الخميس 01/01/1439 - الموافق 21/09/2017 آخر تحديث الساعة 12:53 ص مكة المكرمة 10:53 م جرينتش  
تزكية

معنى التّقوى

1438/04/09 الموافق 07/01/2017 - الساعة 06:58 م
|


مقدمة:

ليس في كتاب الله ولا في سنّة رسوله -صلّى الله عليه وسلم- من خصلة فاضلةٍ، لقيت من الاهتمام والحفاوة وبلغت من علوِّ المكانة، ما لقيته وبلغته التّقوى، وحسبك أنها وصيّةُ الله تعالى للأوَّلين والآخرين! وذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131]، وهي آخر ما أوصى به رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- أصحابه والأمة كلّها يوم حجّة الوداع فقال: (أُوصيكم بتقوى اللهِ والسَّمْعِ والطَّاعة)، وهي الوصيّة التي درج الصَّحابة والتَّابعون لهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين على أن يتواصَوا بها، لِما يعلمون من مكانتها الكبيرة في الدّين.

1.    فما هي التَّقوى؟

يقول صاحب المقاييس: "الواو والقاف والياء: كلمةٌ واحدة تدلُّ على دَفْعِ شيءٍ عن شيءٍ بغيره، ... واتَّقِ اللهَ: تَوَقَّهُ، أي اجعل بينَك وبينه كالوِقاية، قال النَّبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (اتَّقُوا النّارَ ولو بِشقِّ تَمرة)[1]، وكأنّه أراد: اجعلوها وقايةً بينكم وبينها"[2]، وبالتّالي فثمرة التّقوى هي: جعلُ النَّفس في وقايةٍ من كلِّ ما قد يُصيبُها من مكروهٍ أو أذى، عن طريق وضع حاجزٍ بينها وبينه.

أمّا في الشَّرع، فقد أُضيف إلى هذا المعنى حقيقةٌ جوهريّة، ألا وهي: أنَّ الله -عزّ وجلّ- هو أولى ما نتَّقيه ونخافُه ونحذرُه ونخشى عقابه، ذلك لأنّه هو الّذي بيده مقاليد الأمور كلّها، يُصرِّفها كيف يشاء! وبالتالي فإنّ التقوى تعني تحقيق ما يجعل بيننا وبين غضب الله عزّ وجل وعذابه وقايةً.

 وقد وردت التَّقوى في القرآن الكريم، مُضافةً إلى اسم الله عزّ وجلّ، باعتباره أولى ما نتّقيه، كما في قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28و30]، وقوله تعالى: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى}[المدثر: 56]، كما وردت مُضافةً إلى عقاب الله أو مكانه أو زمانه، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[آل عمران: 131].

2.                حقيقةُ التّقوى في الإسلام:

لقد لحظ سيّدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، الورود المتكاثر لمادة التقوى في القرآن الكريم، بمعناها الشّرعيّ، حيث وردت في (217) آيةً من آيات القرآن، ولحظ أنّها كما اشتملت على اتّقاء المعاصي والرذائل, كذلك اشتملت على الاجتهاد في التّحلّي بالفضائل، ولذلك سأل عن حقيقتها سيّدَنا أبيَّ بن كعب، فقال له: ما التقوى؟ فقال كعب: يا أميرَ المؤمنين، أما سلكتَ طريقاً فيه شوك؟ فقال: نعم. قال: فما فعلتَ؟ قال عمر: أشمِّر عن ساقيَّ، وأنظر إلى مواضع قدميَّ، وأقدم قدماً وأؤخِّر أخرى، مخافة أن تصيبني شوكة! فقال كعب: تلك هي التقوى"[3].

ونحن نقول: حقّاً، تلك هي التّقوى! وليس هناك من تعريفٍ أدقُّ للتقوى من هذا التَّعريف! فالتّقوى في الإسلام ليست مجرَّد مفهومٍ نظريٍّ، إنّها حقيقة الإسلام كما يمكن أن تتجسّد في سلوك المسلم! إنّها خلاصةُ الخلاصة! وبالتالي فهي تشمل الدَّرجات العليا من الالتزام بالدِّين، كما تشمل الدرجات الدنيا، لكنّها لا تشمل عدمَ الالتزام بأيّ حالٍ من الأحوال! فالتقوى، ليست هي المرتبة العليا والمقام الّذي لا يرقى إليه إلا الخواصُّ فقط، لكنّها أيضاً تشمل الدرجات الدنيا من السُّلم الّتي إذا ما تابع المسلم سيره فيها، فسيصير من أولئك الخواصّ!

وهناك آيتان يتّضح بهما المقصود بالتّقوى:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، وهذه الآية ترسم المرتبة العليا التي مهما اجتهد المتّقون فلن يصلوا إليها! ولكن –رغم ذلك- كلُّ مسلمٍ مأمورٌ بالسّعي لتحقيقها، بل ذلك مقتضى خشيته من الله عزّ وجلّ!

وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: من الآية16]، أي: اجتهدوا من أجل تحقيق حقيقة التّقوى، ما استطعتم، وهي في قوّة معنى الآية الأولى، ولكنّها شارحةٌ لها ومُبيّنة لكيفيّة تطبيقها والتزامها.

وما بين هاتين الآيتين، نجد الآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات، تُشير إلى أنّ التقوى ذاتُ مراتبَ متفاوتة، يقول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

وقد لوحظ انطلاقاً من الآية (77) من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة:177] لوحظ أنَّ السّمة الكبرى التي تتّسم بها التقوى هي سمةُ الصِّدق، ذلك "أنَّ القرآن الكريم يُساوي بين الصِّدق والتَّقوى، فيؤكد أنَّ صفات المتقين هي في الحقيقة صفات الصادقين، وهذا يعني أنَّ الإنسان كلَّما توفَّر على الصِّدقِ بنسبةٍ أكبر كلما اشتدَّت التقوى بداخله، وهذا ما تدعمه الآية (33) من سورة الزُّمر: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}"[4].

إذن، فتحديد معيار الاستطاعة في التقوى، هو الصدق، وهو أمرٌ داخليٌّ، ولا غروَ فإنّ التقوى محلُّها القلب، كما في الحديث الصَّحيح: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-)[5].

باختصار: التَّقوى هي الإسلام متحقّقاً في شخصٍ معيّن، وذلك أمرٌ لا يمكن الجزمُ به لأحدٍ، لأنّها كما رأينا شأنٌ داخليٌّ لا يعلمُ به إلا من يعلم بذات الصُّدور: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: من الآية32]، بيد أنّها هي القيمة الأساسيّة الّتي يُطالب المرءُ بتحقيقها، حتّى يكون مسلماً، بينه وبين نفسه وبينه وبين ربّه.

إذن، "للتقوى مكانةٌ عاليةٌ في دين الإسلام، لا يُدانيها في المنزلة سوى الإيمان بالله وبرسوله"[6]، وهذا يقودنا إلى التّساؤل حول حقيقة العلاقة بين الإيمان والتّقوى، ونكتفي في هذا السّياق بالقول عموماً: إنّ المؤمنين في القرآن مطالبون بتحقيق التّقوى، تدلّ على ذلك سبعُ آياتٍ بدأت بقوله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله}، وهي:

[البقرة: 278، آل عمران: 102، المائدة: 35، التوبة: 119، الأحزاب: 70، الحديد: 28، الحشر: 18].

المراجع



[1]  متفق عليه.

[2]  معجم مقاييس اللغة، 6/99.

[3]  ذكره ابن كثير في التفسير: 1/41.

[4]  آيات التقوى في القرآن الكريم، للدكتور حسين الجبوري، ص 9، عن ملتقى أهل التفسير في الشبكة العنكبوتية.

[5]  مسند أحمد، 13/159.

[6]  آيات التقوى، مرجع سابق، ص 13.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام