الخميس 01/08/1438 - الموافق 27/04/2017 آخر تحديث الساعة 10:13 ص مكة المكرمة 08:13 ص جرينتش  
خطب

السبيلُ إلى الوحدة الإسلامية للشيخ بن حميد

1438/02/14 الموافق 14/11/2016 - الساعة 02:55 م
|


الوحدة الإسلامية أحد أهم أسباب تقدم وارتقاء الأمة الإسلامية، والضعف كل الضعف في التشتت التشرذم، وفي هذا السياق ألقى فضيلة الخطيب: الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "السبيلُ إلى الوحدة الإسلامية"، والتي تحدَّث فيها عن الوحدة المنشُودة بين أهل الإسلام، داعِيًا عمومَ المُسلمين للائتِلاف والاعتِصام بكتاب الله وسُنَّة رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وإلا كان النزاعُ والفُرقةُ وتشتُّت المُسلمين وتشرذُمهم، مُحذِّرًا من التعصُّب لطائفةٍ أو جماعةٍ ما، مع إقراره بوقوع الاختِلافِ بين المُسلمين.

 

الخطبة الأولى

الحمدُ لله، الحمدُ لله زيَّن السماءَ الدنيا بالمصابِيح، وألهَمَ الملائكةَ المُقرَّبين التسبيح، لا إله إلا هو شهِدَت بوحدانيَّته شواهِدُ المخلُوقات، وسبَّحَت بحمدِه الخلائِقُ بمُختلف اللغات، أحمدُه - سبحانه - وأشكُرُه على نعمِه المُتكاثِرة، وآلائِه المُتتابِعات.

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربُّ الأرض والسماوات، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، أرجَحُ الخلق ميزانًا، وأوضَحُها بيانًا، وأعلاها مقامًا، وأوفاها ذِمامًا، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِه وأصحابِه نصَحُوا الخليقَة، وبيَّنُوا الطريقةَ، ونشرُوا الإسلام/ رضِيَ الله عنهم وأرضاهم فهم الآلُ السادة، والصحبُ الكرام، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلَّم كثيرَ السلام.

أما بعد:

فأُوصِيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوَى الله، فاتَّقُوا الله - رحمَكم الله -.

كيف يتلذَّذُ بالرُّقاد من ملَكُ الموت أقرَبُ إليه من الوِساد؟! فليتنبَّهِ الغافل .. وليستيقِظ النائِم .. هل صُمَّت الآذانُ عن المواعِظ؟! وهل ذهلَت القلوبُ عن الاعتِبار؟!

يا عبدَ الله! إذا زلَلتَ فارجِع .. وإذا ندِمتَ فأقلِع .. وإذا غضِبتَ فأمسِك. من حلُم غنِم .. ومن خافَ سلِم، لا تجعل من نفسِك معبرًا للشائِعات، ولا ممرًّا للغِيبة، فعدوُّك من بلَّغَك لا من قال فيك، ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 42، 43].

معاشر المسلمين:

يا أمةَ محمدٍ! بعَون الله وتوفيقِه، ثم بإراداتٍ واثِقة، وأيدٍ ممدُودة من أجل مُصالحاتٍ رَحبة، تتخلَّصُ الأمةُ من هذه الخُصومات الجَوفاء، والأحقَاد العَميَاء، في إحسانٍ مُتبادَل، مُستهدِفةً نُصرةَ دين الله، وكرامةَ الأمة، ومصالِح الشُّعوب. في جِدٍّ ومسؤولية، وقلوبٍ مُمتلئةٍ إخلاصًا وصِدقًا، ومودَّةً وحبًّا، وصفاءً وشجاعة.

في توجُّهٍ مُخلِصٍ لاجتماعِ الكلمة، من أجل انتِشال الأمة من أوحال الفُرقة، وإنقاذِها من الأزمات المُفتعَلة. توجُّهٌ مُخلِصٌ يلُمُّ الشملَ، ويرأَبُ الصدعَ، لتعودَ الأمةُ إلى وحدتها وقوتها، وتسيرَ على صراط الله المُستقيم، ودين الإسلام القَويم.

معاشر المسلمين:

إن تحقيقَ الوحدة يسيرٌ - بإذن الله -، فأسبابُ الاجتِماع - بعَون الله - مُتوافِرة، وإزالةُ الموانِع - بتوفيقِ الله - مُتيسِّرة، وبخاصَّةٍ في هذا الظَّرف الذي تكشَّف فيه مكرُ الأعداء، ووضحَت فيه توجُّهاتُهم وتوظيفُهم لخلافاتِ الأمة، والنفخُ فيها، وتوسيعُ الهُوَّة والفُرقة والتناحُر، حتى أسالُوا الدماءَ، وفرَّقُوا الديار، ومزَّقُوا المُجتمعات.

يا أمةَ محمدٍ! إن الذي يظنُّ أن الأعداءَ يُريدون نصرَ طرفٍ على طرفٍ من المُتقاتِلين من المُسلمين، أو مصلحةِ فرقةٍ ضدَّ فرقةٍ، فعليه مُراجعةُ فقهِه في الدين، ورأيِه في السياسَة، وموقفِه من الأعداء.

والله الذي لا إله إلا هو؛ إن أهلَ الإسلام كلَّهم مُستهدَفُون، ولا يُستثنَى من ذلك أحد، يقول الله تعالى - وقولُه الحقُّ -: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217]، ويقولُ - عزَّ شأنُه -: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109].

وفي قولِه - عزَّ شأنُه -: ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ ما يُفيدُ استِمرارَ العدوِّ، وسعيَه الحثيث وإصرارَه على التجزِئات المذهبيَّة، والتمزيقِ الطائفيِّ.

ووالله ثم والله لن يُبقُوا على أحدٍ، إنهم يضرِبُون الأمةَ بعضَها ببعضٍ. فلا يظنُّ هذا الذي سكَتَ عنهم أو سكَتُوا عنه، أو مدُّوه ببعضِ المدَد أن الأعداءَ سيترُكونهم، إنهم يُوقِدون النارَ والفتنَ بين أهل الإسلام، ويُحرِّضُونَهم بعضَهم على بعضٍ، من أجل تحقيق مصالِحهم وحدَهم.

إنهم مُتَّفقُون على باطلِهم، فلماذا يتنازَعُ أهلُ الإسلام على حقِّهم؟!

يا أمةَ محمدٍ! لقد ترَكَنا نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - على محجَّةٍ بيضاء، ليلُها كنهارِها، وترَكَ فينا مع إن تمسَّكنا به لن نضِلَّ بعدَه: كتابَ الله وسُنَّته - عليه الصلاة والسلام -.

وفي التنزيل العزيز: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، ويقول: - جلَّ وعلا -: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، ويقول - عزَّ من قائل -: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: 52].

نعم، لقد قال: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ولم يقُل: أمةً مُتوحِّدة، مما يدلُّ على أن الأصل في أهل الإسلام أنهم بهذا الدين أمةً واحدةً، ولم يكونوا مُتفرِّقين ثم توحَّدُوا.

يقول - عزَّ شأنُه -: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: 78].

الدينُ واحد، والكتابُ واحد، والقبلةُ واحدة، والدارُ واحدة، والمصيرُ واحد، والمُسلمون تُحيطُ بهم معيَّةُ الله وعنايتُه، إذا اجتمعُوا على ما أمرَهم به من توحيدِه وحُسن عبادته، وكانوا يدًا واحدةً على من سِواهم، وكنَفُ الله ووقايتُه تحفظُهم من الأذى والخوف والاضطراب.

فإذا تفرَّقُوا زالَت السَّكينةُ، وأوقعَ الله بأسَهم بينهم، وفسدَت أحوالُهم، ولن تكون خيرَ الأُمم في دُنياها وآخرتها، وعاجلِ أمرها وآجلِه إلا حينما تجعلُ كتابَ الله أمامها وإمامها وقائِدَها، وتجعلُ سُنَّةَ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - نورَها وهُداها، حينئذٍ يعلُو شأنُها، ويرتفعُ قدرُها، وتُحفظُ بيضتُها.

الكتابُ والسنَّةُ أصلان ثابتان محفُوظان، لا عُدولَ عنهما، ولا هديَ إلا منهما وبهما، والعصمةُ والنجاةُ لمن تمسَّك بهما، واعتصمَ بحبلِهما. وهما البُرهانُ الواضِح، والفُرقانُ اللائِح بين المُحقِّ إذا اقتفاهما، والمُبطِل إذا جفاهما.

والطاعةُ والجماعةُ هي حبلُ الله الذي أمرَ بالاعتِصام به، كما يقولُ ابنُ مسعودٍ - رضي الله عنه -.

يا أمةَ محمدٍ! المُسلمون تجمعُهم وحدةُ العقيدة، ووحدةُ الشعائِر والمشاعِر، في عباداتِهم وأخلاقهم وتعاليمهم، وتحكيم الشرع فيهم توحيدًا، وصلاةً، وصيامًا، وزكاةً، وحجًّا، وجهادًا، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المُنكر، وآدابًا ووصايا.

وحدةٌ إسلاميةٌ تصغُرُ أمامها الأحقاد والثارات، والأطماعُ والرايات، والعُنصريات والمذهبيَّات، ويجتمعُ الجميعُ تحت لواء: "لا إله إلا الله، محمدٌ رسولُ الله"، الله أكبر، والعزَّةُ لله ولرسولِه وللمُؤمنين.

وحدةٌ دينيَّةٌ ثقافيَّةٌ اجتماعيَّةٌ، تجتمعُ على حبِّ هذا الدين والتمسُّك به، وإعزازه، ورفع منار الإسلام.

يا أمةَ محمدٍ! التعامُلُ الحقُّ مع أهل القِبلة هو السبيلُ الوحيدُ لوحدة الأمة، تعاملٌ يقوم على قواعِد الشريعة وأصولها المُستمدَّة من نُصوص الوحيَين، ونهج السلَف الصالِح.

يسَعُ أهلَ القِبلة ما وسِعَ السابِقين الأولين من المُهاجرين والأنصار وسائر الصحابة الأخيار - رضي الله عنهم أجمعين -، ومن كان على مثلِ ما عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه - رضوانُ الله عليهم -، على ما بينهم من منازل ومقاماتٍ مُتفاوِتات، يشملُهم جميعًا الاصطِفاءُ المدلُولُ عليه بقولِه - عزَّ شأنُه -: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32].

أمةٌ مرحُومةٌ يحمِلُ بعضُها بعضًا، ويجبُر بعضُهم كسرَ بعضٍ، يدخُلون الجنةَ - بفضلِ الله ورحمته - من أبوابِها كلِّها؛ فمنهم من يدخلُ من بابٍ واحدٍ، ومنهم من يدخلُ من أبوابٍ، ومنهم من يدخلُ من الأبواب كلِّها.

ولئن تنوَّعت منازِلُهم ومقاماتهم، فإنهم مُتَّحِدون في منهَجهم ومقصِدهم، منهم المُجاهِدون، ومنهم العلماءُ والدعاة، ومنهم الولاةُ المُصلِحون، ومنهم الآمِرون بالمعروف والناهُون عن المُنكر، ومنهم العامَّةُ المُستقيمُون على طاعةِ الله ورسولِه، يُؤدُّون حقوقَ الأمة كما أمرَ بها الشرعُ، ومن ثبتَ له اسمُ الإسلام والإيمان ثبتَت له الحقوقُ، ولا تسقُطُ إلا بيقينٍ.

ولقد سمَّى الله الطائفتَين المُتقاتلتَين مُؤمنين وإخوانًا، فقال - عزَّ شأنُه -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10].

من صلَّى صلاتَهم، واستقبَلَ قبلتَهم، وأكلَ ذبيحَتَهم، فهو منهم، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وحسابُه على الله، وسريرتُه إلى مولاها، فلا شقَّ عن القلوب، ولا إساءةَ بالظنُون، ولا غِلَّ على مؤمنٍ، ولا تفريقَ بين المُسلمين بالألقاب ولو كانت أشرفَ الألقاب من المُهاجِرين والأنصار. وهذه الألقاب وأمثالُها للتأليف والتعريف، لا للتنافُر والتفريق.

أقوِياءُ في الحقِّ وبالحقِّ من غير غلُوٍّ، ورُحماءُ بالخلق وللخلق من غير جَورٍ، لا يبخَسُون الناسَ أشياءَهم، يختارُون أيسرَ الأمرَين، ويدفَعُون أشدَّ الضرَرَين، هم أهلُ العدل والإنصاف في صديقِهم وعدوِّهم، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: 15]، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

يدعُون إلى الله بالحكمة، وينصَحُون بالشَّفقَة، ويتَّبِعون مُقتضَى الشرع، ليس بالتشفِّي ولا الانتِقام، يفرَحُون بتوبةِ التائِب، ويقبَلُون عُذرَ المُعتذِر، ويدعُون للمُقصِّر، لا يفرَحون بالزلَّة، يستُرون العيوبَ، ولا يتتبَّعُون العورات، ولا يذكُرون الأخطاءَ إلا على سبيلِ الترجيح والتصحيح، وليس للثَّلب والتجريح.

والبدعُ كسائرِ الذنوبِ فيها الصغيرُ والكبيرُ، والصريحُ والمُشتبِه، والسلامةُ غنيمة، والسالِمُ قليل.

أما المُخالفةُ بالتأويل، والوقوعُ في الخطأ والجهل، فيحصُلُ من أكثر الخلقِ، والمُوفَّقُ من وفَّقه الله، والله يُؤيِّدُ هذا الدينَ بالرجلِ الفاجِر، وبأقوامٍ لا خلاقَ لهم. والجهادُ مع كل برٍّ وفاجِرٍ، جهادٌ بالسيف، وجهادٌ بالقلم، وجهادٌ باللسان، والمقصود: النِّكايةُ بالعدوِّ.

لا شِعارَ يُرفع إلا شِعارُ الإسلام، وذِمَّةُ المُسلمين واحدة يسعَى بها أدناهم، وهم يدٌ على من سِواهم.

أمة الإسلام:

إن الشعوبَ الإسلامية برغم ما يبذُلُه الأعداءُ والمُتسلِّطة من مُحاولات التفريقِ والتشريدِ، والنَّهب والسَّلب، وجهود التغريبِ والاستِلاب، فإنها تُؤمنُ إيمانًا يقينيًّا بوحدة أمَّتها، والاجتِماع على دينِها، وتتطلَّعُ إليها، ومُصرَّةٌ عليها مهما شكَّك المُشكِّكُون، وخذَّلَ المُخذِّلُون، وحاولَ المُنافِقون ومرضَى القلوب والمُستغرِبُون.

وهم يُؤمنون بأن هذه الوحدة المنشُودة لا تتحقَّقُ بالشِّعارات والأُمنيات، ومُجرَّد الدعوات والادِّعاءات، وإنما تكون بإيمانِ الجميع إيمانًا لا يدخلُه شكٌّ بأن وحدة الأمة هي رُكنُ الإسلام وحفظُ بيضَته، وحفظُ أهله، ولا يُمكنُ أن تتحقَّق أهدافُ الأمة وغاياتُها وأمنُها وعلوُّ شأنها، وحفظُ حُرمتها وديارها إلا بهذه الوحدة.

ولا جهادَ على الحقيقة، ولا كسرَ لشوكةِ الباطلِ، ولا إعلاءَ لكلمةِ الله إلا بالوحدة واجتِماع كلمة المُسلمين، ولا تستحقُّ نصرَ الله وعونَه وتأييده وتسديدَه إلا بها، وإيثارها وبذل الغالي والنَّفيس لتحقيقها، والحفاظ عليها.

أمة الإسلام:

بمنهج السماحَة النبوية، الحزم والعزم، والرِّفق والعفو، تأتلِفُ القلوبُ المُتناحِرة، وتتقارَبُ النفوسُ المُتباعِدة، والله هو المُؤلِّفُ بين القلوبِ.

وبعد .. يا أمةَ محمدٍ:

فإذا تحقَّق الإخلاصُ، والسمعُ والطاعةُ، ولُزومُ الجماعة، وحُسن النصيحة، حينئذٍ لا يقوَى على قلوبِ أهل الإسلام مرضٌ ولا نفاقٌ؛ لأن إخلاصَ العمل لله، وُناصحةَ ولاة الأمور، ولُزوم جماعة المُسلمين هي التي تجمعُ أصولَ الدين، وقواعدَ الائتِلاف، وتجمعُ حقوقَ الله وحقوقَ عبادِه، وتنتظِمُ بها مصالِحُ الدنيا والآخرة.

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 62، 63].

نفَعَني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهَديِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقولُ قولِي هذا، وأستغفِرُ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخَطيئةٍ، فاستغفِرُوه، إنه هو الغفورُ الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ لله، الحمدُ لله أجزَلُ من أثاب، وأكرمُ من أجاب، يجتَبِي إليه من يشاء، ويهدِي إليه من أناب، أحمدُه - سبحانه - وأشكُرُه أفاضَ علينا من النِّعم بلا حساب، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له شهادةَ عبدٍ مُخلصٍ توابٍ، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه فرضَ الفرائِضَ، وسنَّ الآداب، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى الآل والأصحاب، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم المآب.

معاشر المسلمين:

ما أنتجَ الذلَّ والمهانةَ إلا الفُرقةُ والتحزُّبُ والتعصُّبُ، وهو الذي أطمعَ في الأمة أعداءَها، ومكَّن من رقابِها، وهوَّن أمرَها، وجعلَهم حُجَّةً على الإسلام ومبادِئه.

والفتنُ تُقطِّعُ الأوصال، وتُورِثُ الإحَن، لا تُقيمُ حقًّا، ولا تُزيلُ باطلاً، والفوضَى هي البابُ إلى الظلم والتظالُم. الفوضَى تُورِثُ الفُرقة، والفُرقةُ تُؤدِّي إلى الهلَكة والفناء، والوحدة ائتِلافٌ واجتماعٌ، وكلُّ ما يُنافِي الائتِلاف، ويُضادُّ الاجتِماع، ويُورِثُ النُّفور فهو الطريقُ إلى الفُرقة والتشتُّت والتشرذُم.

أمة الإسلام:

لا يُنكَرُ وجودُ المذاهب والطوائِف؛ بل لا يُتصوَّرُ أن ينفَكَّ الناسُ عن الاختِلاف مُسلمين وغير مُسلمين، ولكن الذي يُنكَر هو العصبيَّةُ المُفرِّقة، والهوَى المُهلِك.

وقد سألَ أُبَيُّ بن كعبٍ - رضي الله عنه - رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أمِنَ العصبيَّة أن يُحبَّ الرجلُ قومَه؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: «لا، ولكن من العصبيَّة أن ينصُر قومَه على الظُّلم».

ألا فاتَّقُوا الله - يا أمةَ محمدٍ -، واعلَمُوا أن الأعداءَ يكِيدُون لأهل الإسلام شرَّ الكَيد، ولا نجاةَ - بعَون الله وتوفيقِه - إلا بالوقوفِ صفًّا واحدًا، فهذا هو الجهادُ الأكبرُ، والبُعد عن الخُضوع أو الرُّكون إلى الذين ظلَمُوا.

وأعظمُ العُدَّة - بعد تقوَى الله -: اجتِماعُ الكلمة، ووحدةُ الصفِّ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].

هذا وصلُّوا وسلِّمُوا على الرحمةِ المهداة، والنعمةِ المُسداة: نبيِّكُم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد أمرَكم بذلك ربُّكم في مُحكَم تنزيلِه، فقالَ - وهو الصادقُ في قِيلِه - قولاً كريمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك: نبيِّنا محمدٍ الحبيبِ المُصطَفى، والنبيِّ المُجتَبَى، وعلى آله الطيبين الطاهِرِين، وعلى أزواجِه أمهاتِ المؤمنين.

وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الأربعةِ الراشدين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِك وجُودِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمُشركين، واخذُل الطغاةَ، والملاحِدَة، وسائرَ أعداءِ المِلَّة والدين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتَنا وولاةَ أمُورِنا، واجعَل اللهم ولايتَنَا فيمن خافَك واتَّقاك واتَّبَع رِضاكَ يا رب العالمين.

اللهم وفِّق إمامَنا وولِيَّ أمرنا بتوفيقِك، وأعِزَّه بطاعتِك، وأَعلِ به كلمَتَك، واجعَله نُصرةً للإسلامِ والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحة والعافِية، ووفِّقه ونائبَيه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وتَرضَى، وخُذ بنواصِيهم للبِرِّ والتقوَى.

اللهم وفِّق ولاةَ أمورِ المسلمين للعملِ بكتابِك، وبسنَّةِ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعَلهم رحمةً لعبادِك المؤمنين، واجمَع كلمتَهم على الحقِّ والهُدَى يا رب العالمين.

اللهم من أرادَنا وأرادَ دينَنا وديارَنا وأمَّتنا وأمنَنا وولاةَ أمْرنا وعلماءَنا وأهلَ الفضل والصلاح والاحتِساب منَّا ورجالَ أمننا وقوَّاتنا ووحدتَنا واجتماعَ كلمتِنا بسوءٍ، اللهم فأشغِله بنفسِه، واجعَل كيدَه في نحرِه، واجعَل تدبيرَه تدميرًا عليه يا رب العالمين.

اللهم انصُر جنودنا المُرابِطين على حدودنا، اللهم انصُر جنودنا المُرابِطين على حدودنا، اللهم سدِّد رأيَهم، وصوِّب رميَهم، وشُدَّ أزرَهم، وقوِّ عزائِمَهم، وثبِّت أقدامَهم، واربِط على قلوبِهم، وانصُرهم على من بغَى عليهم، اللهم أيِّدهم بتأييدك، وانصُرهم بنصرك، اللهم احفَظهم من بين أيديهم، ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، ومن فوقهم، ونعوذُ بك اللهم أن يُغتالُوا من تحتهم، اللهم ارحَم شُهداءَهم، واشفِ جرحَاهم، واحفَظهم في أهلهم وذريَّاتهم، إنك سميعُ الدعاء.

اللهم يا وليَّ المؤمنين، اللهم يا وليَّ المؤمنين، وناصر المستضعفين، ويا غِياث المُستغيثين، يا عظيمَ الرجاء، ويا مُجيرَ الضعفاء، اللهم إن لنا إخوانًا مُستضعَفين مظلُومين في فلسطين، وفي بُورما، وفي أفريقيا الوُسطى، وفي ليبيا، وفي العِراق، وفي اليمن، وفي سُوريا، ونخُصُّ أهلَنا في حلَب وفي المُوصِل، قد مسَّهم الضُّرُّ، وحلَّ بهم الكَربُ، واشتدَّ عليهم الأمرُ، تعرَّضُوا للظلم والطغيان، والتشريدِ والحِصار، سُفِكَت دماؤُهم، وقُتِّلَ أبرياؤُهم، ورُمِّلت نساؤُهم، ويُتِّمَ أطفالهُم، وهُدِّمَت مساكنُهم ومرافِقُهم.

اللهم يا ناصر المستضعفين، ويا مُنجِيَ المؤمنين! انتصِر لهم، وتولَّ أمرَهم، واكْشِف كربَهم، وارفع ضُرَّهم، وعجِّل فرَجَهم، وألِّف بين قلوبهم، واجمَع كلمتَهم، اللهم مُدَّهم بمَدَدِك، وأيِّدهم بجُندِك، وانصُرهم بنصرِك.

اللهم إنا نسألُك لهم نصرًا مُؤزَّرًا، وفرَجًا ورحمةً وثباتًا، اللهم سدِّد رأيهم، وصوِّب رميَهم، وقوِّ عزائِمَهم.

اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين ومن شايَعَهم، ومن أعانَهم، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، ومزِّقهم كلَّ مُمزَّق، اللهم واجعَل تدميرَهم في تدبيرهم يا رب العالمين.

اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين، فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم وأنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا ندرَأُ بك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.

اللهم إنا نستغفرُك إنك كنت غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا، واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتِك، وبلاغًا لنا إلى حين.

اللهم غيثًا مُغيثًا، غدَقًا سحًّا مُجلِّلاً، تُحيِي به العباد، وتسقِي به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضر والباد.

اللهم إنا خلقٌ من خلقِك، فلا تمنَع عنا بذنوبِنا فضلَك. ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85].

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].

سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عما يصِفُون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله رب العالمين.

 

ــــــــــــــــــــ

المصدر: بوابة الحرمين الشريفين

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام