الجمعة 30/08/1438 - الموافق 26/05/2017 آخر تحديث الساعة 10:01 م مكة المكرمة 08:01 م جرينتش  
دعوة

الإنصافُ فيما قيل في المولد من الغلوِّ والإجحاف

1438/03/11 الموافق 10/12/2016 - الساعة 04:05 م
|


الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.

أمّا بعدُ، فقد تهيَّبتُ الكتابة عن (المولد النَّبويّ)، احتراماً للجناب المحمّدي الشَّريف، بيد أنَّ هذا التّلاعنَ والتّباغضَ بين المسلمين، بسبب (المولد النّبويّ)، يُوجبُ على أهل العلم، أن يُبيِّنوا الحقَّ في هذه المسألة الخطيرة، فلذا وجدتُ نفسي مضطرّاً لوضع هذا الكتاب، الذي آملُ أن يُسهم في وضع حدٍّ لهذه الفتنة، التي يشتدُّ أوارُها كلَّ عام.

وفي البدء أسوقُ مقدّمةً مهمّة، يتّضح بها طريقُ الحُكم في هذا الخلافِ، بين هاتين الطّائفتينِ من المسلمين، فمن المعلوم من الدّين بالضرورة، أنّه لا سبيل لسعادة المسلمين، في الدّنيا والآخرة، إلا باتّباع الوحي الإلهيِّ، الَّذي تضمّنته نصوص الكتاب والسُّنّة، وقد ندّد القرآن الكريم، بكلّ شرعٍ غيرِ شرع الله، فقال تعالى: {شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 21] كما أعلنها الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم داويةً، أنّه «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ»[1]، أي مردودٌ على صاحبه، لا يُقبل منه ولا يُثاب عليه.

وبناءً على هذا فكلُّ عملٍ يُراد به التقرُّب إلى الله تعالى، ينبغي أن يكون أولاً ممَّا شرعه الله تعالى في  الكتاب والسنة، وأن يكون موافقاً ثانياً لما أداه عليه رسول صلى الله عليه وسلم، مراعىً فيه كمِّيَّته أي عدده بحيث لا يزيد عليه ولا ينقص منه، وكيفيته بحيث لا يقدم فيه بعض أجزائه ولا يؤخر. وزمانه بحيث لا يفعله في غير الوقت المحدد له. ومكانه فلا يؤديه في غير المكان الذي عينه الشارع له. وأن يريد به فاعله طاعة الله تعالى بامتثال أمره. فإن فقد العمل واحدة من هذه الاعتبارات، فإنه يبطل، ومتى بطل العمل فإنه لا يؤثر في النفس بالتزكية والتطهير، بل قد يؤثر فيها بالتدسيّة والتنجيس، فالصلاة مثلاً مشروعة بالكتاب وبالسنة، فهل يكفى العبد أن يُصلِّيها كيف شاء ومتى شاء، وفي أي زمان أو مكان شاء؟ والجواب طبعاً لا، وكذلك ذكرُ الله تعالى، مع مشروعيته وكونه من أزكى الأعمال وأشرفها، قد داخله الابتداعُ عند كثير من الناس فأفسده عليهم، وحرمهم ثمرته من تزكية النفس وصفاء الروح، فبعضُهم يذكر بألفاظ غير مشروعة مثل الذّكر بالاسم المفرد: الله، الله، الله، أو بضمير الغيبة المذكر: هو، هو، هو، وبعضهم يذكر بنداء الله تعالى عشرات المرات ولا يسأل فيقول: يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف، وبعضهم يذكر الله مع آلات الطرب، وبعضهم يذكره بلفظٍ مشروع بنحو الهيللة (قول لا إله إلا الله) ولكن في جماعةٍ، بصوتٍ واحد مما لم يفعله الشارع، ولم يأمر به أو يأذن فيه.

وهنا يجمل بنا أن نميز بين السُّنّة والبدعة، فما هي السُّنَّة إذن؟

السنَّة لغةً هي الطريقة المتَّبعة، والجمع سنن. وشرعاً هي ما شرعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بإذن الله تعالى لأمَّته من طرُق البرِّ وسبل الخير، وما انتدبها إليه من الآداب والفضائل، وبعض السّنن واجب، وبعضها مستحبٌّ، يُثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.

 أما البدعة فإنها نقيض السنة، مشتقة من ابتدع الشيء إذا أوجده على غير مثال سابق. وهي في عرف الشرع: كل ما لم يشرعه الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من معتقد أو قول أو فعل.

مثال البدعة الاعتقادية: اعتقادُ كثير من المسلمين أنّ للصالحين ديواناً أشبه بحكومة سرية في العالم عنه يصدر التَّولية والعزل، والإعطاء والمنع، والضُّر والنفع، وأهله هم الأقطاب، والأبدال، وكم سمعنا من يستغيث بهم قائلاً: يا رجال الديوان! ويا أهل التصريف من حر ووصيف. .
واعتقادُ أن أرواح الأولياء على أفنية قبورهم، تشفع لمن زارهم وتقضى حاجاته، ولذا نقلوا إليهم مرضاهم للاستشفاع بهم. وقالوا: من أعيته الأمور فعليه بأصحاب القبور.

واعتقاد أن الأولياء يعلمون الغيب، ينظرون في اللوح المحفوظ، ويتصرفون بنوع من التصرف، سواء كانوا أحياء أو أمواتاً.

ومثال البدعة القولية: سؤال الله تعالى بجاه فلان، وبحق فلان مما جرى عليه الناس، حتى عدوه من أشرف الوسائل، وأطلقوا عليه اسم الوسيلة. ومثاله الاجتماع على المدائح والقصائد الشعرية والضرب على الطار والعود، أو الدف والمزمار.

ومثال البدعة الفعلية: البناء على القبور، وخاصة قبور من يعتقدون صلاحهم، وشدُّ الرِّحال إلى زيارتها والعكوف عليها، وذبح الغنم والبقر عندها وإطعام الطعام حولها. ومثاله خروج بعض الناس من المسجد الحرام القهقرى، وكذا من المسجد النّبويّ حتى لا يستدبر البيت العتيق أو القبر النبوي عند خروجه.

وينبغي أن نقف عند معلمٍ بارزٍ، ينتصب عند قول الرّسول صلى الله عليه وسلم: «كلُّ بدعة ضلالة، وكلُّ ضلالة في النَّار»، فرغم هذا التوكيد، انخدع بعضُ أهل العلم، فميّزوا بين بدعةٍ حسنة وبدعةٍ سيّئة، فقال: "إنَّ البدعة تجري عليها الأحكامُ الشَّرعيَّة الخمسة، من الوجوب والنَّدب والإباحة والكراهة والحرام، وقد تفطَّن الإمام الشاطبي مبكراً إلى هذا الخداع، وقال: "إنَّ تقسيم البدعة إلى حسنةٍ وسيِّئة، وإجراء الأحكام الخمسة عليها، هذا التقسيم أمرٌ مخترع، لا يدل عليه دليلٌ شرعي، بل هو في نفسه متدافع، لأنَّ من حقيقة البدعة أن لا يدلَّ عليها دليلٌ شرعيٌّ، لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدلُّ من الشَّرع على وجوبٍ أو ندبٍ أو إباحةٍ، لما كان ثَمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها، أو الْمُخَيَّرِ فيها. فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعاً. وبين كون الأدلَّة تدلُّ على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متناقضين"[2]، فكيف تكون البدعة حسنةً، والرّسول صلى الله عليه وسلم يقول إنّها ضلالة؟!

الاشتباه بين المصالح المرسلة والبدع المحدثة، هو سبب ذلك الانخداع، فينبغي إزالة هذا الاشتباه، وذلك أنّ المصالحَ المرسلة جمعُ مصلحة، وهي ما جلبت خيراً، أو دفعت ضيراً، ولم يوجد في الشَّريعة ما يدلّ على ثبوتها أو نفيها، وهذا معنى "مُرسلة " أي لم تُقيَّد في الشَّريعة باعتبارٍ أو إلغاء، فالمصالح المرسلة داخلةٌ في مقاصد الشرع، أي قائمةٌ على أساس جلب المنافع ودرء المفاسد. ومثال المصلحة المرسلة الضروريّة: جمع القرآن العظيم على عهد كلٍّ من أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، لأنّ حفظ القرآن واجبٌ على كلِّ مسلم، وإن لم يشهد له الشرع باعتبارٍ ولا إلغاء، وإنما هو من مقاصده العامة. ومثالُ المصالح المرسلة الحاجيّة: اتّخاذ المحاريب في قبلة المسجد لتمييزها عن بقية الاتجاهات، ومثل هذا زيادة عثمان الأذان الأول لصلاة الجمعة، لما عظمت المدينة، ليُنبّه الناس وهم في غفلة البيع والشراء. ومن المصلحة المرسلة كذلك: قراءة القرآن الجماعية في الكتاتيب من أجل حفظ القرآن. وخلاصة القول: إن المصالح المرسلة لا تُراد ولا تُقصد لذاتها، ولكن وسيلة لحفظ واجب أو أدائه، أو درء مفسدة، أو تجنبها أما البدع فإنها تشريع يضاهى به شرعُ الله، ومقصودٌ لذاته، لا وسيلة لغيره من جلب نفعٍ أو دفع ضر، فالتّشريع المقصود لذاته هو من حق الله تعالى وحده.

[الموالد عامة وحكم الإسلام عليها]

كلمة مولد لا تَطَّرِدُ في كل البلاد الإسلامية إذ إنّ أهل بلاد المغرب الأقصى (مراكش) يسمونها بالمواسم فيقال: موسم مولاي إدريس مثلا، وأهل المغرب الأوسط  الجزائر " يسمونها بالزرد جمع زردة فيقال زردة سيدي أبي الحسن الشاذلي مثلا، وأهل مصر والشرق الأوسط عامة يسمونها الموالد فيقولون مولد السيدة زينب، أو مولد السيد البدوي مثلا، وسماها أهل المغرب بالمواسم لأنهم يفعلونها موسميا أي في العام مرة. وسماها أهل الجزائر بالزردة باعتبار ما يقع فيها من ازدراد الأطعمة التي تُطبخ على الذبائح التي تذبح للولي، أو عليه بحسب نيات المتقرِّبين، وسماها من سماها بالحضرة إما لحضور روح الولي فيها ولو بالعناية والبركة، أو لحضور المحتفلين لها وقيامهم عليها.

هذا بالنسبة إلى مجرد التسمية، أما بالنسبة إلى ما يجري فيها من أعمال فإنها تختلف كيفاً وكمَّاً، بحسب وعي أهل الإقليم، وفقرهم وغناهم، والقاسم المشترك بينهم فيها ما يلي:

1 - ذبح النُّذور والقرابين للسيد أو الولي المقام له الموسم أو الزَّردة أو المولد أو الحضرة.

2 - اختلاط الرجال الأجانب والنِّساء الأجنبيَّات.

3 - الشطح والرّقص.

4 – استغلال التجار فرصة التجمع، لإقامة الأسواق للبيع والشراء.

5 - دعاء الولي أو السيد، والاستغاثة به، والاستشفاع، وطلب المدد وكل ما تعذر الحصول عليه من رغائب وحاجاتٍ، وهو شرك أكبر والعياذ بالله.

6 - قد يحصل شيء من الفجور وشرب الخمور، ولكن لا يطرد هذا لا في كل البلاد ولا في كل الموالد.
7 - مساعدة الحكومات على إقامة هذه المواسم بنوع من التسهيلات.

فهل هذه الموالد عرفها رسول الله وأصحابه والتابعون لهم بإحسان؟ وما لم يكن على عهد رسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه دينا فهل يكون اليوم دينا؟

سئل مالك رحمه الله تعالى عمَّا يترخَّص فيه بعض أهل المدينة من الغناء، فقال للسائل: هل الغناء حقٌّ؟ قال: لا، قال: إذاً فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال. فهذه الموالد على اختلافها ما فيها من حق البتة.

أصبح المولد النبوي الشريف، عبارةً عن اجتماعاتٍ في المساجد أو في بيوت الموسرين من المسلمين، يبتدئ غالباً من هلال ربيع الأول إلى الثاني عشر منه، يتلى فيها جانب من السيرة النبوية كالنسب الشريف وقصة المولد، وبعض الشمائل المحمدية الطاهرة الْخَلْقِيَّة منها وَالْخُلُقِيَّة، مع جعل اليوم الثاني عشر من شهر ربيع يوم عيدٍ يُوسََّع فيه على العيال، وتُعطل فيه المدارس والكتاتيب، ويلعب فيه الأطفال.

هكذا كنا نعرف المولد ببلاد المغرب، حتى إذا جئنا بلاد المشرق وجدنا المولد فيها عبارةً عن اجتماعاتٍ في بيوت الأغنياء والموسرين، تُعقد تحت شعار ذكرى المولد النبوي الشريف، وليس خاصا عندهم بشهر ربيع الأول، ولا باليوم الثاني عشر منه، بل يُقيمونه عند وجود أيَّة مناسبة. وكيفيته: أن تذبح الذبائح وتعد الأطعمة ويدعى الأقارب والأصدقاء وقليل من الفقراء، ثم يجلس الكل للاستماع فيتقدم شاب حسن الصَّوت فينشد الأشعار ويترنَّم بالمدائح وهم يردِّدون معه بعض الصَّلوات، ثم يقرأ قصة المولد حتى إذ بلغ: وولدته آمنة مختوناً. قام الجميعُ إجلالاً وتعظيماً، ووقفوا دقائق في إجلال وإكبار، تخيُّلاً منهم وضع آمنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يؤتَى بالمجامر وطيب البخور فيتطيَّب الكلُّ، ثم تُدار كؤوس المشروبات الحلال، فيشربون ثم تُقدم قصاعُ الطعام فيأكلون وينصرفون، وهم معتقدون أنهم قد تقرَّبوا إلى الله تعالى بأعظم قربة. ومما يجدر التَّنبيه إليه هنا: أن جُلَّ القصائد والمدائح التي يُتَغَنَّى بها في المولد، لا يخلو من ألفاظ الشّرك وعبارات الغلوِّ الذي نهى عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تُطروني كما أطرت النَّصارى عيسى بن مريم، وإنما أنا عبدُ الله ورسوله، فقولوا عبد الله ورسوله»[3]، كما يُختم الحفل بدعواتٍ تحمل ألفاظ التوسُّلات المنكرة، والكلمات الشِّركيّة المحرمة، لأنَّ جلَّ الحاضرين عوامٌّ أو غلاةٌ في حبِّ التَّوسُّلات الباطلة التي نهى عنها العلماءُ، كالسؤال بجاه فلان وحق فلان والعياذ بالله تعالى,

هذا هو المولد في عرف النَّاس اليوم، ومنذ ابتداعه على عهد الملك المظفَّر سنة ستمائة وخمسة وعشرين من الهجرة النَّبوية، فكيف يكون إذاً ديناً؟ وإنما هو بدعة ضلالة، وقال مالك لتلميذه الإمام الشافعي، أو لابن الماجشون: إن كل ما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ديناً، لم يكن اليومُ ديناً. وقال: من ابتدع في الإسلام بدعةً فرآها حسنة فقد زعم أنَّ محمدا صلى الله عليه وسلم قد خان الرِّسالة، وذلك لأن الله تعالى قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

ثم إننا لو سلَّمنا جدلاً أنَّ المولد قربةٌ من القرب، فإنا نقول: من شرع هذه العبادة آلله أم الرسول صلى الله عليه وسلم؟

وشيء آخر: إنّ العبادة لها حيثيات أربع، وهي كميتها وكيفيتها وزمانها ومكانها، فمن يقدر على إيجاد هذه الحيثيات وتحديدها وتعيينها؟

المولد النبوي الشريف في عرف اللغة العربية: هو المكان أو الزمان الذي ولد فيه خاتم الأنبياء وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فمولده المكاني، هو دار أبي يوسف المقام عليها اليوم مكتبة عامة بمكة المكرمة. ومولده الزماني هو يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل على أشهر الروايات وأصحها، الموافق لأغسطس من عام سبعين وخمسمائة من تاريخ ميلاد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام.

هذا هو المراد من كلمة المولد النبوي الشريف في العرف اللغوي، والذي لم يعرف المسلمون غيره طيلة ستة قرون وربع قرن، أي من يوم نزول الوحي إلي مطلع القرن السابع الهجري، ثم بعد سقوط الخلافة الإسلامية الراشدة وانقسام بلاد المسلمين وتمزقها وما تبع ذلك من ضعف وانحراف في العقائد، والسلوك، وفساد في الحكم والإدارة ظهرت بدعة المولد النبوي الشريف كمظهر من مظاهر الضعف والانحراف، فكان أول من أحدث هذه البدعة الملك المظفر صاحب إربل من أعمال الموصل غفر الله لنا وله، وأول من ألف فيها مولدا أبو الخطاب بن دحية سماه: التنوير في مولد البشير النذير، قدَّمه للملك المظفرن فأجازه بألف دينار ذهبا.

ومن طريفٍ ما يُعلم في هذا الشأن أنَّ السيوطي ذكر في كتابه الحاوي، أن الملك المظفر مبتدع بدعة المولد قد أعد سماطاً في أحد الموالد التي يُقيمها، وضع عليه خمسة آلاف رأس غنم مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى. وأنه أقام سماعاً للصوفية من الظهر إلى الفجر، وكان يرقص فيه بنفسه مع الراقصين. فكيف تحيا أمةٌ ملوكها دراويش يرقصون في حفلات الباطل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وإن قيل: إذا كان المولد بدعةً، أفلا يُثاب فاعله على أفعال البرِّ التي فيه من ذكر ودعاء وإطعام طعام؟ نقول: هل يُثاب على حجٍّ في غير وقته؟

 [علل غير كافية في إقامة المولد]

إنَّ ممَّا يدلُّ على أنّ مسألة المولد النبوي الشريف، قد اتُّبع فيها الهوى ولم يُتَّبع فيها الشرع: تبريرُ أهلها لها بالعلل الخمس الآتية، وهي:

1 - كونها ذكرى سنوية يتذكر فيها المسلمون نبيهم صلى الله عليه وسلم، فيزداد حبُّهم وتعظيمهم له.

وجوابها: إن الذي تقام له ذكرى خشية النسيان، هو من لا يُذكر. أما من يذكر ولا يُنسى، فكيف؟

2 - سماع بعض الشمائل المحمدية، ومعرفة النسب النبوي الشريف.

وجوابه: إنّ معرفة الشمائل المحمدية والنسب الشريف، لا يكفي فيها أن تُسمع مرَّةً في العام، وماذا يُغني سماعُها مرة، وهي جزء من العقيدة الإسلامية؟ إنَّ الواجب على كلِّ مسلم ومسلمة، أن يعرف نسب نبيِّه صلى الله عليه وسلم وصفاته، كما يعرف الله تعالى: بأسمائه وصفاته.

3 - إظهارُ الفرح بولادة الرَّسول صلى الله عليه وسلم لما يدل ذلك على حب الرسول وكمال الإيمان به.

وجوابها: إنّ الفرح إن كان بالرسول صلى الله عليه وسلم، فليكن دائماً كلَّما ذُكر الرسول، ولا يختصُّ بوقتٍ دون وقت، وإن كان باليوم الذي وُلد فيه، فإنه أيضا اليوم الذي مات فيه!

4 - إطعام الطعام وهو مأمور به، وفيه أجر كبير لا سيَّما بنية الشكر لله تعالى.

وجوابها: إنّ إطعام الطعام مندوب إليه مرغبٌ فيه، كلما دعت الحاجة إليه، فالمسلم يَقري الضيفَ، ويُطعم الجائع، ويتصدَّق طوالَ العام، ولم يكن في حاجةٍ إلى يومٍ خاصٍّ من السَّنة يُطعم فيه الطَّعام.

5 - الاجتماع على ذكر الله تعالى من قراءة القرآن والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام.

وجوابها: إنّ الاجتماع على الذكر بصوت واحد لم يكن معروفا عند السلف فهو في حد ذاته بدعة منكرة. أما المدائح والقصائد بالأصوات المطربة الشَّجيَّة، فهذه بدعة أقبح، ولا يفعلها إلا المتهوكون المتحيّرون في دينهم، مع أنَّ المسلمين يُفترض أن يجتمعوا كلَّ يوم وليلة، طوال العام في الصلوات الخمس في المساجد، وفي حلق العلم لطلب العلم والمعرفة، وما هم في حاجةٍ إلى جلسةٍ سنويَّة، الدافع عليها في الغالب الحظوظ النفسية من سماع الطرب والأكل والشرب.

فهذه كلّها عللٌ غير كافية، وباطلة أيضاً، لما فيها من معنى الاستدراك على الشَّارع، بتشريع ما لم يُشرِّعه مع الحاجة إليه.

 [شبه ضعيفة احتج بها المرخِّصون في الاحتفال بالمولد]

عندما أُحدثت بدعةُ المولد في مطلع القرن السابع، وفشت وانتشرت بين العامّة والخاصّة، انبرى السيوطي (وهو أحدُ علماء القرن العاشر قرن الفتن والإحن والمحن) في محاولةٍ لتبريرها، ليُبرّر رضى العلماء بها، وسكوتهم عنها، خوفاً من الحاكم والعوامّ. فأورد بعض الشُّبه، التي تدور على أثر تاريخي، وثلاثة أحاديث نبوية، والعجيب أنَّه فرح بهذه الشُّبه وفاخر بها، وقال: "إني وجدت للمولد أصلا في الشرع، وخرَّجته عليه"[4]، فهذه هي والرد عليها:

*الشبهة الأولى: ما روي من أن أبا لهب الخاسر رئي في المنام، فسئل فقال: إنه يُعذَّب في النار، إلا أنه يخفَّف عنه كلَّ ليلة اثنين، ويمُصُّ من بين أصبعيه ماءً بقدر هذا، وأشار إلى رأس أصبعه، وأن ذلك كان له بسبب إعتاقه جاريته ثويبة، لما بشرته بولادة محمد صلى الله عليه وسلم، ابن أخيه عبد الله بن عبد المطلب.

والشّرع لا يثبت برؤى الناس المناميَّة، اللهمّ إلا رؤى الأنبياء، فإنها وحيٌ. والمنسوبة إليه الرؤيا هو العباس بن عبد المطلب، وقد رويت عنه بالواسطة فهو إذاً حديث مرسل، لا يُحتجُّ به، ولا تثبت به عقيدة ولا عبادة، مع احتمال أن يكون رآها قبل إسلامه. وأكثر أهل العلم على أنَّ الكافر لا يُثاب على عملٍ صالح عمله إذا مات على كفره، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] «وقول الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد سألته عائشة رضي الله عنها عن عبد الله بن جدعان الذي كان يذبح كلَّ موسم حجٍّ ألفَ بعير، ويكسو ألف حُلَّة، ودعا إلى حلف الفَضول في بيته: هل ينفعه ذلك يا رسول الله؟ فقال: "لا، لأنه لم يقل يوماً من الدهر: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين".

كما أنّ الفرح الذي فرحه أبو لهب بمولودٍ لأخيه فرحٌ طبيعيٌّ لا تعبدي.

*الشبهة الثانية: فيما روي من أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد عقَّ عن نفسه، بعد شرعه العقيقة لأمته، (لم أعرف هذه الرواية من خرجها ولا من أسندها، والسيوطي ذكرها بصيغة التمريض، ولا أخالها تصح.) قال: وبما أن جده عبد المطلب قد عقّ عنه، والعقيقة لا تُعاد، دلّ هذا على أنه إنما فعل ذلك شكراً لله تعالى على نعمة ولادته.

شبهةٌ قائمة على مجرد احتمال أنَّ النّبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، قد عقَّ، شكراً على نعمة إيجاده والاحتمالُ أضعفُ من الظّنّ، والظنّ لا تثبت به الشرائع. وهل ثبت أنّ العقيقة كانت مشروعةً لأهل الجاهلية، وهل يُعتدُّ بأعمالهم في الإسلام؟ وإذا فرضنا صحة هذا الزعم، فهل يلزم منه اتخاذُ يوم ولادته صلى الله عليه وسلم عيداً للناس؟ فهل ورد ذلك في سنته صلى الله عليه وسلم؟

*الشبهة الثالثة: فيما ثبت من صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه ولما سئل عن ذلك قال: «إنه يوم صالح أنجى الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل»[5]، قالوا: فمحمدٌ أولى بأن نفرح بيوم ميلاده، ونشكر الله تعالى عليه. فما أعجب هذا الفهم المعكوس، فلم لا نصومه، إن كان لنا  حقُّ التشريع أصلاً؟!

*الشُّبهة الرابعة: فيما صح عنه صلى الله عليه وسلم من أنه علّل صيامه يوم الاثنين، بقوله: «أمَّا يوم الاثنين، فإنَّه يومٌ وُلدت فيه وبُعثت فيه»[6]. والمعقول والمنقول يحتِّمان أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرَّسول ربَّه به وهو الصَّوم، يوم الاثنين، إذًا ألا يكفي الأمَّة ما كفى نبيَّها، ويسعها ما وسعه؟ والله يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

[البديل الخير]

فما هو البديلُ عن هذه البدعة التي ما كانت تخلو في الجملة من بعض الخير؟

أما عن قراءة قصة المولد وما تضمنته من استعراض للنَّسب الشَّريف والشمائل المحمدية الطاهرة، فإنَّ البديل هو الاجتهاد في تعلُّمها، وتعلُّم فقه السُّنة النبويّة، في سائر الأحوال.

وأما عن الذكر وقراءة القرآن، فإن البديل هو الإكثار من تلاوة القرآن، وذكر الله صباحاً ومساءً.

وأما عن السماع فالبديل الخير، أن يُنصتَ إلى تسجيلات عظماء القرّاء المجوِّدين.
وأما عن إطعام الطعام وازدراده مع الإخوان، فبابه مفتوح وطريقه معروف.

[غلو في المولد شائن]

يشيع بين أصحاب الموالد، وصف من يُنكره بأنّه يبغض الرسول صلى الله عليه وسلم أو يكرهه، ومن يكره الرسول صلى الله عليه وسلم أو لا يحبُّه، يكفر بإجماع المسلمين، إذن فكأنّ أصحاب الموالد يكفّرون المنكرين لها.

وكان بإمكانهم أن يردّوا ردا جميلا كأن يقول أحدهم: جزاك الله خيرا لقد أديتَ واجبك معي. وأنا مبتلى عسى الله أن يعفوَ عني. أو يقول: هذه بدعة غير أني رأيت بعض أهل العلم أقرها أو عمل بها أو أجازها، فاتَّبعتهم وإني أرجو أن لا يؤاخذنا الله!

[إجحاف غير لائق]

إنَّ مما ينبغي أن يُعلم ويُقال أيضاً -تمشيا مع مبدأ الإنصاف من النفس- أنَّ أكثر الذين يقيمون حفلات المولد النبوي الشريف، إنما يُقيمونها حبَّاً في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبُّ الرسول دينٌ وإيمان، وحبُّ من يحبُّ الرسولَ واجبٌ، فلذا لا يصح من المسلم ولا ينبغي له أن يبغض أخاه المسلم لفعله بدعة كهذه، قد وجد أكثر الناس في بلاده وفي العالم الإسلامي يفعلونها، ولم يحمله عليها، ولا دفعه إليها غالباً إلا عاطفةُ الحبِّ لنبيه صلى الله عليه وسلم والرغبة في التقرب إلى الله تعالى بذلك. وإلا كان ذلك إجحافا غير لائق بمثله.

وكما لا يصح أن يبغضه لا يصح أيضاً أن يصفه بالشرك والكفر لمجرد احتفاله بالمولد أو إتيانه الحفل إن دُعِيَ إليه، ويكثر عليه من التَّشنيع والتقبيح لفعله، فيحمله على العناد والمكابرة، فيهلك، ويهلك معه لتسبُّبه في إهلاكه. ويومئذ يخسران معا.

إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحاشى المواجهة بالمكروه، ويقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ويريدون أن يفعلوا كذا وكذا» لأنَّ الطبع البشري هكذا، لا يتحمل المواجهة بالمكروه، ورحم الله تعالى الإمام الشافعي إذ أثر عنه قوله: " من نصح أخاه سرا فقد نصحه، ومن نصحه علنا فقد فضحه".

هذا كلُّه فيما إذا كانت البدعة المنهيُّ عنها ليس فيها من أعمال الشرك وأقواله شيء، وبدعة المولد كثيراً ما تكون خاليةً من أفعال الشرك وأقواله، لأنهم ما فعلوها إلا بدافع الإيمان والرَّغبة في الأجر فيراعى مقاصد الناس وبواعث أعمالهم، وهذا من الحكمة المأمور بها المسلم في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.

[الخاتمة]
لعلّ البعض يقول: إذا كان المولد النبوي الشريف بدعةً محرَّمةً كسائر البدع، فلم سكت عنها العلماء وتركوها حتى استفحلت؟

والواقع أنّ العلماء أنكروها، من يوم ظهورها وكتبوا في ردِّها الرسائل، من هؤلاء ابن الحاج، في كتابه: المدخل. ومن بين الردود القيمة: رسالة الفاكهاني تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري الفقيه المالكي المعروف، والتي سماها "المورد في الكلام على المولد".

* صلاح عباس  (ملخص) من كتاب الشيخ أبي بكر جابر الجزائري



[1] رواه مسلم.

[2] كتاب الموافقات الجزء الأول صفحة 191.

[3] رواه البخاري ومسلم.

[4] الحاوي في الفتاوي للسيوطي.

[5] رواه ابن ماجه وغيره وهو صحيح.

[6] رواه ابن ماجه وغيره وهو صحيح.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام