السبت 28/03/1439 - الموافق 16/12/2017 آخر تحديث الساعة 09:29 م مكة المكرمة 07:29 م جرينتش  
تزكية

مفهوما القوّة والأمانة وأثرهما في الارتقاء الذّاتيّ (6)

1438/06/03 الموافق 02/03/2017 - الساعة 08:50 ص
|


استكمال القوّة العمليّة

قد رأينا فيما سبق: أنّ العلم الشَّرعيّ هو القاعدة التي ينبغي أن يؤسِّسَ عليها المرءُ (قوته العلمية)، وأنّ ذلك يقتضي من المسلم أن يتزوّد برصيدٍ من المعرفة العلمية التجريبية، التي أفاء الله بها على البشرية، ثمرةً لاجتهادها في البحث والتجربة والنظر في الكون! ولله درُّ من نبّه إلى "العلاقة بين كتاب الله المتلوِّ المنزل من عنده، وكتاب الله المنظور المصنوع بيده، كتابِ هذا الكون الذي تراه العيون، وتقرؤه القلوب، وكلا الكتابين قائم على الحق وعلى التدبير"[1].

فإذا أسّس المرءُ قوّته العلميّة على هذه القاعدة المتينة، فإنّه يكون قد هيّأ نفسه لاستكمال القوّة الأخرى، ألا وهي (القوَّة العمليَّة الإراديّة)، فكيف يستكمل المرءُ هذه القوّة؟

يقول الإمام ابن القيم:

"استكمال القوة العمليَّة الإراديَّة، لا يحصُل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد، والقيام بها إخلاصاً وصدقاً ونُصحاً وإحساناً ومتابعةً وشهوداً لمنَّته عليه وتقصيره هو في أداء حقِّه"[2].

وأصول ذلك: الاجتهاد في التحقّق بالتقوى، والشعور بالخشية من الله عزّ وجلّ، وما يقتضيه ذلك من إقامة الصَّلاة والذّكر وتلاوة القرآن.

ومِلاكُ ذلك كلِّه: الاهتمامُ بواجب الوقتِ.

إذا كانت الغاية من خلق الإنسانِ، هي عبوديّة الله تعالى، فإنّ هذه الغاية لن تتحقّق إلا بأن يعرف العبدُ بأنّ كلّ وقتٍ من أوقات حياته يمرُّ به، يقتضي منه عبوديّةً معيّنة، ومن ثمّ يجتهد في ملء فراغ أوقاته، بما تقتضيه من العبودية والعمل الذي لا يصلح في ذلك الوقتِ إلا هو: فأفضل العبادات عند دخول وقتِ الصلاة: الصلاةُ، وعند إعلانِ الجهادِ: الجهادُ، وعند حضور الضيف: القيامُ بحقه. وفي أوقات العمل الوظيفيّ: استفراغُ الوُسع في القيام بواجباته على أكمل وجهٍ! ... إلخ[3]، فعلاقة (واجب الوقت) بالقوة العملية الإراديّة، هي أنّ الوقت قد يقتضي واجباً معيّناً، ولكنّ الشيطان يجتهد في صرف النّفس إلى ما ليس بواجبٍ، فلذا ينبغي على المرء، أن يجتهد في تربية قوته العمليّة، على التّصدّي لما هو واجبٌ في كلِّ وقتٍ، وأن لا يصرفه عنه صارف، ولو أنّ الإنسان في قيامه بما هو مكلّفٌ به من الولاية، سواءٌ كان طالباً أو موظفاً أو ربّ أسرةٍ، أو في أيّ موقع من مواقع الحياة، اجتهد في التّصدي لكلّ ما يقتضيه الظرفُ الواقع من واجباتٍ، لكان حريّاً بأن يكون من أولي القوّة.

وعموماً كما يقول ابن القيم، فإنّه لا سبيلَ للإنسان إلى "استكمال هاتين القوتين"، إلا بمعونة الله عزّ وجلّ، فالإنسان مضطرٌّ إلى أن يهديه الله إلى الصِّراط المستقيم "الذي هدى إليه أولياءه وخاصَّته، وأن يُجنِّبه الخروج عن ذلك الصراط، إما بفساد في قوته العلمية فيقع في الضَّلال، وإما في قوته العَمليَّة فيوجب له الغضب"[4]، بيد أنّ على الإنسان أن يسعى إلى استكمال هاتين القوّتين، وممّا يُعينه في هذا المسعى الجليلِ: أن يعرف الآليّة والطريقة التي تعمل بها هاتان القوّتان في نفسه، وهو موضوع الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.

المراجع



[1] في ظلال القرآن: 6 /409.

[2] الفوائد ص 19.

[3] راجع مدارج السالكين: 1/88.

[4] الفوائد ص 19.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام