الأحد 26/07/1438 - الموافق 23/04/2017 آخر تحديث الساعة 10:41 م مكة المكرمة 08:41 م جرينتش  
أدبيات

طفل في أروقة المسجد النبوي

1438/07/20 الموافق 17/04/2017 - الساعة 07:14 م
|


 

أحمد الأمين*

لا أنسى منظره المهيب جالساً في الروضة الشريفة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم، شيخ جاوز الثمانين، يلبس البياض الناصع ثوباً وعمامة، أما وجهه فيتلألأ نوراً، أبيض محْمرّ، تزيّنه لحية كثيفة غطّاها بياض الشيب، وابتسامة خفيّة.

لم يكن أكبرنا قد تجاوز السابعة، ومع ذلك فلم نعجز عن الاهتداء إلى مكانه في الروضة بين الراكعين والساجدين، فقد كانت مكافأتنا بعد الانتهاء من حفظ المقرر اليومي من القرآن أن نذهب إليه، فكلما رآنا تبسّم، فنسلم عليه فيدخل يده في جيبه دون سؤال، ويعطي كل واحد منا قطعة من حلوى حمراء مغلّفة، فننصرف فرحين وفي أفواهنا طعم كالشهد حلاوة، وفي قلوبنا ألذُّ ألوان السعادة، وهكذا كان أطفال آخرون مثلنا يفعلون.

لم نكن نستحي من تكرار هذه الزيارة كل يوم، ولم نكن نملّ من طعم تلك الحلوى، فوجهُه الوضّاء وابتسامته الناصعة لم تُبقه في أعيننا بشراً، بل أقرب إلى الملَك الكريم.

وبالرغم من مرور قرابة ثلاثين سنة على تلك الأيام، فإن طعم تلك الحلوى ما يزال في فمي، ومنظر ذلك الشيخ الجليل في عيني، وكلما زرت الروضة الشريفة خُيِّل إليّ جالساً في المكان نفسِه مبتسماً ينظر إليّ.

كنّا نذهب مع أبي إلى الحرم كل يوم بعد العصر على عادة أهل المدينة المنورة لنرتوي من ذاك المعين الصافي، وننهل من ذاك المنهل العذب، فنجلس في حلقات القرآن وينصرف هو إلى تلاوة حزبه أو حضور دروس العلماء في أروقة المسجد، وربما حضرنا معه بعض تلك الدروس.

ولا أنسى حين أخذني إلى أحد كبار علماء المسجد النبوي آنذاك بعد انتهاء درسه لنسلّم عليه، فاختبرني بعرض أبيات من مقدمة ألفية ابن مالك، لم أكن أحفظ سواها، فلما عرضتها عليه أثنى عليّ ودعا لي، فنشأت بيني وبين الألفية علاقة خاصة من حينها، حتى حرصت على حفظها فيما بعد.

وكنت لصغر سني كثيراً ما يغلبني النوم وأنا جالس في الحلقة أنتظر دوري في "التسميع" فلا أفيق إلا على صوت المؤذن بالعشاء، وأصوات كراسيّ المصاحف الخشبية حين يطويها الطلاب لتُرصّ في حاوياتها المعدّة لها بجانب سواري المسجد الحُمْر المزينة بحلقات من النحاس الأصفر.

وإذا صادف أن كنتُ مستيقظاً، فإني أترقّب قدوم المؤذن وأتابعه وهو يصعد درج "المكبّريّة" قبل الأذان بلحظات، وأراقب حركاته معجَباً، حتى إذا قام وأذّن، قطع صوته دويّ القارئين والذاكرين وأصوات الدارسين، وصراخ الأطفال، وأطرق الجميع منصتين.

كان كثيراً ما يُصلي بنا العشاء الشيخ عبد الله الزاحم -رحمه الله- أو الشيخ علي الحذيفي، وكنت لا أفرّق بين صوتيهما وأراهما شديدي التشابه، لكني عرفت لاحقاً أن لا شبه بينهما إلا ما رسمت في مخيّلتي الصغيرة لوجهيهما.

فإذا صلينا العشاء وخرجنا من الحرم، كنا كثيراً ما نمرّ في طريقنا نحو السيارة ببعض المكتبات فيشتري أبي منها كُتُباً، إذْ كان مولعاً بقراءة الكتب وجمعها، ومما أذكر من الكتب التي اشتراها وكان تحفةً في أعيننا كتاب "طبيبك معك" بغلافه الملوّن الجاذب، وكتب أخرى حرصت لاحقاً على اقتنائها لِمَا أحسست من وطيد الصلة بيني وبينها، مثل تفسير ابن كثير، والتجريد الصريح، وسيرة ابن هشام.

وفي سنوات تلتْ، كنا نمرّ خروجاً من الحرم بزقاق الطيار لنشتري كعكاً محشوّاً بالتمر من مخبز كان هناك، ونتفرج على بضاعة المحالّ على جانبي الزقاق، بما فيها من الألعاب والدراجات النارية والإلكترونيات.

كانت رحلتنا اليومية إلى المسجد النبوي متعةً ما بعدها متعة، يستقبلنا ويودّعنا مزيج من الجلال والمهابة، والسكينة والسعادة. الطِّيبٌ يلفّ المكان، والبهاء يُنيره، والجمال يكتنفه.

كنا لا نزال أطفالاً صغاراً، لم تعبث الدنيا ببراءتنا، لا همّ نحمله فيكدّر البال، ولا أثقال من أعباء الكبار، ويزيدنا المسجد النبوي وحِلَق الذكر في جنباته طُهراً في القلوب وصفاءً في الأذهان.

ولقد تركت مكونات تلك الرحلة اليومية فيّ أثراً لا يوصف، فكان المسجد النبوي لي حضناً وكَنَفاً، وبيتاً ومدرسة لسنوات امتدت بعد ذلك، وطالما بقي لدي الدافع للتردد على دروسه، والجلوس إلى علمائه، والمطالعة في مكتبته، وكان كل ذلك جزءاً من تكويني وطابَعاً في شخصيتي.

 

هذه الذكريات الجميلة، تجعلني أوصي أبنائي اليوم وهم في طريقهم إلى حضور حِلَق القرآن في المسجد النبوي وربما أبدوا بعض التذمّر، أوصيهم بالتمسّك بكل تفاصيل هذه الزيارة اليومية للمسجد الشريف، والمعهد المُنيف، وإخلاص النية في التزوّد من ذلك الزاد المبارك، واستشعار النعمة فيما خصهم الله تعالى به من شرف المكان وتيسُّر طلب العلم فيه، فما يرونه اليوم عادةً مكررة قد يملّونها، سيُصبح لاحقاً ذكريات عذبة يتمنون لو تُعاد لهم حين يكبَرون، وسيرجون أن لو رجعوا صغاراً ليتذوقوا حلاوتها طيلة أعمارهم.

-------------------

*رئيس التحرير

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام