السبت 07/03/1439 - الموافق 25/11/2017 آخر تحديث الساعة 12:16 م مكة المكرمة 10:16 ص جرينتش  
مقالات

المتطرفون والمشتركات القذرة

1438/06/12 الموافق 11/03/2017 - الساعة 05:09 م
|


الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده. وبعد:

قد يبدو لك أصحاب الفكر المتطرف متباعدين ومتعادين جدا ، مَن كان منهم متطرفاً باتجاه التكفير وما يعقبه من تفجير وتدمير ؛ والمتطرف باتجاه التصنيف والتبديع ، وما يترتب على ذلك من تشظية وتمزيق ، والمتطرف باتجاه مزاعم الحرية وما ينتج عنها من فوضى وانحلال واستعباد للأجنبي ؛ والمتطرف في جانب الحزبية وما تمليه على صاحبها من تهوين من شأن السمع والطاعة في مقابل مصالح الأحزاب ومتطلباتها ؛ ولكن الحقيقة التي تتكفل المواقف دائماً بإظهارها : هي أن هناك عدداً من المشتركات بين هؤلاء المتطرفي تتطلبها محاربةُ كلٍ منهم لمن يقف في وسط الدائرة وهو الذي عادة يكون المحور الذي يحمل شراع السفينة أوسقف القصر على كاهله ؛ وهو محل ثقة الأمة تستشرف رأيه وتنظر أين يضع عينيه وقدمه في الملمات .

فهذا الواقف في الوسط هو العقبة العظمى أمام مشاريع المتطرفين ؛ فالتكفيري لا يتمكن مع وجود هذا المؤمن بعدل الإسلام وسِلميته ورحمته وحمكته ويسره من نشر فكر البغضاء والكراهية والانتقام والتدمير ؛ والمتطرف في الجانب الليبرالي يَحُولُ الواقفُ في الوسط ، بينه وبين إنجاح مشروع استعمار الأمة الفكري وذوبانها القِيَمِي وانهيارها الأخلاقي ؛ والمتطرف في جانب التبديع والتفسيق والتصنيف يجد في المتوسطين حائلا ً بين أعين الناس وبينه ، فهو لضيق أفقه لا يملك مشاريع يخدم فيها أمته ، وهو لتلطعاته الذاتية لا يجد من الناس ما يحقق غروره في ذاته ؛ والمتطرف في جانب الحزبية يجد في هؤلاء الوسطيين ما يحول بينه وبين تسزيب مفاهيم الثورة والاستخفاف بالسمع والطاعة في المنشط والمكره في غير معصية لله .

فكل هؤلاء المتطرفين لا يجدون بداً من الاشتراك في رمي الواقفين في نقطة الارتكاز ليسقطوهم ولو اقتضى الأمر أن يقفوا سوياً وفي خندق واحد ومعركة واحدة متناسين جميع خلافاتهم وعداواتهم .

يسعى هؤلاء جميعاً للتفتيش في كل جوانب حياة العلماء والدعاة أصحاب التوسط الفكري لإبراز أخطائهم ؛ ووجودُ الأخطاء في حياة العاملين الصادقين شئ طبعي لأنهم يعملون ، ومن يعمل لابد أن يخطئ ، لكن هؤلاء لا يزعجهم مثل العمل ؛ ويريدون أن يُغَطُّوا الأعمال الجليلة بالنفخ في الأخطاء اليسيرة التي لا يخلوا منها عامل ؛ فإذا لم يجدوا خطأ بيِّناً ضخموا المواضع المشتبهة من تصرفات أهل الوسط حتى ينظر إليها الناس وكأنها أخطاء قطعية لا مجال فيها لاشتباه أو تأويل ؛ وإذا لم يجدوا أمراً مشتبهاً لم يستحيوا من الله أو مما تبقى معهم من مروءة من تصوير النجاحات على هيئة أخطاء ، وقلب الحقائق وانتحال الأكاذيب .

وكثير منهم يسيرون ضمن مشروعٍ فَضَحَه تقرير راند المسمى “الإسلام المدني الديمقراطي ” حيث قال في التوصيات ”تشجيع الإعلاميين العرب الذين يعملون في وسائل الإعلام واسعة الانتشار , لإجراء تحقيقات وتقديم تقارير عن حياة قيادات المتشددين الخاصة وفسادهم الأخلاقي والمالي وتسليط الضوء على الحوادث التي تشير إلى وحشيتهم مثل الحادثة التي أدت إلى وفاة عدد من التلميذات في حادث حريق عندما منعت الشرطة الدينية رجال الإطفاء من إجلاء البنات من مدرستهم المحترقة بحجة أنهن لسن محجبات هذا إلى جانب نفاقهم الذي يتمثل في منع المؤسسة الدينية السعودية العمال الأجانب من تلقي صور فتوغرافية لأطفالهم حديثي الولادة وذلك بحجة أن الإسلام يمنع صور الآدميين بينما يزينون مكاتبهم بصور ضخمة للملك فيصل وغيره , كذلك تسليط الضوء على دور المنظمات الخيرية في تمويل الإرهاب والتطرف والذي أصبح أكثر وضوحا بعد الحادي عشر من سبتنبر ولكنه يحتاج إلى المزيد من العمل في هذا الاتجاه وإجراء التحقيقات الرسمية”.

فانظر إلى هذه التوصية وكيف تضمنت أقاصيص ثبت كذبها ، ومع ذلك تراها منذ صدورها دستوراً يعمل عليه كل هؤلاء الفرقاء من المتطرفين ، بدءاً من حملتهم قبل عشر سنوات ضد الشيخ صالح اللحيدان وانتهاء بحملتهم هذه الأيام ضد الشيخ عبد العزيز الفوزان ، مروراً بالعديد من الأسماء يجمع بينها أنها تقف جميعاً ضد التطرف حيث كان ، وتقف مع الوطن حقيقة لا تزويراً.

ولما كان للإعلام سطوته على العقول ، فإن كثيرين من الأحبة الطيبين قد توقعهم أمثال هذه الحملات في شراكها ، حيث تستخدم شعارات يؤمن بها الجميع كالغيرة على الدين ونبذ الحزبية واجتناب ما حرم الله ؛ وما ذاك إلا لاصطياد الجماهير ؛ مع أن حاملي هذه الشعارات وهم يصطادون العقول بها ، هم في مشاريعهم الميدانية أبعد الناس عنها ، بل هم الساعون من أجل تدميرها.

أحد هؤلاء الغيورين الطيبين الذين أوقعتهم شبكة الإعلام الرخيص في شباكها كان لي معه هذا الحوار ، أسوقه كما هو :

سألني الرجل : كيف يحرم اختلاط الرجال بالنساء في السعودية ويجوز في أوربا؟

فأجبته : ليس الأمر كما تقول ، بل أصل الاختلاط بين الرجال والنساء في أماكن العمل والدراسة ، وكذلك في كل مكان يعظم فيه احتمال الفتنة وإحداث علاقة مباشرة بين الرجال والنساء :حرام في أي أرض وتحت أي سماء ؛ كسائر ما حَرَّمَتْه الشريعة لذاته كالخمر والزنا والربا ؛ أو حَرَّمَتْه لِغَيره ، أي : لكونه يُفْضِي إلى مُحَرَّمٍ أعظم ؛ كمجالسة من يعاقرون الخمور ،وخلوةِ الرجل بالمرأة الأجنبية ، والتبايع بالعينة ؛ فكل ما حُرِّم لعينه ،أو لكونه وسيلة لغيره من المحرَّمات، فالحُكْم فيه واحد لا يتغير في كل مكان من الدنيا.

هذا هو الأصل ؛ وهو ما يقتضيه كون الشريعة واحدة في كل زمان ومكان .

فقال : وأين ما يُقَال عن مُرونة الشريعة وكونها صالحة لكل زمان ومكان ؟ فعلى قولك هذا، لا يمكن أن نَصِفَها بالمرونة ، ولا بمواءمة حال الزمان والمكان !

فقلت : تظهر مرونة الشريعة في إباحتها ما هو مُحَرَّم لذاته عند الضرورة ، وبقدر ما تقتضيه الضرورة دون زيادة ؛ وكذلك إباحتها ما كان مُحَرَّماً لغيره للحاجة ، وبالقدر الذي تندفع به الحاجة دون زيادة .

فقال : وما الفرق بين الضرورة والحاجة ؟

فأجبت : بأن الضرورة هي :وشك الهلاك بموت أو ذهاب دين أو استباحة عرض ؛ فمن كاد يموت جوعا ولم يجد سوى لحم ميتة جاز له أكل ما يدفع خطر الموت عنه وحرُمَ عليه أكل ما فوق ذلك ؛ ومن صال على عرضه مجرمٌ، ولم يمكن دفعه إلا بالتعدي على جسد ذلك المجرم ، جاز له التعدي عليه بالقدر الذي يندفع به هذا الصائل ،وحرم ما فوق ذلك ؛ وأما الحاجة : فما يحصل الضرر بتركها دون أن يؤدي هذا الترك إلى فوت حياة أو دينٍ أو عرض ؛ كرجلٍ أصابه مرض أو امرأة فلم يجد طبيباً يُعَالجه ، أو طَبِيبَة تعالجها ؛ فيجوز للرجل العلاج عند طَبِيبَةٍ ، وللمرأة العلاج عند طبيب ؛ شريطة أن يقتصر العلاج على موضع الحاجة وزمانها دون زيادة .

 

قال محاوري: فَهِمْت من كلامِك: أن الاختلاط قد يكون مباحاً في بلادنا للحاجة ؟

قلت : نعم .

قال : وما مثالها ؟

قلت : الغالب على مستشفياتنا الاختلاط بين الرجال والنساء ، وهو حال غير صحيح ، نبه علماؤنا كثيراً على ضرورة تغييره ؛ وكان لوزير الصحة السابق الدكتور عبدالله المانع مشروع نوعي لتخصيص مستشفيات للنساء ، لكن لم يتم البدء به حتى اليوم ؛ وفي ظل هذه الحال الخاطئة هل يسعُنا القول للرجال أو للنساء :لا تذهبوا للمستشفيات لوجود الاختلاط ؟

الجواب بالتأكيد : لا ؛ بل يجوز للجنسين الذهاب للمستشفيات للحاجة ، ولا يمنع ذلك من البقاء على الفتوى بأن الأصل في الاختلاط التحريم ، وأننا نطالب ونسعى إلى تغيير الوضع القائم .

وبذلك لا يمكنني حين أرى عالِماً شرعياً ، أو داعية ، أو رجلاً متديناً في إحدى المستشفيات أن ألومه على الاختلاط مادام يقوم بذلك في حدود الحاجة دون زيادة ؛ بل عليَّ أن ألوم من تسبب في تأخير تنفيذ المشروع النوعي الذي صدر قبل سنوات لتجنيب مستشفياتنا مغبة الاختلاط المُحَرَّم .

قال محاوري : إذاً ترى أن الحرج في أوربا أشد اتساعاً حين تدعو الحاجة إلى الاختلاط ؛ لعدم قدرتنا على التغيير أو الإنكار ، كونَ أنظمتهم ودينهم وعاداتهم ، كلها لا ترى في ذلك بأساً ؟

واستطرد : وفهمت منك أيضا : أن إنكار العالم لأي مشروع يدعو إلى الاختلاط في بلادنا لا يتنافى مع الوقوع اضطراراً أو حاجة في الاختلاط ؛ سواء أكان ذلك في بلادنا أم في أوربا؟

قلت : نعم ، ويبقى الأمر كذلك للحاجة فقط ،وبقدرها دون زيادة ؛ ولا نستغل كون النظام في أوربا بهذا الشكل لنتوسع فنجعل أمور الرفاهية بمثابة الحاجة ؛ ولا نقول بما أن الاختلاط واقع في أوربا فينبغي أن يكون كذلك الأمر عندنا.

ثم أردفتُ : ولكن ماالباعث على سؤالك؟

قال : الباعث على سؤالي هو ذلك المقطع الذي شن البعض بسببه حملة شعواء على الشيخ الدكتور عبدالعزيز الفوزان ، ويظهر فيه الشيخ في منصة بتسلم جائزة وقريب منه امرأة في لباس لا يسر .

قلت : أليس حسن الظن هو الأولى بالمؤمنين ، والاعتذار لهم هو خلق المرسلين ؟

قال : بلى .

قلت : فما بال المُشَنٍّعين الزاعمين الغيرة على أخلاق الدين لم يعملوا بهذه الأخلاق ، فيكفوا عن عرض أخيهم ويحملوا ما رأوه على حسن الظن به ، سيَّما وهم لم يروه منه تجاه المرأة الواقفة عملاً منكراً وحاشاه إن شاء الله ؛ فهل انعدمت محامل الخير وحسن الظن في هذا الموقف ؟

فأجاب : أصدقك القول : إن المحامل الحسنة عديدة ، ككونه لم يعلم بهذا التنظيم وفوجئ به ، أو علم واشترط التغيير ، لكنه فوجئ بأنهم لم يستجيبوا لطلبه ؛ أو أن الشيخ يرى استلام الجائزة بنفسه مكسباً للقناة ، حيث تساهم الجائزة في إشهار القناة وتعريف أكبر عدد من الناطقين بالإسبانية بها ، أو أنه لو لم يتسلم الجائزة بنفسه يتم حجب الجائزة عن القناة ، أو يحدث إشكال بين القناة وبين السلطة الإسبانية ؛ كل هذه المعاني وغيرها محتملة ويسهل تصورها.

فقلت: ومادام من يشنون الحملة على الشيخ يزعمون الغيرة على الدين فلِمَ لَم يعتذروا له بها، أليس ذلك شاهداً على سوء المقصد ؟

قال : بلى .

قلت: هل رأيت أو سمعت من القائمين على هذه الحملة من دعا إلى إعطاء القناة جائزة في بلادنا ، حيث إن الشيخ عبدالعزيز الفوزان مواطن سعودي ونجاحه نجاح للوطن والمواطن والدعوة والدعاة ؟

قال : لم أسمع من أحد منهم مثل ذلك .

فقلت : إذاً لتعلم : أن هؤلاء الماكرين هم ما بين داعشي أو قاعدي رأى في الحملة على الشيخ فرصة للانتقام منه ، حيث كان من أجرأ الناس في الإنكار عليهم ، وتحمل من أجل ذلك الكثير من الأذى ، وفرصة لإسقاطه ومن كان مثله من الدعاة من أعين الشباب حتى لا يلتفتوا إلا لمن يفتيهم بضلالات التكفيريين .

أو متطرف في مزاعم الليبرالية يرى في إسقاط الشيخ عبدالعزيز الفوزان إسقاطاً لطائفة من الدعاة ممن يَشُدُّون من أزر المجتمع في ممانعته ضد المشروع الأمريكي للعولمة بجميع آلياته ؛ ذلك المشروع الذي لا يمكن تطبيعه في مجتمع مسلم سلفي التوجه مالم يسقط العلماء المؤمنين بأصالة القيم الإسلامية .

أفهم جيداً أن بعضاً ممن يتبنون التوجه السلفي قد يختلفون مع الدكتور عبدالعزيز الفوزان في بعض طرحه في المعاملات المصرفية أو في الرأي السياسي فيما يتعلق بتقييم سياسات بعض الدول العربية والإسلامية ، أو في بعض وجهات نظره في الإعلام السياسي ومراعاة حال المخاطَب في المادة المعروضة ؛ أو يخالفونه في أي جزئية كانت

أتفهم هؤلاء ، لكنني أنبههم إلى أن هذه الحملات ضد المشايخ والدعاة بعيدة جداً عن أي اختلاف فروعي بينكم وبين الشيخ الفوزان ، إن هذه الحملات لا تذكرني إلا بقصة الثيران الثلاثة فأرجو منهم أن يتذكروها معي.

دمحمد بن إبراهيم السعيدي

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام