الخميس 05/03/1439 - الموافق 23/11/2017 آخر تحديث الساعة 04:11 م مكة المكرمة 02:11 م جرينتش  
تزكية

مفهوما القوّة والأمانة وأثرهما في الارتقاء الذّاتيّ (1)

1438/04/02 الموافق 31/12/2016 - الساعة 06:42 م
|


مقدمة:

القوّة والأمانة، مفهومان قرآنيّان، ومن ثَمّ فهما لا ريب يكتنزان بالمعاني والدلالات العميقة، وهو ما نودّ أن نقف على شيءٍ منه، في هذا المبحث.

ورد هذا المفهومان مجتمعين، في قوله تعالى:

{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص:26)!

فما معنى القوة؟ وما معنى الأمانة؟  في هذه الآية الكريمة!

وما هو أثر التّحلّي بهما على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة، أو على مستوى الأمة؟

لنُطِلَّ بدءاً على المشهد العامّ الذي ترسمه الآية الكريمة:

1/ في ظلال التَّفسير:

يقول ابن جرير الطبري، في تفسير هذه الآية الكريمة:

{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص:26):

أي: )تقول: إنَّ خيرَ من تستأجره للرَّعي: القويُّ على حفظ ماشيتك والقيام عليها في إصلاحها وصلاحها، الأمينُ الَّذي لا تخاف خيانته، فيما تأمنه عليه(.

ثمّ قال ابن جرير: )وبنحو ذلك جاءت الأخبار عن أهل التأويل([1]، فروى بسنده عن ابن عبّاسٍ،  الّذي قال بعد أن ذكر الآية الكريمةَ: (فأحفظته الغَيْرةُ أن قال: وما يُدريكِ ما قوّتُه وأمانتُه؟

قالت: أما قوّته، فما رأيتُ منه حين سقى لنا، لم أرَ رجلاً قطُّ أقوى في ذلك السَّقي منه; وأمَّا أمانته، فإنه نظر حين أقبلتُ إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأةٌ صوَّب رأسه فلم يرفعه، ولم ينظر إليَّ حتى بلَّغتُهُ رسالتك، ثم قال: امشي خلفي وانعتي لي الطَّريق، ولم يفعل ذلك إلا وهو أمينٌ، فسُرّي عن أبيها وصدَّقها، وظنَّ به الَّذي قالت.[2](

وورد في تفسير البغوي: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} اتخذه أجيرًا ليرعى أغنامنا، {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ} يعني: خيرُ من استعملتَ مَن قويَ على العمل، وأدَّى الأمانة، فقال لها أبوها: وما علمُك بقوَّته وأمانته؟ قالت: أما قوَّته: فإنَّه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعُه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون رجلاً، وأمَّا أمانته: فإنَّه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريحُ بدنك)[3].

إذن، بهذين الوصفين: القوّة والأمانة، استحقّ موسى عليه السَّلامُ ولايةَ الأمر الّذي أُسند إليه.

2/ ولاية الأمر وعلاقتها بمفهومي القوة والأمانة:

ليس من أحدٍ إلا وهو مُسترعىً من الله رعيَّةً، وقائماً في وقتٍ مّا بولاية أمرٍ مَّا، وينبني على ذلك أن يكون مسؤولاً عن هذه الولاية، وذلك مِصداقاً لقول الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ألا كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته: فالأميرُ الذي على النَّاس راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيَّته، والرجلُ راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤولٌ عنهم، والمرأة راعيةٌ على بيت بعلها وولده، وهي مسئولةٌ عنهم، والعبدُ راعٍ على مال سيِّده، وهو مسؤولٌ عنه، ألا فكلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته))[4]، وهذا الحديث  يؤسس القاعدة العامّة لمفهوم الولاية، وما يقوم عليها من مسئوليَّة، سواءٌ على المستوى السّياسيّ أو الدّينيّ أو الاجتماعيّ الأسريّ.

وبناءً على هذه القاعدة العامّة: )كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته) التي يقرّرها هذا الحديثُ، تتأسَّس كلُّ صور الولاية:

فالطَّالب راعٍ فيما هو مفرّغٌ له من طلبه للعلم، وهو مسؤولٌ عنه،

وحارس الأمن راعٍ على ما كُلّف به من عملٍ، وهو مسؤول عنه،

والموظف راعٍ في شأن وظيفته، ...

وهكذا فإنّ كلّ مسلمٍ، في أيّ موقعٍ من المواقع، ينبغي أن يجتهد في معرفة الولاية التي كُلّف بها، وأن يجتهد في التّحلّي بما تقتضيه من صفتي "الأمانة والقوّة".

3/ القوّة والأمانة شرطان ضروريّان في كلِّ ولايةٍ:

إنّ الإسلام يجعلُ الإنسان مسؤولاً مسؤوليّة شرعيّة، عن كلّ فعلٍ تَعيَّن عليه أن يقوم به، استناداً إلى أمر وليِّ أمرٍ "في نطاق الأسرة أو المدرسة أو المجتمع عامّة أو الدولة، في أيّ مرفقٍ من مرافقها"، أو استناداً إلى عقدٍ أو عهدٍ أو اتفاقٍ، فإنّه يُعتبر مسؤولاً عن القيام به مسؤوليةً شرعيّةً، ما لم يكن في ذلك مخالفةٌ للشّرعِ.

والقوّة والأمانة، هما المقوّمان اللازمان لكلّ ولايةٍ من الولايات، وهما الصفتان اللتان ينبغي أن يتّصف بهما كلّ من يلي ولايةً من الولايات، مجتهداً في أن يحقّق فيها، بهاتين الصفتين أعلى درجات الجودة الممكنة.

ولقد ورد ذكر وصف القوة في الآية القرآنية الكريمة أولاً، وفي ذلك إشارةٌ إلى كون القوّة -كما سيجيء تفصيله بإذن الله_ تمثّل بالنسبة لهذين الشرطين العنصر الظاهر، بينما تمثّل الأمانة العنصر الباطن، فالعلاقة بين القوة والأمانة هي كالعلاقة بين الجسد والرّوح.

ومن ذلك نفهم أنّه يجب أن يكون بين هذين الشرطين ارتباطٌ وثيقٌ، يشبه الارتباط الذي يكون بين الجسد والروح، بيد أنه يبقى لكلٍّ منهما استقلاله عن الآخر، ولكنَّ الكمال الإنسانيَّ أن يكونا مقترنين، بحيث تكون الأمانة كامنةً في القوة، تعمل من خلالها وتسري في أوصالها، على ما سوف نراه مفصّلاً بإذن الله تعالى.

المراجع



[1] تفسير الطبري: 19 /562.

[2] تفسير الطبري: 19 /562.

[3] تفسير البغوي: 6/203.

[4]  متّفق عليه: صحيح البخاري (7183). صحيح مسلم (1829).

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام