الجمعة 02/01/1439 - الموافق 22/09/2017 آخر تحديث الساعة 05:40 ص مكة المكرمة 03:40 ص جرينتش  
دعوة

الآثار الإيمانية والتربوية للمفهوم المنحرف لمصطلح العبادة

1438/04/30 الموافق 28/01/2017 - الساعة 04:34 م
|


من أخطر العبارات التي شاعت في مجتمعاتنا: الدين لله والوطن للجميع. أو ساعة لك وساعة لربك، أو اليد التي لا تقدر عليها قَبِّلها وادعُ عليها بالكسر، أو دعِ الخَلْقَ للخالق ويقصدون بها: لا تُنْكِرْ منكرا، ولا تسعى لإزالته، إلى غير ذلك من الجمل التي تتردد على ألسنة الناس، والتي تعبر عن جهل عميق، وسلبية مفرطة، وفقر في فهم نصوص الكتاب والسنة، وغياب الفهم الصحيح لمصطلح العبادة والعبودية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ مما نجم عن هذا انحرافات في سلوك وتربية كثير من المسلمين، وهو إن دل، فإنما يدل على جهل في فهم المصطلحات الإيمانية، وجهل في فهم مصطلح العبادة والعبودية؛ وأدى هذا إلى خلل وجرح في معرفة توحيد الله تعالى بأعمالنا وأقوالنا وتصوراتنا، ومشاعرنا وإيماننا وسائر حياتنا (مما اصطلح عليه: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وتوحيد الله تعالى بأفعال عباده - فكيف نفهم معنى العبادة، والعبودية لتستقيم حياتنا على هدي كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

إن علينا أن نعود إلى نصوص الكتاب والسنة نستقرئهما، ونستنبط منهما الفهم الصحيح لهذين المصطلحين؛ وبهذا يستقيم سلوكنا وإيماننا وحياتنا مهتدين بنور النورين.

لقد خلق الله الإنسان ليكون عبدا له لا لغيره "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"سورة الذاريات56. حصرا وقصرا لا ينصرف مقام العبودية والعبادة إلا للخالق جل في علاه؛ لكن مقام العبودية من أرفع الأوسمة الإلهية التي تمنح لعبد من عباد الله سبحانه. واقرأ قوله تعالى : (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من....) سورة الإسراء الآية:1. إنه مدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن وصفه ربه بأنه: عبد لله وحده ولم يصفه بأنه: عابد؛ فمقام العبادة جزء من مقام العبودية. ولما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء، ثم عاد إلى البيت خائفا أخذته زوجه – خديجة رضي الله عنها - إلى ورقة بن نوفل فاقرأ هذا الحوار بينهما: فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ" [رواه البخاري، باب كيف بدأ الوحي].

لقد فهم رسولنا أن تحقيق مقام العبودية يتطلب مجاهدة النفس والخلق وتطويعهما ليخضعا لإرادة الحق تبارك وتعالى، ومن هذا الإعلان الإلهي لرسوله اتضح أنه انتقل من تكاليف العبادة (كان يتعبد الله تعالى في غار حراء) إلى تكاليف العبودية، وهو جهد شاق ومتعب ولكن فيه سعادة يتذوقها من يحيا في مقام العبودية، وقد علم أنه سوف يخرج من مكة، وأُمِرَ بأن: (وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء 214، ثم وصف بأنه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء 107، وبين ربنا أنه: (لقد لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) الأحزاب 21، وكل هذه التكاليف تتطلب منه تحقيق مقام العبودية والعبادة.

يظن بعض العابدين أنه إن صلى، وصام، وزكى، وحج، وسبح وحمد واستغفر وكبر – وهي أذكار عظيمة بلا شك - بأنه قد حقق مقام العبودية لله تعالى، ونسي أو تناسى هذا المسكين بأن الحق سبحانه  لم يخلقنا لهذا فحسب، وإنما خلقنا لنحقق الغرض من قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) الآية 162 الأنعام؛ فالآية تشير إلى المقامين: مقام العبادة: صلاتي، ونسكي، ومقام العبودية: ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له.

 ومن السهل أن ينجح كثيرون في مقام العبادة (صلاة وصيام وحج وزكاة ووو) ويرسبون في مقام العبودية، وهو طاعة الله تعالى وحده والتخلص من الشرك الأصغر والأكبر. وإنك لتجد العُبَّاد يصلون إلى درجات عالية في هذا المقام، إلا أنهم في المقام الثاني يهبطون إلى درجات متدنية، وإن ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله تعالى والجهاد بنوعيه: جهاد النفس، وجهاد العدو يمحص العباد ويغربل البشر، ويميز الله به الخبيث من الطيب.

العبادة، وإن كانت تتطلب جهدا؛ لكنها لا تستعصي على أضعف الخلق؛ لكن مقام العبودية لا يقوى عليه إلا الذين يبايعون الله تعالى على نصرة دينه وتمكينه من أنفسهم، وتمكينه في أرض الله سبحانه؛ وهذا العمل الشاق الممتع يحقق المسلم به عبوديته لخالقه.

يشتكي كثير من الناس من سوء الخلق لدى بعض المسلمين، أو يشتكون من معاملاتهم ويصفونهم بأنهم كثيرو الصلاة والصيام ووو؛ فهؤلاء لم يفهموا بأن الحكم على صحة إسلام الناس ووكمال إيمانهم يتجلى في تطبيقهم لمقام العبودية للحق تبارك وتعالى. وهذا المقام يندرج تحته مقام العبادة. "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" (رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وصححه الألباني).

وعن معاذ بن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أعطى لله تعالى، ومنع لله، وأحب لله وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل الإيمان" (رواه أحمد (4/440) والترمذي(2521)، وحسنه، وحسنه الألباني لوجود شواهد تقويه). 

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت :كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه .. قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟! ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يا عائشة أفلا أكون عبدا شكور) (رواه مسلم)، ولم يقل عابدا!

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنَّ نبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقومُ منَ الليلِ حتى تتفَطَّرَ قدَماه، فقالتْ عائشةُ: لِمَ تَصنَعُ هذا يا رسولَ اللهِ، وقد غفَر اللهُ لك ما تقدَّم من ذَنْبِك وما تأخَّر؟ قال: (أفلا أُحِبُّ أن أكونَ عبدًا شَكورًا)، وفقال عبدا، لم يقل عابدا!  (والحديث متفق عليه، وهذا لفظ البخاري).

ولما طلب عمر رضي الله عنه من مستقضِ أن يأتي له بمن يشهد على صدقه، قال له عمر - للشاهد –هلا سافرت معه! هلا آكلته! هلا شاربته! هلا عاملته بالدرهم والدينار!، فلما قال له:  لا قال عمر – رضي الله عنه -: اذهب فإنك إذن لا تعرفه؛ لعلك رأيته يطأطئ رأسه في المسجد.

إن هذا الموضوع جد خطير، ولقد التبس فهمه على كثير من الناس الطيبين والخبيثين،  حتى ظن بعض العباد أنه بعبادته أخذ صكا لدخول الجنة، كما وجد بعض الخبثاء في سلوك بعض العباد الذي يخالف دين الله تعالى مطعنا في دين الله تعالى من خلال انحراف بعض العابدين عن هدي الله ورسوله الذي يرغب الناس في مقام العبودية، وهو المقام الذي تتطلع إليه الأفئدة وتهواه، وتحقق به الغاية من خلق الله للإنسان.

 أرجو ألا يفهم بعض القراء أنني أقلل من أهمية العبادة، ولكني أحببت أن أوضح مفاهيم خاطئة أضع من خلالها الفهم الصحيح للمصطلحات الشرعية التي انحسر مفهومها عند الناس، أو تقزم أو انحرف. والدين كل لا يتجزأ. ولعلي أعود إلى الموضوع أسلط عليه مزيدا من الضوء إن شاء الله تعالى، وقد أتوسع في شرح معنى الرياء الجلي والخفي وغيره من القضايا التي تتصل بالموضوع وحيثياته ودروبه ومنعرجاته.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام