون بقتله لغيره ظلماً وعدواناً، وكلاهما جريمة منكرة، واعتداء صارخ على مصلحة من أعظم المصالح الإنسانية، وحق من آكد حقوق الإنسان.

وسأبين حكم قتل الإنسان لنفسه، وحكم قتله لغيره من المعصومين، وذلك في هاتين المسألتين:

المسألة الأولى

تحريم قتل الإنسان لنفسه

نفس الإنسان ليست ملكاً له، وإنما هي ملك لخالقها وموجدها عز وجل، وهي أمانة عند صاحبها، سيسأل عنها يوم القيامة، أحفظها وقام بحقها، أم ضيعها وظلمها، ولم يقم بمايجب لها؟

ولهذا فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه، ولا أن يغرر بها في غير مصلحة شرعية، ولا أن يتصرف بشيء من أجزائها إلا بما يعود عليها بالمصلحة، أو يدرأ عنها المفسدة، وليس له أن يُضر بنفسه بحجة أنه يتصرف فيما يخصه، وأنه لم يعتد على غيره، فإن اعتداءه على نفسه كاعتدائه على غيره عند الله تعالى. قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً  ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً)[النساء: 29].

فهذا نهي للمؤمنين أن يقتل بعضهم بعضاً، ونهي للإنسان عن قتل نفسه، سواء كان ذلك بتعمد قتلها مباشرة، أو بفعل الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك. ثم توعّد من يقتل نفسه أو نفس غيره بغير حق بأن يصليه نار جهنم وساءت مصيراً.

قال القرطبي: "أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضاً، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصدٍ منه للقتل: في الحرص على الدنيا وطلب المال، بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدّي إلى التلف... أو في حال ضجر أو غضب. فهذا كله يتناوله النهي"

وقد احتج بهذه الآية عمرو بن العاص رضي الله عنه حين أجنب ثم تيمم، وخشي إن اغتسل بالماء أن يهلك من شدة البرد. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وأقره على احتجاجه. رواه أبو داود وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه النووي وابن حجر. وقال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)[لبقرة: 195]، والإلقاء: هو طرح الشيء، والمراد بالأيدي: الأنفس، عبّر بالبعض عن الكل، بناء على أن أكثر أفعال النفس بالأيدي. والتهلكة: مصدر من هلك يهلك هلاكاً وهُلْكاً وتهلكة، أي: لاتوقعوا أنفسكم في الهلاك. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "والإلقاء باليد إلى التهلكة، يرجع إلى أمرين: لترْك ما أمر به العبد، إذا كان تركه موجباً أو مقارباً لهلاك البدن أو الروح. وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل في ذلك أمور كثيرة... ومن ذلك: تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة، أو سفر مخوف، أو محل مَسبَعة، أو حيات، أو يصعد شجراً أو بنياناً خطراً، أو يدخل تحت شيء فيه خطر، ونحو ذلك. فهذا ونحوه، ممن ألقى بيده إلى التهلكة"

وقال الشوكاني: "والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا، فهو داخل في هذا. وبه قال ابن جرير الطبري".

وجاءت السنة النبوية مؤكدةً لما في القرآن، ومنذرةً بالوعيد الشديد، والعذاب الأليم لمن قتل نفسه. ففي الصحيحين عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان فيمن كان قبلكم رجل به جُرح، فجزع، فأخذ سكيناً، فحزّ بها يده، فما رقأ الدمُ حتى مات. قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنة" متفق عليه.

وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجّأُ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن شرب سماً، فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تردّى من جبل، فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) ، وفي رواية للبخاري: (الذي يخنُقُ نفسه، يخنقها في النار، والذي يطعُن نفسه، يطعُنُها في النار). وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) فقد أجاب عنه العلماء بأجوبة، منها: أنه محمول على من فعل ذلك مستحلاً له بلا تأويل، مع علمه بتحريمه، فإنه يصير باستحلاله لما حرمه الله كافراً، والكافر مخلد في  النار بلا ريب.

ومنها: أنه ورد مورد الزجر والتغليظ. وحقيقته غير مرادة. ولكن هذا كما يقول أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الإيمان": "من أفظع ما تُأوِّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيدًا لا حقيقة له، وهذا يؤول إلى إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكنًا في العقوبات كلها".

ومنها: أنه يستحق هذا الجزاء لشناعة جرمه، وهذا جزاؤه لو أراد الله أن يجازيه بما يكافئ جرمه، ولكنه تكرم على عباده الموحدين، فأخبر أنهم يخرجون من النار بتوحيدهم، وأنه لا يُخلِّد في النار من مات موحداً.

وقد رجّح ابن حجر في "فتح الباري" هذا الجواب الأخير، فقال: "وأولى ماحمل عليه هذا الحديث ونحوه من أحاديث الوعيد، أن المعنى المذكور جزاء من فعل ذلك، إلا أن يتجاوز الله تعالى عنه".

وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: "وأما قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) فالصواب فى معناها: أن جزاءه جهنم، وقد يجازى به، وقد يجازى بغيره، وقد لايجازى، بل يعفى عنه. فإن قتل عمداً مستحلاً له بغير حق ولاتأويل فهو كافر مرتد يخلد به فى جهنم بالإجماع، وإن كان غير مستحل، بل معتقداً تحريمه فهو فاسقٌ عاصٍ مرتكبٌ كبيرة، جزاؤه جهنم خالداً فيها لكن بفضل الله تعالى أخبر أنه لايخلد من مات موحداً فيها، فلا يخلد هذا، ولكن قد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلاً، وقد لايعفى عنه، بل يعذب كسائر العصاة الموحدين، ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد فى النار. فهذا هو الصواب فى معنى الآية، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء. وليس فى الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، وإنما فيها أنها جزاؤه، أي: يستحق أن يجازى بذلك"

ويدل لذلك قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)[النساء: 48]، فبين أن ما دون الشرك من الكبائر، ومنها القتل بغير حق، لا يخلد صاحبها في النار، بل هو تحت مشيئة الله تعالى، فإن شاء غفر له، وإن شاء عذبه ثم يكون مآله إلى الجنة. ويؤيده حديث عبادة الصامت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بايعهم على ترك القتل والزنا وغيرهما قال: "فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه" متفق عليه، ويؤيده قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أكمل المائة، ولما هاجر إلى القرية الصالحة، أدركه الموت بين القريتين فقبضته ملائكة الرحمة. متفق عليه. والقصة معلومة مشهورة.

وهذا ما رجحه ابن القيم أيضاً في "مدارج السالكين"، حيث أورد أقوال العلماء في المسألة ثم قال: "وقالت فرقة سابعة: هذه النصوص وأمثالها مما ذكر، فيه المقتضي للعقوبة، ولا يلزم من وجود مقتضى الحكم وجوده، فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء مانعه. وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سببٌ للعقوبة ومقتضٍ لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع، فبعضها بالإجماع، وبعضها بالنص، فالتوبة مانع بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص، فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين"

وقد روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه. فاجتووا المدينة [أي لم تناسبهم لداء أصاب أجوافهم]. فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص له [جمع مشقص وهو سهم له نصل عريض] ، فقطع بها براجمه [أي: مفاصل أصابعه]، فشخبت يداه [أي: سال دمهما بقوة] حتى مات. فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئتُه حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: ماصنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. فقال: مالي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم ولِيَديه فاغفر).

وهذا الحديث يدل على تحريم قتل الإنسان نفسه، وعظم عقوبته في الآخرة، كما يدل على أن من قتل نفسه غير مستحل لذلك، فإنه لايعد كافراً، ولذلك بوّب عليه النووي بقوله: "باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر"، ثم قال في شرح الحديث: "فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة: أن من قتل نفسه، أو ارتكب معصية غيرها، ومات من غير توبة، فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة... وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر في النار".

وكما لا يجوز إتلاف النفس بالكلية، فلا يجوز إيلامها، أو إتلاف عضو من أعضائها، إلا لمصلحة تربو على مفسدة الإيلام والقطع.

فإن احتاج لقطع عضو من بدنه، أو كيّ جزء منه، أو غرز إبرة فيه، لمصلحة يرجوها لبدنه، أو لدفع مفسدة يخشى منها عليه، فلا حرج في ذلك، لأن مصلحته عائدة لحماية النفس، وهو داخل في باب ارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما، أو جلب أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما.

وإذا كان هذا الوعيد الشديد في حق من قتل نفسه دون أن يؤذي غيره، فكيف يكون الحال فيمن أزهق نفسه في تفجير انتحاري في سوق أو مجمع تجاري أو سكني أو مسجد ونحوه لكي يقتل المعصومين من المسلمين وغيرهم، ويدمر ممتلكاتهم، ويشيع الفتنة والفوضى، ويزعزع الأمن والاستقرار في بلاد المسلمين، ويسلط أعداءهم عليهم!! فوالله إنها لفتنة عمياء، ومظالم شنعاء، وظلمات بعضها فوق بعض. والله المستعان.

المسألة الثانية

تحريم قتل الإنسان لغيره

إذا كان اعتداء الإنسان على نفسه بتلك المثابة من التحريم والتغليظ في العقوبة، فإن اعتداءه على غيره أشد تحريماً، وأعظم إثماً، وأغلظ عقوبة، وأسوأ عاقبة.

وقد جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، تحذر من ذلك تحذيراً شديداً، وتبين سوء عاقبته، وعظم عقوبة فاعله.

قال الله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)[الإسراء: 33]. وهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة، مؤمنةً كانت أو معاهدةً إلا بالحق الذي يوجب قتلها.

 وقال تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً)[النساء: 92]، وقال تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً)[النساء: 93]. فأي وعيد أعظم من هذا الوعيد؟! إنه لوعيد تقشعر منه جلود المؤمنين، وتنخلع من هوله قلوبهم، ويوجد في نفوسهم رادعاً قويا، ووازعاً ذاتياً، يمنعهم من التعدي على غيرهم، وإزهاق نفوسهم ظلماً وعدواناً.

ولا يفهم من التنصيص على المؤمن في الآيتين السابقتين جواز قتل المعصومين من غير المؤمنين، كالذميين والمعاهدين والمستأمنين، ولكنه نَصَّ على المؤمن ليبين أن قتله أعظم وأشنع، لأن حقه على أخيه المؤمن أعظم وأكبر.

ولقد قرن الله القتل بغير حق بالشرك بالله في غير ما آية في كتابه، كما في قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً  يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً)[الفرقان: 68، 69]، وقوله: (قل تعالوا أتل ماحرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً) إلى قوله: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)[الأنعام: 151].

قال ابن حزم في "المحلى": "لا ذنب عند الله عز وجل بعد الشرك، أعظم من شيئين. أحدهما: تعمد ترك صلاة فرض، حتى يخرج وقتها. والثاني: قتل مؤمن أو مؤمنة عمداً بغير حق"، وقال الشافعي كما في "مختصر المزني": "ولا شيء أعظم منه [يعني القتل بغير حق] بعد الشرك".

بل لقد جعل الله قتل نفس واحدة بغير حق، كقتل الناس جميعاً، وإحياءها كإحياء الناس جميعاً، فقال تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)[المائدة: 32].

ففي هذه الآية: تغليظ أمر القتل، والمبالغة الشديدة في الزجر عنه، وتوكيد لحق الحياة الإنسانية، حتى لا يضار فيها أحد بغير حق.

وقد اختلف المفسرون في المراد بهذا التشبيه:

فقال ابن عباس: المعنى: من قتل نفساً واحدة، وانتهك حرمتها، فهو مثل من قتل الناس جميعاً. ومن ترك قتل نفس واحدة، وصان حرمتها، واستحياها، خوفاً من الله، فهو كمن أحيا الناس جميعاً.

وقيل: جَعَل إثم قاتل الواحد، إثم قاتل الجميع، وله أن يحكم بما يريد.

وقال الحسن البصري: فكأنما قتل الناس جميعاً في الوزر، وكأنما أحيا الناس جميعاً في الأجر. وقال مجاهد: المعنى: أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمداً، جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً، يقول: لو قتل الناس جميعاً، لم يزد على مثل ذلك العذاب. ومن لم يقتل أحداً، فقد حيي الناس منه.

وفي رواية أخرى عنه أنه قال: ومن أحياها، أي: أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة.

وقيل: المعنى: أن من قتل نفساً، فيلزمه من القود والقصاص، ما يلزم من قتل الناس جميعاً. ومن أحياها، أي: عفا عمن وجب له قتله.

وقيل: المعنى: أن من قتل نفساً، فالمؤمنون كلهم خصماؤه، لأنه قد وَتَر الجميع. ومن أحياها، فكأنما أحيا الناس جميعاً، أي: يجب على الكل شكره، وكأنما منّ عليهم جميعاً.

قال القرطبي: "وعلى الجملة، فالتشبيه على ما قيل، واقع كله، والمنتهك في واحد، ملحوظ بعين منتهك الجميع"

وقال الشوكاني: "والمراد بالتشبيه في جانب القتل: تهويل أمر القتل، وتعظيم أمره في النفوس، حتى ينزجر عنه أهل الجرأة والجسارة. وفي جانب الإحياء: الترغيب إلى العفو عن الجناة، واستنقاذ المتورطين في الهلكات"

وقال ابن القيم في "الجواب الكافي": "وقد أشكل فهم هذا على كثير من الناس، وقال: معلوم أن إثم قاتل مائة، أعظم عند الله من إثم قاتل نفس واحدة. وإنما أُتوه من ظنهم أن التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة، واللفظ يدل على هذا. ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه... فإن قيل ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة، وقاتل الناس جميعاً؟ قيل: في وجوه متعددة:

أحدها: أن كلاً منهما عاصٍ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مخالفٌ لأمره، متعرضٌ لعقوبته، وكلٌ منهما قد باء بغضب الله ولعنته، واستحقاق الخلود في نار جهنم، وإعداده له عذاباً عظيماً. وإنما التفاوت في دركات العذاب، فليس إثم من قتل نبياً أو إماماً عادلاً أو عالماً يأمر الناس بالقسط، كإثم من قتل من لا مزية له من آحاد الناس.

الثاني: أنهما سواء، لاستحقاق إزهاق النفس [أي: القتل قصاصاً].

الثالث: أنهما سواء في الجرأة على سفك الدم الحرام، فإن من قتل نفساً بغير استحقاق، بل لمجرد الفساد في الأرض، أو لأخذ ماله، فإنه يجتريء على قتل كل من ظفر به، وأمكنه قتله، فهو معادٍ للنوع الإنساني.

ومنها: أنه يسمى قاتلاً أو فاسقاً أو ظالماً أوعاصياً بقتله واحداً، كما يسمى كذلك بقتله الناس جميعاً.

ومنها: أن الله سبحانه جعل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فإذا أتلف القاتل من هذا الجسد عضواً، فكأنما أتلف سائر الجسد، وآلم جميع أعضائه. فمن آذى مؤمناً واحداً، فكأنما آذى جميع المؤمنين، وفي أذى جميع المؤمنين أذى جميع الناس، فإن الله يدافع عن الناس بالمؤمنين الذين بينهم، فإيذاء الخفير إيذاء المخفور"

وأما الأحاديث في تحريم القتل وتبشيع أمره، فهي كثيرة جداً، ومنها ما يأتي:

1ـ حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) رواه البخاري ومسلم.

ففي هذا الحديث تغليظ أمر الدماء، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، وذلك لعظم أمرها وشدة خطرها.

قال ابن حجر: "في الحديث عظم أمر الدم، فإن البداءة إنما تكون بالأهم، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة. وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك".

2ـ حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المؤمن في فُسْحةٍ من دينه مالم يُصب دماً حراماً) رواه البخاري.

والفسحة هي المهلة والسعة، والمعنى: أنه يضيق عليه دينه، ولا تقوم أجور أعماله الصالحة بإثم ظلمه، بسبب الوعيد على من قتل مؤمناً متعمداً بغير حق.

نقل ابن حجر عن ابن العربي قوله: "الفسحة في الدين: سعة الأعمال الصالحة، حتى إذا جاء القتل ضاقت، لأنها لا تفي بوزره"

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله" رواه البخاري.  

3ـ حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتْل مؤمنٍ بغير حق"  رواه ابن ماجه. وله شواهد عن جماعة من الصحابة عند الترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم وصححه الألباني.

وفي هذا الحديث تغليظ أمر القتل وتهويل شأنه.

4ـ قوله صلى الله عليه وسلم: "كلّ ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يقتل المؤمن متعمداً، أو الرجل يموت كافراً" رواه أبو داود والنسائي وصححه السيوطي وغيره.

5ـ حديث المقداد بن عمرو الكندي رضي الله عنه، وكان ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا رسول الله! أرأيت إن لقيت كافراً فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أأقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله. قال: يا رسول الله! فإنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعدما قطعها. قال: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" متفق عليه.

ومعنى قوله: (وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته) أن دمك مباح بحق القصاص، لأنك قتلت مسلماً معصوماً ظلماً وعدواناً كما كان دمه مباحاً حين كان كافراً محارباً للمسلمين، وليس المراد إلحاقه به في الكفر، فإن المسلم لا يكفر بفعل الكبيرة، ولا يكفره بذلك إلا الخوارج. وقيل في معناه غير ذلك.

ومن القصص المشهورة التي تدل على شناعة أمر القتل وسوء عاقبته: قصة أسامة بن زيد رضي الله عنهما، ولنستمع إليه وهو يقول: "بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذاً. قال: أقتلته بعد ما قال لا إلا الله؟ فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم"

فهذا الرجل كان كافراً يقاتل المسلمين، ولما أيقن أنه مقتول أسلم في الظاهر إسلاماً فيه شبهة بينة، ومع ذلك غلَّظ النبي صلى الله عليه وسلم في قتله تغليظاً شديداً، وشنع على أسامة هذا التشنيع العظيم، حتى تمنى أسامة أنه فقد حسناته السالفة وسابقته في الدين وأنه سلم من مغبة قتله، وشؤم هذا الذنب وسوء عاقبته، وأنه ما أسلم إلا يومئذ.

ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر في تعظيم الدماء، وبيان خطرها، بل أكد حرمتها، وغرس في النفوس إجلالها وتعظيمها، بمقارنتها بما أجمع المسلمون قاطبةً على إجلاله وتعظيمه، وهو البلد الحرام، والشهر الحرام، وكان ذلك في يوم مشهود، ومكان مبارك، ومجمع عظيم، شهده ما يزيد على مائة ألف مسلم، حين خطب الناس يوم النحر بمنىً في حجة الوداع.

ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "ألا أي شهر تعلمونه أعظم حُرمة؟ قالوا: ألا شهرنا هذا. قال: ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا بلدنا هذا. قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا. قال: فإن الله تبارك وتعالى قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرْمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا. ألا هل بلغت ثلاثاً؟ كل ذلك يجيبونه: ألا نعم. قال: ويحكم، أو ويلكم! لا ترجعنّ بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"

بل لقد دلت السنة النبوية على أن التعدي على الحيوان بإزهاق روحه ظلماً وعدواناً، جريمة يستحق فاعلها دخول النار، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعْها تأكل من خشاش الأرض"، وفي رواية لهما: "عذّبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار. لاهي أطعمتها وسقتها، إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".

فإذا كانت هذه عقوبة قتل الحيوان بغير حق، فكيف بقتل الآدمي المعصوم، وكيف بالمسلم، وكيف بالتقي الصالح؟!!

ومن تأمل النصوص السابقة وجد أن أكثرها جاءت عامة مطلقة، تشمل جميع المعصومين من المؤمنين والكافرين، وما نُصَّ فيها على المؤمن، فإنما هو لعظم حقه وحرمته، ولا تدل بحال على إباحة قتل الكافر المعصوم بغير حق.

ويؤكد ذلك آيات وأحاديث كثيرة تدل على تحريم قتل الكفار غير المحاربين من الذميين والمعاهدين والمستأمنين، ومنها ما يأتي:

1ـ قول الله عز وجل: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) إلى قوله: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة)[النساء: 92].

فبين عز وجل عصمة دم الكافر المعاهد، وأن قتله خطأ يوجب الدية والكفارة المغلظة كوجوبهما في قتل المؤمن خطأ.

قال الفقهاء: وتجب الدية والكفارة بقتل الذمي والمستأمن ومن بيننا وبينهم هدنة لقوله تعالى: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) [ينظر: الحجة 4/350، وبدائع الصنائع 7/252، والمهذب 2/190، وبداية المجتهد 2/310، والكافي لابن قدامة 4/56، والمبدع 9/27]

وقال ابن قدامة في "المغني": "والأصل في وجوب الدية والكفارة قول الله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا)[النساء: 92]، وسواء كان المقتول مسلماً أو كافراً له عهد، لقول الله تعالى: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة)[النساء: 92]" 

2ـ من الأدلة الصريحة على تحريم قتل النفوس المعصومة ولو كانت كافرة، ما تكرر ذكره في القرآن في مواضع عديدة من قتل موسى عليه الصلاة والسلام لقبطي كافر من قوم فرعون، لم يكن يريد قتله، قال الله تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ *فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص: 15ـ19]

وقد دلت القصة على تحريم قتل معصوم الدم، وأنه جريمة منكرة، وفعلة بشعة من وجوه عديدة:

الأول: اعتراف موسى عليه السلام بأن قتل النفس التي لم يأذن الشارع في قتلها من إغواء الشيطان وكيده: (قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين) أي: عدو لابن آدم، مضل له عن سبيل الرشاد، مبين في عداوته له.   

الثاني: ندمه الشديد على فعلته، واعترافه بخطيئته، واعتذاره إلى ربه: (قال رب إني ظلمت نفسي)، ولم يزل موسى عليه السلام نادماً على ذلك، معترفاً بذنبه، حتى إنه حين أرسله الله تعالى إلى فرعون وقومه بعد سنين قال: (ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون)[الشعراء: 14]، بل حين تطلب منه الشفاعة الكبرى يوم القيامة يعتذر عنها قائلاً : إني قتلت نفساً لم أومر بقتلها. كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة المشهور. متفق عليه. قال القرطبي: "ثم لم يزل  يعدد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر له، حتى إنه في القيامة يقول: إني قتلت نفساً لم أومر بقتلها. وإنما عدده على نفسه ذنباً وقال ظلمت نفسي فاغفر لي، من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر، وأيضاً فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم"

الثالث: أنه عدَّ قتله القبطي الكافر ذنباً يستحق العقوبة عليه، فسأل ربه أن يتجاوز عنه، ويستر عليه: (قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم).

الرابع: أنه عدَّ فعله ذلك جرماً، وعاهد ربه ألا يكون معيناً لمجرم على جرمه: (قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين).

الخامس: أن الذي يقتل النفوس بغير حق فهو من الجبارين الظالمين، كما قال ذلك الإسرائيلي الذي ظن خطأ أن موسى سيقتله: (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض)، وقد أقره الله تعالى على ما ذكر من أن القتل بغير حق هو فعل الجبابرة والطغاة الذين لا يخافون الله.

السادس: أن من قتل النفوس المعصومة بغير حق، وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض، ونصرة الدين، وإنكار المنكر، وتهييب أهل المعاصي، فإنه كاذب في دعواه، بل هو من الظالمين المفسدين وإن زعم أنه من الصالحين المصلحين، كما قال الله تعالى على لسان ذلك الإسرائيلي مقراً له: (إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين).

وإذا كان هذا هو ما حصل لكليم الله موسى عليه الصلاة والسلام في قتل خطأ لكافر من قوم فرعون الذين كانوا يستضعفون بني إسرائيل ويذبحون أبناءهم ويستحيون نسائهم، فكيف بمن يترصد لكافر معاهد، أعطي العهد والأمان من قبل الدولة المسلمة، ليدخلها سائحاً أو تاجراً، أو ليعمل فيها طبيباً أو مهندساً أو خبيراً في مؤسسة حكومية أو أهلية، ثم يقتله على حين غرة، ويتباهى بذلك ويزعم أنه يفعل ذلك نصرة للدين، وانتقاماً للمسلمين المستضعفين!! وهل هذا إلا عين الغدر والخيانة، وعنوان الخسة والنذالة، وغاية الظلم والجناية، وأعظم باب لتشويه صورة الإسلام، والتحريض على قتل المسلمين وإيذائهم في كل مكان، وبخاصة في بلاد الأقليات المسلمة التي تعيش بين ظهراني تلك الأمم الكافرة؟!

3ـ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل معاهداً  لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاماً" رواه البخاري.

4ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا من قتل نفساً معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر ذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً" روه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن صحيح.  

5ـ عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل معاهداً في غير كنهه [أي: في غير وقته الذي يجوز فيه قتله] حرم الله عليه الجنة" رواه أبو داود والنسائي وأحمد والدارمي والبيهقي، وفي رواية للنسائي: "من قتل نفساً معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها".

قال العلامة الشوكاني في "نيل الأوطار": "المعاهد: هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان، فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)[التوبة: 6].

وقوله: "لم يرح رائحة الجنة": بفتح الأول من يرح، وأصله راح الشيء أي: وجد ريحه، ولم يرحه أي: لم يجد ريحه، ورائحة الجنة: نسيمها الطيب. وهذا كناية عن عدم دخول من قتل معاهداً الجنة، لأنه إذا لم يشم نسيمها وهو يوجد من مسيرة أربعين عاماً لم يدخلها.

وقوله: "فقد أخفر ذمة الله" بالخاء والفاء والراء أي: نقض عهده وغدر. والحديثان اشتملا على تشديد الوعيد على قاتل المعاهد، لدلالتهما على تخليده في النار وعدم خروجه منها، وتحريم الجنة عليه، مع أنه قد وقع الخلاف بين أهل العلم في قاتل المسلم هل يخلد فيها أم يخرج عنها؟"

وقد أجمع العلماء قاطبة على تحريم الغدر، ووردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تنهى عن الغدر، وتتوعد فاعله بالخزي والعذاب الأليم.

وإذا كان هذا الوعيد الشديد في قتل آحاد المعاهدين والذميين والمستأمنين، فكيف بنسف بيوتهم وعماراتهم، وهدمها على رؤوسهم، وقتل من فيها من النساء والصبيان والشيوخ الذين لا يجوز تعمد قتلهم في حال الحرب المحتدمة بين المسلمين والكفار المحاربين؟ وقتلهم حرام بإجماع العلماء إلا لضرورة، فكيف بنساء المعصومين من الذميين والمعاهدين والمستأمنين وأطفالهم؟ وهل هذا إلا محادة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وغدر في العهود، ونقض للعقود، وارتكاب لجريمة من أكبر الجرائم، ومظلمة من أعظم المظالم؟! مع ما فيها من تشويه صورة الإسلام والمسلمين، والصد عن سبيل الله القويم، وتنفير الناس من الدخول في دينه الذي أنزله رحمة للعالمين.

 

كتبه

أ د. عبد العزيز بن فوزان بن صالح الفوزان

أستاذ الفقه المقارن وعضو مجلس هيئة حقوق الإنسان

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام