الأربعاء 24/11/1438 - الموافق 16/08/2017 آخر تحديث الساعة 10:38 م مكة المكرمة 08:38 م جرينتش  
مقالات

المسلمون بين سورة العصر وصورة العصر

1438/09/05 الموافق 31/05/2017 - الساعة 09:53 ص
|


محمد الهادي الحسني

 

 

هذا العنوان المشحون بكثير من الدلالات لمن يتدبر سورة العصر، ويلاحظ صورة المسلمين في هذا العصر.

وهذا العنوان سمعته منذ أكثر من عقد من السنين في محاضرة ألقاها أحد الإخوة الكرام في ملتقى عُقد في مدينة باتنة. وقد أعجبت بالعنوان فاستعملته في أكثر من درس عبر مساجد الجزائر، وفي أكثر من محاضرة أو ندوة.

وسورة العصر من القرآن المكي، ورغم أنها أقصر السور في القرآن الكريم فإنها تضمنت أهم ما يحتاجه الإنسان، إلى درجة أن الإمام الشافعي – رضي الله عنه – قال عنها ما معناه: لو لم ينزل من القرآن إلا هي لكفت.. حيث احتوت على ثلاثة أمور تضمن لمن قام بها السعادتين الأولى والأخرى، وهي الإيمان، والعمل الصالح، والأخلاق الطيبة.

أقسم الله، الأصدق قيلا، في مفتتح هذه السورة ليدلنا على أهمية وقيمة ما أقسم به، وهو "العصر"، الذي هو صلاة العصر، التي هي الصلاة الوسطى في بعض التفاسير، أو هو عصر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو أَخيَر العصور، وأفضل القرون، أو هو الوقت مطلقا.. وإذا كان الله – عز وجل – قد أقسم بأجزاء من الوقت كالفجر، والضحى، والليل، فالوقت كله أولى أن يقسم به.. والسورة لا تضيق بهذه المعاني كلها.. وهذا من بلاغة القرآن الكريم الذي يعبر عن معان جليلة بألفاظ قليلة..

أكد الله – سبحانه وتعالى – أن الإنسان في خسر، إن لم يكن في الدنيا لما يملي له الله – عز وجل فيها من جاه، ويمدده فيها من أنواع الأموال، فعاقبته في الآخرة هي الخسران المبين، لأن هذا الإنسان كنود، جحود، مغرور، مجادل في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير.. وعال في الأرض بغير حق، وظالم لنفسه ولغيره بسبب جهله، وإن ظن أنه أعلم من عليها..

يستثنى من هذا الخسران قسم من بين الإنسان، آمن بالله – عز وجل – وأسلم له وجهه بعدما استيقن أنه لا إله إلا الذي خلق الوجود وكوّن الأكوان، كما يقول محمد إقبال – رحمه الله – إن الإيمان الحق هو المقرون بالعمل الصالح الخالص لوجه الله.. فإن لم يكن الإيمان صادقا فقد يكون صاحبه من الداخلين تحت قوله تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"، وإن لم يكن الإيمان خالصا فقد يكون صاحبه من الذين قال الله – عز وجل – فيهم: "قل هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم فحبطت أعمالهم، فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا". وما أتعس وأشقى من لم يُقم الله – عز وجل – له وزنا، خاصة إن كان ممن يحسبون أنفسهم على شيء لمنصب ناله بغير حق، أو لمال أصابه من وجه غير مشروع كالرشوة، والربا، والاحتكار، والقمار، والاتجار في المحرمات، والغش، فسورة العصر تبين لنا صورة المسلم الحقيقي إيمانا صادقا، وعملا خالصا، وسلوكا حسنا، بل أحسن. وللإيمان الحقيقي ضريبة يُمّحص بها المؤمن، حيث جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: "ألم، أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون"، وقد تكون الفتنة خيرا أو شرا.. وعلاجها الشكر في الحال الأولى، والصبر في الثانية.. فاللهم اجعلنا من الشاكرين والصابرين. أما صورة المسلمين في هذا العصر فتختصر في أنهم خانوا الله ورسوله وأماناتهم وهم يعلمون، انسياقا وراء شهواتهم، فكان جزاه الله أن ردّنا أسفل سافلين، وجعلنا أحقر الأمم رغم كثرتنا العددية، وغنانا المادي.. وهم صورة للجهل، والفقر، والفوضى، والاستبداد، والخيانة، والتفرق، والكسل، والغش، في التجاريات، والامتحانات، والانتخابات، والتزوير، والجهوية، والعصبية... فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، وأعنا على أنفسنا الأمارة بالسوء، وابعد عنا المنحرفين المندسين في وسط الأمة، وأحينا بالإسلام وللإسلام.

---------------------------

المصدر: الشروق الجزائرية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام