الخميس 04/11/1438 - الموافق 27/07/2017 آخر تحديث الساعة 03:54 م مكة المكرمة 01:54 م جرينتش  
تزكية

مفهوما القوّة والأمانة وأثرهما في الارتقاء الذاتيّ (4)

1438/05/21 الموافق 18/02/2017 - الساعة 04:27 م
|


معنى صفة القوَّة في الآية القرآنيَّة!

إذا عدنا إلى ما ورد في الآية القرآنية من قوله تعالى مُخبراً عن إحدى المرأتينِ: "{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ}، وما ورد في تفسير ذلك على لسانها، أنها قالت: "أما قوّتُهُ: فما رأيتُ منه حين سقى لنا، لم أرَ رجلاً قطُّ أقوى في ذلك السَّقي منه ".

وورد في تفسير البغوي، أنّها قالت: "أمَّا قوته: فإنَّه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعُه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون رجلاً" .

الملاحظ أنّها نوَّهت بقوّته الجسديّة، لا بقوّته النفسيّة، ولكن من الّذي يخفى عليه رؤيةُ قوّته النفسية من خلال المشهد كلّه، إذ إنّه ما تجشّم مشقّةَ رفع الصّخرة الكبيرة إلا من أجل أن يسقي لهاتين الفتاتين! ولم يكن يرجو بذلك أجراً ولا ثواباً!

إضافةً إلى أنّ الموقف، كان يقتضي إبراز هذه القوة الجسدية، إذ لم يكن بإمكانه أن يسقي لهما، إلا بإزاحته لهذه الصَّخرة، ولم يكن بإمكانه إزاحتُها بمجرد التّمني!

ثمّ إنّ القوة الجسديّة، تابعةٌ في عملها للقوّة النفسيّة، فهي بدونها ليست شيئاً ذا قيمةٍ، فقوة الجسد هي الآلة التي تستخدمها قوّة النفس لإحداث ما تُريده بها، وكما قيل:

                 إذا كانت النُّفوس كباراً         تعبت في مرادها الأجسامُ

فإن لم تكن النّفس قويّةً لما حرّك موسى عليه السلام ساكناً، ولاكتفى في أحسن الأحوال بأن يُعبّرَ للفتاتين عن موقفه المتعاطف معهما، ثم يعتذر لأنه لا يملك أن يفعل شيئاً إزاء حمل الصخرة الثقيل!

إذن، القوة في الحقيقة هي قوّة النفس، بما تتضمنه من قدرةٍ على العلم، وما ينبثق بناءً عنها من إرادة نحو الفعل، فلو لم يكن ذلك العلمُ الصحيح، وتلك الإرادة الماضية، لما كان ذلك العمل الشَّهم الذي قام به موسى عليه السلام!

إذن، في قوله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ} القويُّ، هو الذي سما وعيُه وعقله برصيدٍ من العلوم الفاضلة، وهو الّذي طمحت نفسُه نحو الرّقيّ ومعالي الأمور تدفعها إرادةٌ ماضية.

إذن: (القوة) مفهومٌ يُشير إلى (القوّى النفسية)، وهي قوتان: علميّة نظرية، وعمليّة إرادية، فهذه (القوة النفسية) بشقَّيها، هي ما يصدر عنها كلُّ سلوك الإنسان وتصرّفاته.

فلذا ينبغي للعاقل أن يجتهد ابتداءً بالوعي بهاتين القوتين، ثم الوعي بسبيل تربيتهما وزيادة قدراتهما، كما سوف نرى في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام