الخميس 04/11/1438 - الموافق 27/07/2017 آخر تحديث الساعة 03:47 م مكة المكرمة 01:47 م جرينتش  
مقالات

أطفال على أريكة التصنيف

1438/08/07 الموافق 03/05/2017 - الساعة 08:08 م
|


أحمد الأمين*

 

حين ألقى الشيخ عائض القرني محاضرته الشهيرة "أما بعد" عقب سنوات من انقطاعه عن الساحة، سألت زميلي ونحن في السنة الأولى من المعهد الشرعي الثانوي: هل سمع المحاضرة الجديدة للشيخ؟ فأجاب بأنه لا يستمع للقرني لأنه "من الخوارج"!

ولم يزده النقاش إلا جُرأة على الدعاة والعلماء.

- فالشيخ فلان "مبتدع" .. وخطيب الحرم "فاسق"

- لماذا؟

- "لأنه يصرّ على رفع صوته بالخطبة مخالفاً لقول الله تعالى: (واغضُض من صوتك)، والمصرّ على الصغيرة فاسق"!

والداعية الفلاني "قطبيّ محترق"، وشيخك فلان "جرّحوه"...

هذه الكلمات لو قالها رجل ناضج عركته الحياة، ولكن زلت به القدم في الطعن في العلماء والدعاة لربما وجد من يلتمس له العذر ويدعو له بالهداية، لكنها أحكام خطيرة من شاب خرج لتوّه من مرحلة الطفولة ولم يخطّ شاربه بعدُ، ولم يُكمل رضاع الحولين من أُسس العلم الشرعي.

لا أدري من الذي التفّ على عقله في هذا العمر المبكر وحوّل اهتمامه عن التركيز على الدراسة إلى هذا التخصص الرخيص، فمع أنه كان ذكياً نابغاً، إلا أنه كان مولعاً بتبديع العلماء وتفسيقهم، وقد اختار أن يسخّر ذكاءه لهذا المنهج الهادم، فهو أسهل وأكثر متعة وسُلطة من الشقاء في طلب العلم والتواضع للمشايخ.

ولم يزل هذا الزميل يُعيِّرني بسماعي أو قراءتي للمشايخ الذين يرى أنهم مبتدعون أو حضور دروسهم، حتى تخرجنا من المعهد وافترقنا إلى كليات مختلفة.

وتكمن مشكلة هذا المنهج في السلبية الدائمة التي يقوم عليها، فأصحابه سالبون لا دور لهم سوى النقد والتجريح، وتهييج مشاعر الأمة نحو العالم أو الداعية الفلاني بالعواطف المزيّفة، وليس عندهم ما يقدمونه للأمة من علم نافع ولا إضافة فكرية، ولا يحتاج أحدهم إلى مؤهلات علمية سوى تزكية شفوية من مجهول العين والحال، وأريكة وثيرة يتكئ عليها ثم ينطلق في "الجرح والتعديل" المزعوم.

وبما أن الهدم أيسر من البناء، فقد يجد الشبابُ الأحداث هذا المجال مغرياً في بداية العمر، فهو طريق مختصرة يصعدون من خلالها إلى مرتبة يظنون أنها مرتبة شرف لحماية جناب الدين، وإنما هي مرتبة الكسول العاجز عن الوصول إلى مصافّ العلماء فيكتفي بالسلبية في إصدار الأحكام الانتقامية والتشفي من زلات الفضلاء.

تغريدة واحدة أو بيان من أحدهم في التحذير من عالم من العلماء يُحدث شرخاً يصعب رتقه، بين ذاك العالم وبين من كان يُفيد من علمه وخلُقه ويقتدي بسيرته، ويستمرون في التحذير حتى يسقطون العلماء واحداً تلو الآخر، وإن بحثت عن البديل الذي يسوّقون له لم تجد إلا "مجرّحين ومعدّلين" مثلهم، حظهم قليل من العلم إن وُجد، ورصيدهم صفر من الدعوة.

ولا يصح الاعتراض على هذا بضرورة الذبّ عن الدين وحماية علوم الشريعة من الدخلاء، لأن ما نتحدث عنه هنا هو الغلو الشديد في ذلك والتفرغ التامّ لتتبُّع زلات العلماء وإقامة المحاضرات وتأليف الكتب في التشهير بهم وبيان أخطائهم.

فقد وصل الحال بأحدهم إلى تأسيس قناة فضائية تبث على مدار الساعة "فضائح" العلماء وأسرارهم، بتهم ملفقة، يتلقاها العالم والجاهل على حد سواء، ويفرح بها أعداء الأمة حين يشهد شاهد من أهلها على "سقطات" علمائها.

يقوم مبدأ هؤلاء على أن الحق معنا وحدنا ومع القائمة القصيرة من الأسماء التي نعتمدها، وما سواها فهم أهل بدع وأهواء تجب محاربتهم ومنعهم من الحديث والتأليف، ومطلبهم الأعظم: لا تستمع إلا إلينا نحن، وحين تستمع لا تجد إلا التجريح ثم التجريح، ولن تجد أي إضافة من العلم.

يدرّبون صغار الطلاب على أن العلماء الذين هم "على المنهج" يُعدّون على الأصابع، وغيرهم منحرفون عن "الجادّة"، ولك أن تتصور أي احترام سيبقى في نفس الطالب حين ينشأ على أن علماء الأمة سلفاً وخلفاً بدءًا بالحسن البصري وأبي حنيفة ومروراً بالطبري وابن حجر والنووي حتى علمائنا المعاصرين عندهم خللٌ في العقيدة، إلا هذه القائمة التي نملي عليك، وأيّ جرأة ستنمو لديه على العلماء والدعاة حين يكبر، وهكذا، ينشأ جيل كامل على تجنّب الأخذ عن العلماء المعروفين والاقتصار على قوائم المجهولين التي تزيد وتنقص متأثرةً بصراعاتهم وانشقاقاتهم الداخلية فيما بينهم.

يستخدم هؤلاء أدوات رخيصة في إسقاط من يستهدفون، أبرزها استعداء السلطة عليهم في كل بلد، والاتهام بالحزبية والخروج على ولي الأمر، مع أن علماءنا الذين يسعى هؤلاء للتحذير منهم أكثر وطنية وسمعاً وطاعة والتزاماً ببيعة ولي الأمر، بل وأقرب منهم إلى ولي الأمر وأكثر نيلاً لثقته في تولي المناصب العليا الاستشارية والتنفيذية.

كما أن من أدواتهم كثرة الشغب والافتئات على وليّ الأمر بالتشكيك والطعن فيمن يولّيهم المناصب الدينية والعلمية والقضائية والإدارية، وإصدار البيانات وبثّ الشائعات حولهم، وحتى هيئات الإفتاء وهيئات كبار العلماء لم يسلم أعضاؤها من تصنيفاتهم.

عرفتُ كثيراً من هؤلاء فيما بعدُ فوجدتهم على أعلى درجات الخُلُق والبشاشة معك حين تكون معهم، ولكن حين تغيب تُكتب فيك التقارير المطولة لبيان مُعتقدك ومنهجك ومن أي حزب أنت، حتى تجد بعد مدة أنك مصنّف ومحسوب على تيّار لم تسمع به في حياتك.

نحتاج حقاً إلى أن نواجه هذا الفكر ببيان هشاشته وضعف أساسه، وتحذير طلاب العلم الناشئين من خطره، كما يجب أن نقابل إعلامه النشط بإعلام قويّ ينشر محاسن علمائنا ويُبيّن فضائلهم ويقدّمهم قدواتٍ للشباب، وإلا فلن يبقى لنا قدوات ولا علماء حين يُسقطهم هؤلاء.

__________

* رئيس التحرير

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام