السبت 01/09/1438 - الموافق 27/05/2017 آخر تحديث الساعة 04:39 م مكة المكرمة 02:39 م جرينتش  
تزكية

أسباب الحرمان من ذوق لذّة الإيمان

1438/03/18 الموافق 17/12/2016 - الساعة 05:11 م
|


مقدّمة:

 

يدور محور الكلام بإذن الله تعالى على:

*حديث أَنَسِ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ:

-أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا،

-وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ،

-وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ [1].

قال الإمام النووي: هَذَا حَدِيث عَظِيمٌ أَصْل مِنْ أُصُول الْإِسْلَام[2].

*وحديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه،

أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:

ذاق طعمَ الإيمان: من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً[3].

أي أنّ للإيمان في القلب حلاوةً،

فليس الإيمانُ مجردَ فكرةٍ تقوم في الذّهن،

بل هو -فوق ذلك- واقعٌ يقوم في النّفس،

وله طعمٌ يتذوَّقه القلبُ، فيُدرك وجودَه فيه، وتأثيرَه في سلوكه.

ومن  ثمّ نتساءل عن السّبب الذي يحرم الكثيرين من ذوق لذّة الإيمان وحلاوته.

وهذا السبب بالضرورة، يتمثّل في وجود مفهومٍ خاطئٍ للإيمان، عند الفرد، هو الذي حال بينه وبين تحقيق حقيقته وذوق طعمه وحلاوته.

وفيما يلي استقراءٌ لهذه المفاهيم الخاطئة ونفيٌ لها، ومن ثَمّ إثباتُ المفهوم الصحيح للإيمان، الذي إذا ما خالطت بشاشته القلوبُ، وَجَدَتْ له طعماً ولذّةً وحلاوة، فنقول:

 


أولاً:  ليس الإيمان فقط فكرةً جميلة!

 

كثيرون حُرِموا من ذوق لذّة حلاوة الإيمان، لأنّهم يعتقدون اعتقاداً خاطئاً، بأنّ الإيمان هو فكرةٌ ذهنيّة مجرّدة فقط!

ولا ريبَ أنّ الإيمان في أبسط جوانب وجوده هو فكرة، تنتج من التفكر في خلق السماوات والأرض، ومن رؤية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، ولكنِ الإيمانُ ليس فقط هذه الفكرةَ الذّهنية الباردة!

وقد نتج عن هذا الاعتقاد الخاطئ، ذلك الفصامُ النّكِد والانفصال الذي نراه في حياة الكثيرين، بين معنى الإيمان في نفوسهم، وبين واقع حياتهم الذي لا يدلّ على وجود الإيمان في قلوبهم، وأول من اعتقد بهذا الاعتقاد الخاطئ، هم المرجئة والجهميّة:

يقول الشيخ عبد الله الغنيمان في شرح العقيدة الواسطيَّة:

وأما أهل البدع: -المرجئة والجهمية - فقالوا: إنَّ الإيمان هو المعرفة، أو هو العلم، وقصروه على هذا؛ ولهذا كفَّرهم العلماء بهذا القول؛ لأن العلم لا يقتضي الإيمان، فإبليس عنده علم، ويعلم أن الله ربه، وأن الأوامر جاءت من الله، ومع ذلك فهو كافر، بل هو رأس الكافرين وإمامهم، وكذلك سائر الكفرة إلا قليلاً؛ لأن الله جل وعلا أيد رسله بالمعجزات، والبينات الباهرة، وإنما يكون كفرهم عن الجحود بعد العلم، ولهذا يخبر الله جل وعلا عنهم فيقول: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، فإنه صادق وهم يعرفون صدقه، ومع ذلك فهم كفرة، ومن أكبر المعاندين والكافرين. أما فرعون فقد جاء في كتاب الله جل وعلا ما يدل على أنه مستيقن بأن موسى صادق، وأنه جاء بالحق، يقول الله: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا [الإسراء:101].ماذا قال موسى؟ .. لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102] لقد علمتَ أي: تيقَّنت هذا، وفي آية أخرى: أخبر الله جلَّ وعلا أنها: {استيقنتها أنفسهم}. أي: علموها يقيناً. إذاً: القول بأن الإيمان هو العلم قول ظاهر البطلان[4].

وينبني على هذا الاعتقاد الخاطئ، فهمٌ خاطئ وتحريف لمعنى الإيمان، مؤدّاه أنّ الإيمان هو مجرد التصديق، فلهذا قال طوائف من المرجئة؛ إنَّ الكفر هو التكذيب وهو شيء واحد، والإيمان هو التصديق وهو شيء واحد، فأهله فيه سواء لا يتفاوتون، فجعلوا كفر فرعون مثل كفر سائر الكفرة وأدناهم، وجعلوا آحاد الناس من المؤمنين مثل أعلاهم إيماناً[5]، ويقول بعض أهل الضلال بناءً على ذلك: إنّ إيماني مثلُ إيمان جبريل أو مثل إيمان أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه، وهذا من أبطل الباطل!

ومع الأسف فإنّ هذا الاعتقاد، سائد لدى كثيرٍ من المسلمين اليوم، يدلّ على ذلك واقعُ الانفصام الّذي نراه في حياة المسلمين بين الحقيقة والواقع، حيثُ وُلد الرجل مسلماً، ثم لما عرف معنى الإسلام ارتضاه وقبل به، لكنّه لم يهتم ولم يُبالِ بما يقتضيه هذا العلم من العمل، وظنّ أنّ مجرّد هذا العلمِ هو حقيقة الإيمان!

إذن، الخلاصة أنّ الإيمان يقوم على إدراك تلك الحقيقة الكبرى، التي لا تغيب عن وعي كائنٍ عاقل، لكنّ الإيمان لا يقتصر عليها، بل يتطلّب إضافةً إلى ذلك مقوّماتٍ إضافيّة سنراها بإذن الله تعالى فيما يلي!

ثانياً: ليس الإيمان فقط عاطفةً جيّاشة!

 

وكثيرون كذلك حُرموا من ذوق لذّة الإيمان، لوقوعهم في وهمٍ عريض، ألا وهو: ظنُّهم بأنّ العاطفة المجرّدة الجامحة، هي التي تمثّل محض الإيمان، وهو خطأ كبير، نتج عنه كثير من الشرور، وهو الأصل في نشأة فرقة الخوارج والفرق المتطرفة الخارجة على جماعة المسلمين في جميع العصور، انظر إلى ما جرى بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصل هذه الطائفة:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذُهَيْبَةٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ ثُمَّ الْمُجَاشِعِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ؛ فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ قَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا! قَالَ: إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ! فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ! فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُ؟! أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَلَا تَأْمَنُونِي؟! فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ[6].

إنّ التأمل في شخصية هذا الرجل الذي هو أنموذج للخوارج في كلّ مكان وزمان، يدلّنا على أنّ أبرز السمات التي يتميّز بها هي شعوره الممزوجُ بغضبه واعتقاده بأنّه على درجةٍ من الإيمان، حتى إنّه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: اتّقِ الله! ولا ريب أنه لم يقل ما قال إلا لشعوره وتوهّمه بأنّ عنده حالاً مع الله وإيماناً يخوّل له أن يوجّه الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، ونلحظ أن عواطف غاضبة هي التي تملّكت الرجل ودفعته إلى هذا الموقف الخائب!

وعلى نهج رأس الخوارج نجد كثيرين من المسلمين ينتابهم الغضب ويدفعهم إلى اتخاذ مواقف مجانبة لمنهج الدعوة الإسلامية الرّشيد الذي يتضمنه قول الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [النحل: 125].

وكذلك يُعدُّ من صنوف المنتمين إلى هذا الوهم الخاطئ: جماعات الصوفية الّذين يتمايلون على إيقاعات الدّفوف والحركات الرّاقصة، غائبين عن الوعي، ومنهمكين في حالةٍ عاطفيّة، يجدون من ورائها لذّة، ألا إنها لذّة الهوى، ليست لذّة الإيمان بحالٍ، فهؤلاء يبدو من سلوكهم أنهم يتوهّمون أنّ الإيمان هو ضربٌ من العواطف الجيّاشة والأهواء النفسية غير المقيّدة بضوابط الشرع.

ولا ريب أنّ الإيمان له علاقة بالعواطف الإنسانية والميول الفطريّة، بيد أنها عواطف وميول مؤطَّرة بإطار الشّرع الحنيف، وما لم يكن كذلك من العواطف فليس مظهراً من مظاهر الإيمان ولا يمُتُّ إليه بصلةٍ.

ثالثاً: ليس الإيمانُ فقط أن تندمج بوعيك وشعورك في الكون، فتشعر بحقيقة أنّك جزءٌ منه تحريف معنى الربوبيّة!

 

وكثيرون كذلك حُرموا من ذوق لذّة الإيمان وحلاوته، لاعتقادهم بأنّ الإيمان والتوحيد، يتمثل في التفكّر في خلق السماوات والأرض، ثم في التأمل والاستغراق في حقيقة أنّ الإنسان جزءٌ من الكون، ويُتيح له هذا الشعورُ حالةً من الانسجام والشعور العاطفي الجميل الّذي يُسمى في الأدب عند الغربيّين بالرومانسية، ثمّ يقف تأمّلُه عند هذا الحدّ، متوهّماً أنّ هذا الشّعور هو الإيمان!

وهذا الاعتقاد يمثّل في النهاية انحرافاً عن حقيقة مفهوم الربوبيّة، الذي يقوم على أساس أنّ الله عز وجل قد خلق الكون في أحسن تقويم، وجعله بأصل خِلقته عابداً لله متوجّها إليه بالذّكر والتّسبيح جِبِلّة وفطرةً، فالإنسان عند تفكّره في الخلق الكونيّ، يشعر بمعاني الانسجام والارتباط العميق بالكون، وذلك بسبب معنى العبوديّة الّذي جُبل عليه الكون، وبسبب أنّ هذا المعنى مودعٌ في فطرة الإنسان كذلك، فالواجب على هؤلاء أن لا يقفوا عند حدود هذا الشعور العاطفي الرومانسي الجميل، من الاندماج بالكون، ويحسبونه هو الإيمانُ، وهذا الاعتقاد الواهم موجود لدى طوائف من الأدباء، كما هو مذهب المؤمنين بوحدة الوجود.

فشعورُهم هذا تحريفٌ لمعنى توحيد الربوبيّة وهو توحيد الله بأفعاله، والّذي يقوم بناءً عليه توحيد الألوهيّة، وهو توحيد الله تعالى بأفعالنا وتوجّهنا إليه بالعبادة والذكر والتّسبيح والطاعة والخضوع، وأن لا يكون الأمرُ مجرد هيامٍ في بحر العواطف الرومانسيّة.

رابعاً:  ليس الإيمانُ عنصراً تستجلبه من خارج فطرتك!

 

هكذا يظُنّ البعضُ أنّ الإيمان شيءٌ لم يكن في فطرته، وهو عندما يؤمن يقوم بإضافة هذا الشيء إلى نفسه وفطرته! وهذا الاعتقاد خاطئٌ، وقد يحول دون ذوق صاحبه لذّة حلاوة الإيمان!

ويدلّ على خطأ هذا الاعتقاد قولُ الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه:

كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء فهل تحسُّون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟! ثم قرأ أبوهريرة: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}.[7]. والمقرَّر عند جمهور السّلف أنّ الفطرة هي الإسلام والإيمان[8]، فكلّ إنسانٍ يولد والإيمان مودعٌ في ذاته، وإنما يؤدي سوء التربية ومظاهر الانحراف في المجتمع إلى انطماس هذه الفطرة شيئاً فشيئاً، وتغطية الرّان والرّكام عليها، ثم إنّ العبادة والذكر والتربية تؤدي إلى استثارة هذا الإيمان واستخراجه من معدنه الذي هو القلب، يؤكد هذا المعنى ابن قيم بقوله: الأسباب الخارجة عن الفطرة لا يتوقَّف عليها وجودُ ما في الفطرة من الشعور بالخالق ومحبته وتعظيمه والخضوع له، وإن كان ذلك [=أي تلك الأسباب] مذكّراً ومحرّكاً ومنبِّهاً، ومزيلاً للعارض المانع، ولذلك سمىّ الله -سبحانه- ما كّمل به موجباتِ الفطرة، بذكرٍ أو ذكرى، وجعل رسوله مذكرّاً … بما هو مركوز في فطرهم[9]!

فالقلب إنما يستضيء بنور الإيمان المكنون فيه أصلاً، وكذلك بنور القرآن، يقول ابن القيّم معلّقاً على قوله تعالى: {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور: 35]، يقول: فضرب سبحانه مثلاً لنوره الذي قذفه في قلب المؤمن، كما قال أبي بن كعب رضى الله عنه: مثل نوره في قلب عبده المؤمن، وهو نور القرآن والايمان الذي اعطاه إياه كما قال في آخر الآية: {نُورٌ على نُور} يعنى نورَ الايمان على نور القرآن، كما قال بعضُ السّلف: يكاد المؤمن ينطقُ بالحكمة وان لم يسمع فيها بالاثر، فإذا سمع فيها بالأثر كان نوراً على نور، وقد جمع الله سبحانه بين ذكر هذين النَّورين وهما الكتاب والايمان، في غير موضع من كتابه[10].

فالإيمان هو أشرفُ شيءٍ في الإنسان، بيد أنه يكون كامناً في أشرف أعضائه: القلب!

خامساً: ليس الإيمانُ القلبيُّ عملاً بالجوارح، ولكنّ وجودَ العمل بالجوارح ثمرةٌ له!

 

وكذلك ممّا يمنع كثيرين من ذوق حلاوة الإيمان: اعتقادهم بأنّ إيمانَ القلب من عمل الجوارح! أو يختلط عليهم الأمر فيما يتعلّق بنوعي الإيمان: إيمان القلب وإيمان الجوارح، فطبيعتهما مختلفة، والعلاقة بينهما مختلفة، تتمثل في كون الثاني تابعاً للأول ومحكوماً به، فإيمان الجوارح والأعمال بأن تكون على مقتضى إيمان القلب، فيكون قولُ اللسان إقراراً بمعنى الإيمان الكامن في القلب، ويكون عمل الجوارح كلّها، اتّباعاً لما هو من مقتضى الإيمان، من الأوامر والنَّواهي الشَّرعيّة.

فالعلاقة بين إيمان القلب، وبين إيمان الجوارح والأعمال، هي كالعلاقة بين خشوع القلب و فعل الصلاة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فهكذا الإسلام الظاهر بمنزلة الصلاة الظاهرة، والإيمان بمنزلة ما يكون في القلب حين الصلاة من المعرفة بالله والخشوع وتدبر القرآن، فكل من خشع قلبه خشعت جوارحه، ولا ينعكس؛ ولهذا قيل: إيَّاكم وخشوعَ النفاق، وهو أن يكون الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع، فإذا صلح القلبُ صلح الجسد كله، وليس إذا كان الجسد في عبادة يكون القلب قائمًا بحقائقها[11]. ولا ينبغي الخلط بين هذا الموضع، وبين ما هو مقرّرٌ عند أهل السنة والجماعة، من أنّ اسم الإيمان يُطلق على المعنيين كليهما، أي على إيمان القلب، وكذلك على أعمال الجوارح، فهذا معناه أنّ المؤمن لا يكون مؤمناً إذا أنكر عمل الجوارح، أو لم يُبالِ به بالةً، فعملُ الجوارح بهذا المعنى داخل في مفهوم الإيمان الذي يدخل به المؤمنُ في دائرة الإسلام، لكنّه ليس داخلاً في إيمان القلب، إلا من حيث أنّ إيمان القلب هو أساسه ومقتضيه.

سادساً: ليس الإيمانُ أن تفنى عن شعورك وإحساسك بذاتك، ولكن أن يرقى وعيُك وإدراكك!

 

إنّ الإيمان القلبيّ، يقتضي استغراقَ المؤمن في ذكر الله عز وجلّ، والتفكر في معاني أسمائه وصفاته وآثارها في الوجود عامّةً، وفي الوجود الإنسانيّ خاصّةً! وهذا الشعور من شأنه أن يرقى بوعي الإنسان وبأحساسيسه ومشاعره، فتسمو وتتكامل وتعلو في معراج العبوديّة لله عز وجلّ!

ولكن خلافاً لهذا الأصل، ذهب القائلون بالفناء، إلى أنّ استغراقَ الإنسان في العبوديّة ينبغي أن يؤدي إلى فناء إحساسه وحواسّه ووعيه، لأنه يكون عندئذٍ مستغرقاً بمعاني الأسماء الإلهيّة، التي لا يُدرك الإنسانُ حقائقها، فلا يملك عندئذٍ إلا أن يذوب وجوده في وجود الله عزّ وجلّ، ويفنى إحساسُه وشعوره وتعقّله!

وقد ذكر ابن القيّم أن معاني الفناء في العبودية، هي ثلاثة: باطل، مذموم، ومحمود:

-أما الباطل فهو الفناء عن وجود ما سوى الله عز وجلّ، فيعتقد أنّ حقيقة الإيمان هي أنه لا يوجد وجود في الكون إلا وجود الله عز وجلّ، وهذا اعتقاد ابن عربيّ وأضرابه.

-وأمّا الفناء المذموم فهو الفناء عن شهود ما سوى الله، فصاحبه يفقد الإحساس والشعور والعلم، بحيث لا يفرّق بين نفسه وغيره ولا بين الرب والعبد، مع اعتقاده الفرقَ، ولا بين شهوده ومشهوده، بل لا يرى السِّوى ولا الغير، فهذا ليس بمحمود ولا هو وصف كمال، ولا هو مما يُرغب فيه ويؤمر به، بل غاية صاحبه أن يكون معذورا لعجزه وضعف قلبه وعقله عن احتمال التمييز والفرقان، وإنزال كل ذي منزلة منزلته موافقة لداعي العلم ومقتضى الحكمة وشهود الحقائق على ما هي عليه.

-وأما الفناء المحمود فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله تعالى، وهو الّذي يوظف العبد فيه نفسه وكلّ جهده ووعيه وإدراكه، من أجل طاعة مولاه، ومراعاة إرادته الشرعيّة.

ويقارن ابن القيم بين الفناءَين المذموم والمحمود، مع التَّمثيل لهما، فيقول: فتأمل حال عبدين في خدمة سيدهما: أحدهما يؤدي حقوق خدمته في حالِ غيبته عن نفسِه وعن خدمتهِ، لإستغراقه بمشاهدة سيده. والآخَر يؤدِّيها في حال كمال حضوره وتمييزه وإشعارِ نفسه بخدمة السَّيِّد، وابتهاجاً بذلك، فرحا بخدمته وسرورا والتذاذاً منه واستحضارا لتفاصيل الخدمة ومنازلها، وهو مع ذلك عامل على مراد سيِّده منه، لا على مراده من سيده فأيَّ العبدين أكمل؟![12].

ومن الذين يتوهّمون هذا المعنى في الإيمان، قومٌ يُصابون بالغفلة وعدم الانتباه إلى الحقائق الواقعية، ثم يظنّون أنّ ذلك دليلاً على وجدانِ الإيمان، فيحسبون غِشاوة الغفلة من نور الإيمان، وهو ظنّ خاطئ لأن الإيمانَ من شأنه أن يرقى بالوعي والإدراك والإحساس وأن يسمو بقوى الانتباه!

ومن ذلك كذلك: الظّنُّ بمن يبدو عليهم اللامبالاة بالأمور الواقعية وعدم التعامل بها، سواءٌ كانوا من أهل الزهد أو الغفلة، أنهم من ذوي المكانة الإيمانية العالية!

وفي هذا السّياق نذكر حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:

قالَ رجلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ أعقِلُها [أي النّاقة] وأتوَكَّلُ، أو أطلِقُها وأتوَكَّلُ؟ قالَ: اعقِلها وتوَكَّلْ[13].

 

المراجع



[1] صحيح البخاري 16، وصحيح مسلم 43.

[2] شرح النووي على مسلم 1/ 122.

[3] صحيح مسلم 34.

[4] من موقع إسلام ويب: https://audio.islamweb.net.

[5] الشيخ الغنيمان.

[6] صحيح البخاري 3344، وصحيح مسلم 1064.

[7] صحيح البخاري 1385، وصحيح مسلم 2658.

[8] تفسير الطبري 10/ 182، 183 /فتح الباري 8/ 372.

[9] شفاء العليل 2/ 332، 333.

[10] مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة 1/ 54.

[11] الإيمان الكبير 2/ 480.

[12] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين 1/ 156.

[13] رواه الترمذي 2517 وحسنه الألباني.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام