الجمعة 26/11/1438 - الموافق 18/08/2017 آخر تحديث الساعة 01:40 م مكة المكرمة 11:40 ص جرينتش  
تزكية

مفهوما القوّة والأمانة وأثرهما في الارتقاء الذّاتيّ (7)

1438/06/15 الموافق 14/03/2017 - الساعة 09:49 ص
|


آليَّةُ عمل القوّة النفسيَّة (1/2)

يُمارسُ الإنسانُ نشاطه الحيويّ من خلال قُوّته النفسيَّة، وهذه القوّة النفسيّة بدورها تتكوّنُ من قوَّتين فرعيّتين: القوّة العلميّة النظريّة، ومركزها في العقل، والقوّة الإراديّة العمليّة، ومركزها في القلب.

من هاتين القوّتين معاً، يتشكل شيءٌ اسمه "إرادة الإنسان العاقل"، هي التي تحدّدُ مصير الإنسان، وتضبط سلوكه وخياراته، ضمن المشيئة الإلهيّة المطلقة.

"إرادة الإنسان العاقل" تلتئم من قوّة العقل الواعية المدركة، ومن قوّة القلب ذات الطاقة الإنسانيّة المحرّكة:

-فالعقل يعلمُ ويُدرك ويفهم، وهذا وحده لا يكفي للارتقاء والتطور،

-والقلبُ يتوجّه بالإنسان نحو جهةٍ محدّدةٍ يُريدها، وهذا الاتجاه الإراديُّ وحده لا يكفي للهداية واتخاذ السلوك الصّائب،

إذن فلا بد من العنصرين كليهما، حال التئامهما في "إرادة الإنسان العاقل"، ولعلّ ابن القيّم، قد كان يستدلُّ على هذا المعنى بسورة العصر: {وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3]، فقال: )أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ خَاسِرٌ إِلَّا مَنْ كَمَّلَ قُوَّتَهُ الْعِلْمِيَّةَ بِالْإِيمَانِ، وَقُوَّتَهُ الْعَمَلِيَّةَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَكَمَّلَ غَيْرَهُ بِالتَّوْصِيَةِ بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ، فَالْحَقُّ هُوَ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ، وَلَا يَتِمَّانِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِمَا، وَالتَّوَاصِي بِهِمَا)[1].

فقولنا: "إرادة الإنسان العاقل" يُضاهي قوله: (الحقُّ هو الإيمان والعمل).

فعندما تكون هذه الإرادة في أوج قوّتها، تكون قائمةً على الحقِّ، جامعةً بين الإيمان والعمل. والعكس صحيح.

ملخّص ما سبق أعلاه: أنّ الإنسانَ يمارس نشاطه الحيويّ من خلال قُوّته النفسيَّة المزدوجة: العلميّة النظريّة (في العقل/الدّماغ)، والإراديّة العمليّة (في العقل/القلب). فالعقل الدماغ يعقلُ المعاني ويقيِّدها، والعقل القلبُ يعقل السّلوك ويضبطه.

والآن نُضيف هذه الحقيقة:

أنّ السّلوك الإنسانيّ في العادة يبدأ من (القوّة العلمية)، وذلك عندما ترتسم في ذهن الإنسانِ فكرةٌ معيّنة.

ثمّ إنّ هذه الفكرةَ، عند تعمُّقها وإعمال النظر فيها، تتسرّبُ إلى القلبِ، ليتّخذ بناءً عليها موقفاً إراديّاً عمليّاً، وذلك هو مقتضى كلام الإمام ابن القيّم، قال: (فإنَّ النفسَ متحركةٌ بالإرادة، وحركتُها الإراديَّة لها من لوازم ذاتها، والإرادة تستلزم مراداً يكون متصوَّراً لها متميِّزاً عندها، فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتُريده تصوَّرت الباطلَ وطلبته وأرادته ولابد([2].

لاحظ قولَ ابن القيم: )والإرادةُ تستلزمُ مراداً يكون متصوَّراً لها متميِّزاً عندها(، يعني: القلبُ إنما يتوجه نحو فكرةٍ تمّ تصوُّرها وتمييزها أولاً.

إذن: متى تحقَّق العلم الصَّحيح في القوة العلميَّة، فإنّه يقتضي انبعاث الإرادة الإنسانية بإذن الله سبحانه وتعالى نحو تجسيد ذلك العلم في صورة عمل واقعيٍّ، أو كما يقول ابن تيمية في شرحه لعمل هاتين القوّتين والعلاقة بينهما، يقول: (فَالْمُؤَثِّرُ التَّامُّ يَسْتَلْزِمُ أَثَرَهُ: فَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ أَثَرُهُ لَمْ يَكُنْ تَامًّا، وَالْفِعْلُ إذَا صَادَفَ مَحَلًّا قَابِلًا تَمَّ وَإِلَّا لَمْ يَتِمَّ، وَالْعِلْمُ بِالْمَحْبُوبِ يُورِثُ طَلَبَهُ، وَالْعِلْمُ بِالْمَكْرُوهِ يُورِثُ تَرْكَهُ؛ وَلِهَذَا يُسَمَّى هَذَا الْعِلْمُ: الدَّاعِيَ، وَيُقَالُ: الدَّاعِي مَعَ الْقُدْرَةِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَقْدُورِ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمَطْلُوبِ الْمُسْتَلْزِمِ لِإِرَادَةِ الْمَعْلُومِ الْمُرَادِ)[3].

إذن، فالعلاقة بين (قوّة العلم)، و(قوّة الإرادة)، هي علاقة اقتضاء، الأولى تقتضي الثّانية، وعندذاك تتشكّل من كليهما: "إرادة الإنسان العاقل".

وكما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في النص أعلاه، فإنّ التلازم بين هاتين القوّتين، وهذا الاقتضاء، إنما تظهر نتيجته إذا لم يقم المانع، وإلاّ فقد يتحقق العلم، ولا تنبعث الإرادة لقيام مانع من كبر أو هوى أو غيرهما، ولهذا قال الله تعالى في فرعون وملئه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (النمل: 14)، ولهذا تجد في واقع الناس من يعلم الحق لكنه لا يعمل بمقتضاه، ولا تنبعث نفسه إليه، ولا يجد رغبة فيه، وهذا ملاحظ في شؤون الدنيا والآخرة، ومن أسباب ذلك قيام الموانع المعارضة.

والمقصود أن القوّة النفسية جهاز إنسانيّ منتج للعمل الصالح، إذا كانت الفطرةُ سالمةً من الموانع والعِلل، أو منتجٌ للعمل الطّالح، بحسب ما يُصيب الفطرة من الفساد، يقول ابن تيمية: "وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ مَعَ صِحَّةِ الْفِطْرَةِ وَسَلَامَتِهَا، وَأَمَّا مَعَ فَسَادِهَا، فَقَدْ يُحِسُّ الْإِنْسَانُ بِاللَّذِيذِ فَلَا يَجِدُ لَهُ لَذَّةً بَلْ يُؤْلِمُهُ، وَكَذَلِكَ يَلْتَذُّ بِالْمُؤْلِمِ لِفَسَادِ الْفِطْرَةِ"[4].

وممّا يؤكد الطبيعة الآليّة الموضوعيّة، لهذه القوة النفسية: أنّها تعمل في كلّ الأحوال، لا تتوقف أبداً، وكما يقول ابن القيّم: (إن استعمل قوته العلمية في معرفة الحق وإدراكه، وإلا استعملها في معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل، وإن استعمل قوته الإرادية العملية في العمل به، وإلا استعملها في ضدِّه، فالإنسان حارثٌ همَّامٌ بالطبع، كما قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (أصدق الأسماء: حارث وهمَّام)[5].

إنّ "إرادة الإنسان العاقل"، هي مناط التكليف، ويمكننا أن نسميها بالعقل، إذا قصدنا بالعقل معناه اللغوي، الذي يشمل عقل الأفكار في الذهن وتقييدها، كما يشمل عقل السلوك والمواقف وضبطها.

"إرادة الإنسان العاقل" هي مناط التكليف، وهي التي تستحقُّ أن توصف بأنّها مَلكُ المملكةِ الإنسانيّة، خلافاً لأبي حامد الغزالي الذي رأى أنّ ملك المملكة الإنسانية، هو القلبُ، متأثّراً في ذلك برؤيته الصوفية، وتبعه في ذلك من تبعه من علماء السلف، متأثرين في ذلك بالحديث الشريف: ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))[6].

ونتّفق معهم: أنّ القلب هو أعظمُ شيءٍ في الإنسان، ثمّ نسألهم سؤالاً بسيطاً: أيُّهما أعظم في المملكة: عقيدتُها وثرواتها، أم ملوكها وأمراؤها؟

فمن الواضح أنّ إرادة الإنسان العاقلة، هي الملكُ الحاكم على مملكة الإنسان، بيد أنّ القلبَ هو أعظم شيءٍ في هذه المملكة.

وأكبرُ دليلٍ على ذلك –أي على أنّ العقلَ هو الملك، أنّه يُشرفُ على أهم الأمور المتعلقة بالقلب، ألا وهو أمرُ تزكيته وتطهيره: فالعقل هو الّذي يُدرك عبر الإحساسات الباطنة، أنّ القلب قد أصابه ضعفٌ في الإيمان، وعندئذٍ يتذكر أنّ علاج هذا الضعفِ، هو الاستغفارُ والذِّكر ومناجاة الرَّحمن بتلاوة القرآن.

نعم، عندما يزكو القلبُ، ويدرُجُ في مدارج الإيمان، تنداح أنوارُه على مملكةِ الإنسان، طمأنينةً واستقراراً وعملاً صالحاً، وعندئذٍ يرتقي العقلُ ليواكبَ هذه المرحلة الجديدة من حياة الإنسان، وليستشرف منها إلى مقامٍ أعلى، أو على الأقل: يجتهد في الثَّبات على هذا المقام، وعدم النكوص عنه مرّة أخرى.

هذا وفي الحلقة القادمة بإذن الله، نقدّم مثالاً تطبيقيّاً، ورد في السّنة المطهّرة، يجسد عمل القوّة النفسية بشِقّيها، العلميّ والعمليّ.

المراجع



[1] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/30).

[2] إغاثة اللهفان: 1 /25.

[3] مجموع الفتاوى: 7/25.

[4] مجموع الفتاوى: 7/25.

[5] سنن أبي داود (4952) بلفظ: (وأصدقها حارثٌ وهمّام)، صحَّحه الألبانيُّ.

[6] صحيح البخاري (52).

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام