الخميس 01/08/1438 - الموافق 27/04/2017 آخر تحديث الساعة 10:08 ص مكة المكرمة 08:08 ص جرينتش  
تزكية

مفهوما القوّة والأمانة وأثرهما في الارتقاء الذّاتيّ (3)

1438/04/28 الموافق 26/01/2017 - الساعة 11:12 م
|


ما هو معنى القوّة؟

أما في لسان العرب، فيقول ابن منظور: (القُوَّةُ نقيضُ الضَّعف، والجمع قُوًى وقِوًى"، وهو معروف، وقيل: "القُوَّة الخَصْلة الواحدة من قُوَى الحَبل([1] أي الخيط الّذي تمّ فتلُه مع غيره من الخيوط ليكون حبلاً!

فهذا هو الأصلُ الحسّيّ الّذي أُخذ منه معنى القوّة، فنقول مثلاً: في هذا الحبل قُوىً أو قِوىً نقدِرُ بها على جرِّ هذا الشيء الثَّقيل، بدون أن ينقطع –أي الحبل-، وبناءً على ذلك جعلوا لكلِّ شيءٍ قوىً يُقدر بها على تحقيق الفائدة منه، كما نقول: إنّ في المغناطيس قوىً يقدر بها على جذب الحديد.

إذن: قِوى الشَّيء هي إمكاناتُه الذّاتيّة التي خلقه الله بها ابتداءً، أو اكتسبها كأنواع المعارف والعلوم والمهارات والفنون، وهي التي يتحقّق بها وجودُه الفعليّ.

وبناءً على ذلك نقول: إنّ في الإنسان قُوىً يقدرُ بها على تحقيق أغراضِه وأهدافِه في الحياة، بإذن الله تعالى، كما يقدر بها على القيام بسائر ضروب نشاطه الحيويّ والوظيفيّ.

فما هي القوى الإنسانيَّة؟

نعم، ما هي القوى الإنسانية الّتي يُحقّق الإنسانُ من خلالها وجودَهُ في هذه الحياة؟

والإجابة عن هذا السُّؤال المهمّ، تتضمّن تقريرَ حقيقةٍ من أكبر الحقائق، لطالما تردّد ذكرُها في علوم الإمامين الجليلين ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم، ألا وهي: أنّ للإنسان قوّتين: قوّة علميّة نظريّة، وقوة عمليّة إراديّة، وأنّ سعادته التّامّة موقوفةٌ على استكمال هاتين القوتين[2].

وتقوم كلُّ قوّةٍ من هاتين القوتين بوظائف معيّنة، بيد أنهما تتكاملان في وظائفهما لتصيرا قوّة واحدةً مهتديةً بطبيعة خلقتِها، يقول ابن تيمية: "وَهَذِهِ الْقُوَّةُ الْعِلْمِيَّةُ الْعَمَلِيَّةُ، الَّتِي تَقْتَضِي بِذَاتِهَا الْإِسْلَامَ مَا لَمْ يَمْنَعْهَا مَانِعٌ: هِيَ فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا"[3].

فما هي وظيفة كلٍّ من هاتين القوّتين؟ وما هي العلاقة بينهما؟

يقول ابن القيّم: "السائرُ إلى الله والدار الآخرة -بل كلُّ سائرٍ إلى مقصدٍ- لا يتمُّ سيرُه ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوَّتين: قوة علميَّة وقوة عمليَّة.

فبالقوة العلمية يُبصر منازلَ الطريق، ومواضعَ السُّلوك، فيقصدها سائرًا فيها، ويجتنبُ أسبابَ الهلاك، وآفات الطريق وقواطعه، والطرقَ المنحرفة عنه.

وبالقوة العملية يسيرُ ... في الطريق، قاطعًا منازلها منزلة بعد منزلة، حتى يبلغ غايته ومقصده"[4].

إذن، القوة العلميَّة (النّظرية)، وظيفتها العلمُ، باتّباع الطَّريق المؤدِّي إليه، إحساساً وتفكراً.

وأمّا القوة العمليّة (الإراديّة)، فتتمثّل في الإرادة والسّعي لتحقيق ما تمّ العلمُ به.

والعلاقة بين هاتين القوّتين: علاقة اقتضاء، بمعنى أنّ تحقُّق العلم، يقتضي انبعاثَ الإرادة الإنسانية تلقائيّاً لتحقيق العمل، كما سوف نرى بإذن الله تعالى.

المراجع

 



[1] لسان العرب: 15 /206.

[2] انظر على سبيل المثال: الفوائد ص18.

[3] مجموع الفتاوى: 4 /247.

[4] طريق الهجرتين ص171 بتصرف.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام