الخميس 01/01/1439 - الموافق 21/09/2017 آخر تحديث الساعة 12:50 ص مكة المكرمة 10:50 م جرينتش  
تزكية

تعريف العقيدة والإيمان وثمراته

1438/04/21 الموافق 19/01/2017 - الساعة 09:13 ص
|


للعقيدة أهمية كبيرة في حياة الإنسان، فهي تتعلق بدينه فهو القيمة الحقيقية الأساسية للإنسان، ومن كان بلا دين حق فلا قيمة له، ولا يمكن أن تتحقق العبادة الحقة إلا بالعقيدة السليمة، والإنسان إذا صحت عقيدته صح دينه، وإذا صح دينه، وصحت صلته بالله -عز وجل- وإذا وصل إلى هذه الدرجة، حقق السعادة المنشودة في الدنيا والآخرة، ولا سبيل إلى تحقيقها إلا بسلامة العقيدة.

 ونظرا للفتن والمؤامرات التي يتعرض لها المسلم، فلا بد من لجوئه إلى الله تعالى، والاعتصام بحبله المتين، وتعلم الأمور التي تنجيه في الآخرة، وتعصمه مما يحاط به، خصوصا في أمور العقيدة والإيمان، والعقيدة السليمة التي تترسخ في النفوس تنجيها إذا هاجمتها المشكلات والمصائب، أو حلت بها الهموم.

وسبق الحديث عن معنى العقيدة باختصار، وبيان مفهمومها، ثم عرض خصائصها، وبيان مصادرها، وقبل التوسع في شرح أصولها أو شرح أركان الإيمان، سنتكلم عن تعريف الإسلام، والإيمان، وبيان ثمراته وآثاره، وقبل ذلك نتناول تعريف العقيدة لعلاقتها بالإيمان.

أولا: تعريف العقيدة الإسلامية

العقيدة هي: كل ما يؤمن به الإنسان إيماناً جازماً، ويعقد عليه قلبه ويتيقنه في قرارة نفسه.

والعقيدة الإسلامية هي: التصديق والإيمان بوجود الله تعالى، مع الإيمان بأسمائه وصفاته، أو هي الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وما يلحق بها من أمور دل على وجوب الإيمان بها الكتاب والسنة.

وهذه الستة تسمى أركان الإيمان؛ لأنها أصول العقيدة، وتسمى الأركان الباطنة أو القلبية؛ لأنها اعتقاد؛ والاعتقاد محله القلب، وقد عرَّف الإيمانَ بذكر هذه الأركان رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث قال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (رواه البخاري ومسلم).

وقد دل على هذه الأركان القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى :{لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة :112] .  وقال سبحانه :{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر :49].

أما أركان الدين الظاهرة العملية، فهي منبثقة عن الأركان الباطنة ومترتبة عليها وهي: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً.

وتسمى هذه الخمسة: أركان الإسلام، وقد عرَّف الإسلامَ بذكر هذه الأركان رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث قال : "الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً" رواه البخاري ومسلم.

والدين الإسلامي يتكون من الأمرين معاً.

ويسمى علم العقيدة كذلك: بعلم التوحيد، وهو مأخوذٌ من وحَّدَ الشيءَ إذا جعله واحدًا، وهو العلم الذي يدرس إفراد الله تعالى وتوحيده بما يستحقه من ربوبيةٍ وألوهيةٍ وأسماء وصفات.

وقد وردَ هذا الاسم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، من حديث جابر  ـ رضي الله عنه ـ  في صفة الحج : "... فأهلَّ [أي لبَّى] بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك" (رواه مسلم وابن حبان وابن ماجه وغيرهم).

 ثانيًا ـ تعريف الإسلام والإيمان وبيان الفرق بينهما:

الإسلام لغة: مأخوذ من التسليم والاستسلام.

واصطلاحاً هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.

أو الإسلام بمعناه العام هو إسلام الوجه لله، والخلوص من الشرك وأهله.

تعريف الإيمان: لغةً: هو التَّصديقُ الجازم، مع الإقرارِ والطمأنينة.

واصطلاحًا: تصديقٌ بالقلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالجوارحِ والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فالقلبُ يُصدِّقُ، ويعتقدُ اعتقادًا جازمًا بجميعِ ما أخبرَ به الله تعالى، وما أخبرَ به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الغيبيات. وينطقُ اللِّسانُ بذلك. ثم تعملُ الجوارحُ وأجزاءُ الجسمِ بمقتضى هذا الاعتقاد.

ومالفرق بين معنى الإسلام والإيمان:

فإذا إذا ذُكرا جميعًا ـ في موضع واحد ـ فُسِّرَ الإسلام بالأمور الظاهرة من الأعمال، وفُسِّر الإيمانُ بالأمورِ الباطنةِ من الاعتقاد، كما في حديث جبريل عليه السلام وفيه: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا" ثم قال عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكُتبهُ ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" رواه مسلم.

وإذا ذُكرَ أحدهما دون الآخر: فُسِّرَ أحدهما بما يُفسَّر به الآخر،  فيراد به الدين كله أصوله وفروعه من الاعتقادات والأقوال والأعمال، كما في حديث وفد عبد القيس حيث قال المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ  مخاطبًا هذا الوفد: "آمركم بالإيمان وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا من المغنم الخمس"أخرجه الشيخان.

  فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أمرهم بالإيمان ثم ذكر أركان الإسلام.

 ثالثًا ـ ثمرات الإيمان:

للإيمان الصحيح فوائد وثمرات عاجلة وآجلة على القلب والجوارح، فخيرات الدنيا والآخرة ودفع الشرور؛ كلها من ثمرات الإيمان، ومن آثار الإيمان:

 1. الفوز برحمة الله تعالى، ونيل جنته كما قال سبحانه :{ وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة : 72].

  2. أنَّ الله يدفع عن المؤمنين المكاره وينجيهم من الشدائد كما قال سبحانه :{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج :38]، أي يدفع عنهم شر شياطين الإنس وشياطين الجن، ويدفع عنهم الأعداء، ويدفع عنهم المكاره قبل نـزولها، ويرفعها أو يخففها بعد نـزولها .

3. ومنها أن الإيمان والعمل الصالح ـ الذي هو فرعه ـ يثمر الحياة الطيبة في هذه الدار، وفي دار القرار قال تعالى :{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}[النحل :97].

 4. حصولُ الفلاح وهو أكمل الغايات وأشرفها، قال تعالى في شأن المؤمنين: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[البقرة :5].

5. ومنها: الانتفاع بالمواعظ والتذكير والآيات، حيث قال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات:55].

 رابعًا: أهمية الإيمان بالغيب:

الغيب هو: ما لا يقع تحت الحواس، ولا يُدرك ببداهة العقول، إنَّما يُعلم عن طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

والغيب الذي يجب الإيمان به هو:  ما أخبر به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته، وملائكته، ورسله الذين أرسلهم لهداية الناس، والكتب التي أنـزلها عليهم، وعالم الملائكة وعالم الجن، والأقدار التي ينتظرها الإنسان كالرزق والعمل وموعد الأجل، والحياة في البرزخ، وما سيحصل في آخر الزمان من فتنٍ و أشراطٍ للساعة، واليوم الآخر، وما فيه من جنةٍ ونار وحسابٍ وميزانٍ، والجنة والنار، وغير ذلك مما غاب عنا .

فحقيقيةُ الإيمانِ بالغيب هو: التصديق التام بما أخبر به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، المتضمِّنُ لانقيادِ الجوارح، إذ ليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس؛ لأنَّه لا يتميَّزُ بها المسلمُ من الكافر، إنَّما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن لخبر الله تعالى، وخبر رسوله، فهذا الإيمان الذي يتميز به المسلم من الكافر؛ لأنه تصديق مجرد لله ورسله، فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر به الله سبحانه، أو أخبر به رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، سواء شاهده أو لم يشاهده، وسواء فهمه وعقله، أولم يهتد إليه عقله وفهمه.

 بخلاف الملاحدة والمكذبين بالأمور الغيبية؛ لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم.

والإيمانُ بالغيب من أهم صفات عباد الله المؤمنين، حيث أثنى الله تعالى عليهم بقوله سبحانه:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنـزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنـزلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة :2ـ 5].

 خامسًا: آثار الإيمان بالغيب في عقيدة المسلم:

للإيمان بالغيب آثارٌ كبيرةٌ جدًا تنعكسُ على سلوكِ الإنسانِ وسيرته في الحياة، منها:

الإخلاصُ في العمل: فإنَّ المؤمن بالله وثوابه وعقابه سيمتثلُ أوامر الله، ويحذر من نواهيه، رغبةً في الثوابِ وخوفًا من العقاب في الآخرة، لا طمعًا في الجزاء والشكر الدنيوي من الناس، كما أخبر الله ـ تعالى ـ أنَّ من صفات المؤمنين :{ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا*إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا }[الإنسان : 8ـ 9].

القوة في الحق: فما وعدَ الله به المؤمن بالثواب والجزاء يجعله يسير في امتثال أوامر الله تعالى وبيانِ الحق والدعوة إليه، وبيان الباطل والتحذير منه ومحاربته، وإن لم يساعده أحدٌ من البشر، فهو قوي بالله ـ تعالى ـ، تهون عليه الحياةُ الدنيا وعذابها بجانب الحياة الآخرة، كما أخبر الله عن سحرة فرعون لما آمنوا كيف استهانوا بتعذيب فرعون لهم، وقالوا:{ قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[طه :72ـ73].

احتقار المظاهر الدنيوية: وهذا يكونُ نتيجة عمران القلب بالإيمان بزوال الدنيا وملذاتها، وأنَّ الحياة الآخرة هي حياةُ البقاءِ والسعادة، وليس من العقل تقديم الفاني (الدنيا) على الباقي (الآخرة)، يقول تعالى:{ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ، وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت : 64]. والحيوان هنا تعني: الحياة الحقيقية الدائمة التي لا موت فيها.

ذهاب الغِل والأحقاد: إنَّ السعي لتحقيق رغبات النفوس بغير طرائقها الصحيحة، يُورث الغل والأحقادَ بين الناس، والإيمان بالغيب من وعد الله ـ تعالى ـ ووعيده يجعل المرء محاسبًا لنفسه في جميع تصرفاته طمعًا في الثواب وخوفًا من العقاب.

والإيمان الصادق رغبة في الثواب يجعل النفس المؤمنة مندفعة إلى الإحسان والإيثار، طمعًا في الثواب الباقي، الأمر الذي تصفو معه النفوس وتسودُ المحبةُ بين الأفراد والجماعات.

 تلك بعض آثار الإيمان بالغيب، ولا تتخلَّف إلا بضعف الإيمان، وإذا تخلَّفت أصبح المُجتمعُ حيوانيًا يأكلُ فيه الغني الفقير، ويقهر القوي الضعيف، فيعم الخوف، وينتشر البلاء، وتتراجع الفضيلة، وتسود الرذيلة

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام