الثلاثاء 29/06/1438 - الموافق 28/03/2017 آخر تحديث الساعة 02:49 م مكة المكرمة 12:49 م جرينتش  
مقالات

سيناريو ما بعد نقل السفارة للقدس

1438/04/05 الموافق 03/01/2017 - الساعة 09:22 ص
|


من مفارقات الأقدار وسخرياتها أن الرئيس الأمريكي الجديد إذا تراجع عن تعهده بنقل سفارة بلاده إلى القدس فسيكون ذلك راجعا لأسباب عدة، ليس بينها قلقه من الصدى المتوقع في العالم العربي.

 

(١)

ألقيت السؤال على أكثر من خبير ودبلوماسي في أربعة أقطار عربية، ولم أفاجأ بالإجابة قدر مفاجآتي بالإجماع عليها. كان السؤال كالتالي: ما الذي يمكن أن يحدث في العالم العربي إذا ما أقدم الرئيس الجديد على تنفيذ وعده؟ ــ نبهت إلى أن وعود الحملة الانتخابية ليست كلها قرارات ما بعد استلام السلطة. وإن مسألة نقل السفارة إلى القدس عادة ما تتردد في انتخابات الرئاسة الأمريكية لضمان أصوات اليهود، ولكن أحدا من الرؤساء الذين تم انتخابهم لم يستطع الإقدام على تقلك الخطوة لسببين رئيسيين، أولهما أن ثمة قرارا لمجلس الأمن صدر في عام ١٩٨٠ اعتبر أن نقل السفارة إلى القدس بمثابة خرق للقانون الدولي، كما اعتبر "قانون القدس" الذي أصدره الكنيسيت باطلا ويتعين إلغاؤه.

ودعا المجلس ١٣ دولة (أغلبها من دول أمريكا اللاتينية) كانت قد أقامت سفاراتها في المدينة المقدسة إلى إخراجها منها، وحين نجح اللوبي اليهودي بالولايات المتحدة في استصدار قانون من الكونجرس عام ١٩٩٥ نص على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ودعا الرئيس الأمريكي إلى نقل السفارة إليها، فإن صيغة القرار تضمنت ثغرة سمحت للرئيس بتأجيل تطبيقه كل ستة أشهر، وقد استمر ذلك التأجيل طوال العشرين سنة التالية، حيث لجأ إليه كل رئيس تم انتخابه لكي يتحلل مما وعد به. السبب الثاني لعدم نقل السفارة طوال تلك الفترة راجع إلى أن العالم العربي كان له وزن مختلف، كما أن العداء العربي لإسرائيل كان متماسكا إلى حد ما، رغم توقيع الرئيس السادات لاتفاقية «السلام» في عام ١٩٧٩ (الأردن وقع اتفاقية وادي عربة في عام ١٩٩٤).

 

الشاهد أن الرؤساء الأمريكيين الذين ساندوا إسرائيل طول الوقت، حرصوا على ألا تكون واشنطن نموذجا للإطاحة بقرارات مجلس الأمن، ثم إنهم وضعوا في الاعتبار حماية مصالحهم في العالم العربي والإسلامي.

 

(٢)

الأمر اختلف هذه المرة أمريكيا وعربيا، الأمر الذي لا يستبعد معه أن يصدر الرئيس الأمريكي قراره الصادم لنا. تؤيد ذلك الشواهد التالية:

- إن الرجل قادم من خارج السياسة، وليس معنيا كثيرا بمختلف الحسابات والاعتبارات والسياسة التي أثرت على مواقف الرؤساء السابقين، ومن ثم فهو على استعداد للإطاحة بتلك الاعتبارات، خصوصا أنه ليكودي الهوى، بمعنى أنه منحاز إلى القوى الأكثر تطرفا في إسرائيل، وكان ذلك أوضح ما يكون في اختياره لسفير بلاده لدى الدولة العبرية. وفي حملته على مجلس الأمن بعد إصداره قرار إدانة المستوطنات، وفي دعوته إلى حجب إسهام واشنطن في ميزانية الأمم المتحدة. وقد تحدثت وسائل الإعلام عن أن الرجل ماض في الوفاء بما وعد به، وأن واشنطن استقبلت فريقا إسرائيليا قدم لترتيب الأمر مع نظرائهم الأمريكيين، وأشارت إلى أن مقر القنصلية الأمريكية في القدس سيكون مقرا للسفارة بشكل مؤقت إلى حين تهيئة المكان لكي يكون لائقا «للمقام».

- حفاوة أغلب الأنظمة العربية بالرئيس الجديد وحرصها على استرضائه. وذلك واضح في الترحيب الرسمي به والحرص الرسمي على التعامل معه لسببين أولهما عدم اكتراثه بموضوعات الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، مع إعطاء الأولوية لملف الإرهاب. وهو ما اعتبر تأييدا لممارسات تلك الأنظمة ومساندة لها، أما ثانيهما فيتمثل في عدائه لإيران وسعيه لإلغاء الاتفاق النووي معها، وهما عاملان غفرا له في نظر البعض كراهيته للإسلام والمسلمين.

- تراجع أهمية القضية الفلسطينية ضمن أولويات أغلب الأنظمة العربية التي أصبحت غارقة في مشكلاتها الداخلية، إلى جانب انشغال بعضها بالمعركة ضد الإرهاب، وتركيز البعض الآخر بمواجهة إيران وما تمثله من أخطار تهددها.

- اتساع نطاق الاختراق الإسرائيلي للدول العربية، بصورة علنية أو غير علنية إلى الحد الذي دفع إسرائيل إلى الادعاء بأنها صارت جزءا مما سمى معسكر الاعتدال العربي السُّني في مواجهة العدو الإيراني والخطر الشيعي.

 

(٣)

كان العالم الإسلامي قد اهتز حين أشعل أحد الصهاينة النيران في المسجد الأقصى عام ١٩٦٩، الأمر الذي أدى إلى عقد مؤتمر للقمة الإسلامية بالعاصمة المغربية الرباط في العام ذاته، وأسفر الاجتماع عن إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي (التعاون الإسلامي لاحقا) للدفاع «عن شرف وكرامة المسلمين المتمثلة في القدس وقبة الصخرة». إلا أن عالم تلك المرحلة اختلف تماما عن الزمن الراهن، وهي الخلفية التي يتعين استدعاؤها للتعرف على الصدى المحتمل لقرار الرئيس الأمريكي الجديد في حال صدوره.

ذلك أننا ينبغي أن نعترف بأن العالم العربي الذي هو قلب العالم الإسلامي تراجع وزنه كثيرا في المعادلة الدولية، سواء بسبب غياب قيادته وانفراط عقده وخرائطه فضلا عن تعدد محاوره وتباين سياساته، إذ استهلكت طاقته إما في الحروب الأهلية الداخلية التي تجرى في إطار القطر الواحد، وإما في الحروب الإقليمية داخل المحاور المختلفة.

للأسف فإن الوهن والضعف الحاصلين في الجانب العربي يقابلان بعجرفة واستكبار من جانب الإسرائيليين الذين تحدوا الجميع فأقروا تقنين المستوطنات المقامة فوق الأراضي المحتلة في يوم صدور قرار إدانة الاستيطان، وقرر رئيس وزرائهم «توبيخ» الدول التي أيدت قرار مجلس الأمن، ومعاقبة الدول الأربع التي تمسكت بمناقشة القرار بعد قيام المندوب المصري بسحبه.

 

وشمل التوبيخ والعقاب وقف المساعدات المقدمة لدولة كالسنغال وإلغاء الزيارات الرسمية التي كان مقررا أن يقوم بها لإسرائيل ممثلون لدول مجلس الأمن، إضافة إلى معاقبة الأمم المتحدة ذاتها من خلال حجب إسهام إسرائيل في موازنات بعض منظماتها.

يزداد الموقف تعقيدا إذا ما تصورنا تداعيات الموقف الأمريكي الذي وعد الرئيس الجديد بأنه سيكون «علامة فارقة» في تاريخ المنطقة، وأيا كان قدر المبالغة في تصريحه، فإننا لا نستطيع أن نهون من شأن سياساته إذا مضى في نقل السفارة، ذلك أن هذا الموقف ربما أصبح بمثابة مقدمة تشجع دولا أخرى على أن تحذو حذو الإدارة الأمريكية. وهو ما لاحظنا مقدماته في انتقاد رئيسة الوزراء البريطانية لخطاب وزير الخارجية الأمريكي بخصوص المستوطنات، التي كانت بريطانيا قد أيدت قرار إدانتها في مجلس الأمن. وفي ظل الود الذي يلوح في الأفق بين الرئيس الأمريكي الجديد والرئيس الروسي فليس مستبعدا أن يتوافق الطرفان على تصفية القضية بمختلف عناوينها، خصوصا أن اللاعبين الدوليين باتوا يتصرفون وحدهم في مصائر المنطقة مستثمرين حالة الفراغ فيها، يشهد بذلك الاتفاق الأخير بين روسيا وتركيا وإيران بخصوص وقف القتال في سوريا.

 

(٤)

لأول وهلة تبدو الصورة كئيبة ومحبطة خصوصا أن أغلب الأنظمة العربية لن تلجأ إلى أي إجراء حقيقي إذا ما تم نقل السفارة الأمريكية (دعك من بيانات الشجب والتنديد) لسبب جوهري هو أن تلك الدول باتت حريصة على استرضاء الرئيس الجديد وعدم إغضاب إسرائيل المنتفخة والمتعجرفة. إلا أن الصورة قد تختلف نسبيا إذا وضعنا في الاعتبار ضعف وزن الولايات المتحدة وتراجع هيبتها بصورة نسبية. وإذا ما راهنا على استقلال قرار بعض الدول الأوروبية والأمريكية اللاتينية التي لاتزال تحترم المبادئ ولم يمت لديها الضمير بعد. ومما له دلالته في هذا الصدد أن الذين تمسكوا بمناقشة قرار إدانة المستوطنات كانوا يمثلون أربع دول غير عربية في حين أن قرار سحبه كان عربيا. ومن المفارقات أيضا أنه في حين تراجعت أولوية القضية الفلسطينية في المحيط العربي الرسمي، فإن حملة مقاطعة إسرائيل تتزايد في العالم الغربي، ثمة عنصر آخر لا يمكن تجاهله يتمثل في موقف الشباب الفلسطيني وفصائل المقاومة التي لم تستسلم لليأس بعد، وبودي أن أراهن على الجماهير العربية إلا أنني ترددت في ذلك نظرا لشدة القمع الذي تتعرض له تلك الجماهير. مع ذلك فإنني لا أستبعد زيادة في مؤشرات العنف الذي قد يفجره الغضب والشعور بالمهانة والذل.

في كل الأحوال فإنني لا أستطيع المراهنة على رد فعل له قيمة من جانب الأنظمة العربية. وأضع خطا تحت قيمة رد الفعل، لأننا شبعنا شجبا وتنديدا. صحيح أن الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط اعتبر أن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بمثابة «انتكاسة كبيرة». كما أن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات قال إنه من شأن تلك الخطوة أن تدمر عملية السلام، ودعا عمرو موسى الأمين العام السابق للجامعة العربية إلى ضرورة الاستعداد للتعامل مع القرار الأمريكي المنتظر، محذرا مما هو أسوأ، حيث لم يستبعد أن يتجه الرئيس الأمريكي الجديد للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. لكن ذلك كله يظل ضمن الضجيج الذي لا طحن له والنفخ في «القربة» العربية المقطوعة. وليس ذلك رأيي الشخصي فقط، ولكنه جماع رأي الذين سألتهم من الخبراء والدبلوماسيين في الدول العربية الأربع.

- إن المشكلة ليست فقط في تبجح الآخرين واستخفافهم بالعالم العربي، لكنها تكمن أولا في الوهن والاستخذاء اللذين يفضحان الحقيقة في العالم العربي، الأمر الذي يقدم دليلا جديدا على أن تحرير فلسطين لن يتحقق إلا إذا تم تحرير العالم العربي أولا. وإذا بدا ذلك أمرا عصيا في الوقت الراهن، فإننا إذا لم نملكه فلا أقل من أن نفهمه على وجهه الصحيح.

----------------------------

المصدر: الشروق المصرية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام