الثلاثاء 19/07/1440 - الموافق 26/03/2019 آخر تحديث الساعة 01:41 ص مكة المكرمة 11:41 م جرينتش  
دعوة

أنا خيرٌ منك في العبادة

1438/07/27 الموافق 24/04/2017 - الساعة 07:33 م
|


لي صديقٌ من الأخيار، معروف بتعظيمه الشديد لشأن الصلاة في المسجد النبوي في حق سكان المدينة المنورة، وإنكاره الأشد على من يتهاون فيها مع أنها غير واجبة، وهو مستعد لالتماس العذر للعصاة والمقصرين جميعاً إلا من يقصر في الصلاة في المسجد النبوي وإن كان من الأتقياء. وإذا ناقشته في ذلك يُجيبك بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الصلاة في مسجده إلا لسفر أو مرض، وينبغي لمن سكن المدينة ألا يتركها أيضاً، وإذا ذكرت له ما قد يقوم به الإنسان من أمور أوجب وأكثر نفعاً للناس كالتعليم والدعوة وقضاء حوائج الوالدين وقد لا يتمكن معها من الصلاة في المسجد النبوي، يكون ردّه: كيف تقارن هذا بالصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؟!

هذا الصديق يقودني إلى التفكير دائماً بأن كثيراً من مشكلاتنا، سواء أكانت مشكلات الأفراد أم الأمة، تعود في معظمها إلى تضخيم شخصٍ ما لأمر دنيويّ، أو غلوّه في أمر واحد من أمور الشريعة بحيث يبني عليه دينه وأخلاقه ومعاملته مع الناس وتصنيفه لهم، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أن يُقسّم الناس فريقين: مؤمنين وكفاراً، بناءً على مجاراتهم له في غلوه هذا أو مخالفتهم له.

نعم، الدين كله خير، ومن بلغه الأمر من الله تعالى أو من نبيّه صلى الله عليه وسلم بوجوب أمر أو استحبابه أو فضل عبادة من العبادات فلا سبيل للإنكار عليه في تمسّكه بها أو حبّه لها ودفاعه عنها، لكن الخطأ الذي نناقشه هنا هو الغلو في التطبيق وخلط الأولويّات والإنكار الشديد على المخالف واختصار الشريعة في هذا الأمر الفرعي.

فهناك من يتمسك بباب من العبادات - كصاحبنا - ويعظّمه على غيره ويترك ما قد يكون أوجب منه إن كان واجباً أصلاً، ويبني تعامله مع الناس على أساسه ويصنّف المجتمع بناءً عليه.

وقد يكون ذلك من بعض الأخيار بحسن نية ورغبة في إصلاح المجتمع ولكنه يضر أكثر مما ينفع لأنه ناتج عن الجهل بشريعة الله.

فبعض الناس غلا في باب الصيام المندوب حتى تجده صائماً الدهر كله، ويُنكر على أصحابه المفطرين أو يحقرهم، وبعضهم غلا في الحج، فتراه يتكلّف ليكرر الحج كل عام وإن أضرّ بغيره ممن لم يحُج، ويُنكر على "القاعدين" بل ويَسخر منهم ويسميهم "المخلَّفين"، وآخرون يغلون في أبواب من البرّ كبناء المساجد أو حفر الآبار أو رعاية الأيتام، وينكرون على من ينفق في غيرها من أبواب الخير.

وهؤلاء كلهم قد لا يسلمون من العُجب المنهي عنه شرعاً، وهو إعجاب الإنسان بعبادته واحتقاره لإخوانه واعتقاد أنهم مقصرون لأنهم لم يقوموا بمثل ما قام به. كما أنهم معرضون لاتّباع الهوى، فما هويت قلوبهم من العبادات واستطابته قاموا به، وما لم تتذوق حلاوته من أبواب الخير لم يهجروه فحسب، بل أنكروا على المشتغل به.

وكثيراً ما تجد أمثال هؤلاء في المجتمع، يصعب الحوار معهم، فلا هم يتكلمون بمنطق يُرتِّب الأولويات وينظر إلى مجموع الأدلة فيعطي كل ذي حق حقه، بل مُنطلقهم دائماً العاطفة التي لا تخلو من الهوى وقصر النظر.

ومشكلة هذا النوع من المَنطق أنه قد يتطور ليشمل أموراً كبرى فيقع صاحبه في الانحراف العقدي أو الفكري. فخروج الخوارج في الأمة كان سببه أخذهم بجزء من الدين وتعظيمهم له دون غيره، وتكفير الأمة إذ لم تأخذ برأيهم فيه. وعلى ذلك نشأت طوائف الخوارج المعاصرة من الدواعش وغيرهم، كالذين غلوا في الجهاد مثلاً حتى اعتقدوا أن تركه كفر، وأن على الأمة كلها أن تجاهد في سبيل الله (بشروطهم هم ولو كان بالخروج على الولاة) ومن قعد عن الجهاد فهو كافر، ومنهم من عظّم مسألة الخلافة واعتقد أن الأمة لا تقبل منها صلاة ولا صيام حتى تقيم خليفة واحداً يحكم المسلمين جميعاً!

والأمر نفسه ينطبق على من غلا في مسألة تطبيق الشريعة وإقامة الحدود والحكم بغير ما أنزل الله، فكفّر الأمة حكاماً ومحكومين، وخرج على الجماعة بدعوى أن الأمة ارتدّت حين تركت تطبيق الشريعة و"حكمتْ بغير ما أنزل الله".

والأمثلة على هذا القصور في الأخذ بالشريعة كلاً لا جزءًا كثيرة، والمتحمسون لمسائل محددة ربما أسسوا جماعات وأحزاباً و"مليشيات" مسلحة قائمة على الأمر الذي يعظمونه.

وربما بدأ الخلل لدى هؤلاء مبكراً حين اتبعوا الهوى واختاروا البدء بالتطبيق قبل التعلّم، فكثيراً ما نشهد انطلاق الشباب إلى دعوات الجهاد المزعومة دون تردد وإيثارهم لها على الجلوس بين يدي العلماء للتفقه في الدين، لأن طلب العلم وضبط مسائله ثقيل على النفس ويحتاج سنوات من المصابرة، أما الجهاد المكذوب وما فيه من التخطيط الإجرامي للقتل والتدمير والتفجير والاختباء والمراوغة فمحبّب إلى كثير من نفوس الجهال الطائشين وحديثي السن.

وحسبنا أن نتذكر أن الدين كلٌّ لا يتجزأ، وليس لنا أن نجعل القرآن عِضِين، أو نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، بل نأخذ بالشريعة كلها ونوازن بين أجزائها وأبوابها، ونرتّب الأوجب فالأوجب، ولا نكون كمن يسعى لإقامة "دولة الخلافة الإسلامية" وهو ما يزال عاجزاً عن إقامة نفسه من فراشه لصلاة الفجر، أو من يريد "الجهاد" وهو عاجز عن جهاد نفسه التي بين جنبيه بمنعها من الكذب أو الغش أو النظر المحرّم، فما أحوجنا إلى إصلاح أنفسنا ومن هم تحت مسؤوليتنا قبل أن نفكر في إصلاح الأمة.

===============

*رئيس التحرير

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام