الأحد 14/05/1440 - الموافق 20/01/2019 آخر تحديث الساعة 12:40 م مكة المكرمة 10:40 ص جرينتش  
دعوة

إقامة العقوبات من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

1438/09/19 الموافق 14/06/2017 - الساعة 05:45 م
|


لا ريبَ أنّ صلاح المجتمع واستقامته، أمرٌ مطلوبٌ شرعاً، ومقصدٌ أساس من مقاصد الدّين، وذلك إنما يتحقّق بتوطين الأمن في مجتمع المسلمين، فتزول المنكرات أو يقلّ انتشارها، وتسود السكينة، وتعمّ الطُّمأنينة، ويهنأ الناس في دورهم وبلادهم ، الأمر الذي من شأنه، أن يُتيح للمواطنينَ رعاية مصالحهم الدِّينيِّة والدنيويِّة.

وليس لهذا الهدف الكبير، من سبيل لتحقيقه، إلا برفع راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك مصداقاً لقول الله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } [هود: 116، 117]، أي: أنَّه لولا أنّ الله جلّ وعلا، قد (جعل في القرون الماضية بقايا، من أهل الخير يدعون إلى الهُدى، وينهون عن الفساد والرَّدى، فحصل من نفعهم ما بقيت به الأديان، ولكنهم قليلون جدا. وغاية الأمر، أنهم نجَوا، باتباعهم المرسلين، وقيامهم بما قاموا به من دينهم، وبكون حجة الله أجراها على أيديهم، ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحيا من حيَّ عن بيِّنة)1، ونجد في السنة النبويّة، تصويراً دقيقاً، وتمثيلاً واضحاً لهذه الحقيقة الكبيرة، حقيقة أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو صمام أمانٍ للمجتمع كلّه، وسبيلٌ لنجاة جميع أفراده: روى النعمان بن بشير- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه  - قال: (مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذين في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقاً، ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعاً، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا)2.

والأخذ على أيدي المفسدين والجاهلين، إنما يتمّ من خلال نظام الشريعة، وذلك بإقامة العقوبات التي شرعها الله عزّ وجلّ، لمواجهة مختلف ضروب الأذى الموجّه للمجتمع المسلم وأفراده، إذن فإنّ إقامة العقوبات الشرعية، وإنفاذها، هو بابٌ من أهمّ أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، به يحفظ الله وحدة المجتمع المسلم وتماسكه، يقول شيخ الإسلام ابن تيميِّة –رحمه الله-: "فينبغي أن يُعرف أنَّ إقامة الحدود، رحمةٌ من الله بعباده، فيكونُ الوالي شديداً في إقامة الحدِّ، لا تأخذه رأفةٌ في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق ، بكفِّ الناس عن المنكرات; لإشفاء غيظه ، وإرادة العلوِّ على الخلق به، بمنزلة الوالد إذا أدَّب ولده ، فإنَّه لو كفَّ عن تأديب ولده ، كما تُشير به الأمُّ رقَّة ورأفةً؛ لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمةً به وإصلاحاً لحاله ، مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه ، وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحَجم، وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك، بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه ، وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة3.

إذن، فكما أنَّ تطبيق الشريعة وإقامة الحدود، مؤذنٌ بالفلاح في الدنيا والآخرة، فإنَّ تركها وإهمالها يوجب الخسار والدَّمار في الدنيا والآخرة أيضاً، يدلُّ على هذا المعنى الأدلة الشرعية التالية:

 قول الله تعالى، آمراً رسوله بإقامة حدوده، وإنفاذ أوامره ونواهيه: {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون} (النور: 1) ، ففي هذه الآية، التي هي مطلع سورة النور، يُعلن الله سبحانه وتعالى فرضيّة هذه السورة، بما شرع فيها من حد الزنا، وحدّ القذف، وضوابط اللِّعان، وكثيراً من التعاليم الشرعيّة، كالأمر بالحجاب وآداب الاستئذان، وطاعة الرَّسول، معقّباً عليها بقوله تعالى: {لعلكم تذكَّرون}، (أي تتذكَّرونها فتعملون بموجبِها عند وقوعِ الحوادثِ الدَّاعيةِ إلى إجراءِ أحكامِها، وفيه إيذانٌ بأنَّ حقَّها أنْ تكونَ على ذُكرٍ منهم، بحيثُ مَتَى مسَّتِ الحاجةُ إليها استحضرُوها)4.

وافتتح الله تعالى سورة المائدة بقوله: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} (المائدة: 1)، (أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شاملٌ للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم. والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} بالتَّناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع.

فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها)5. والتي يؤدي الإخلال بها، إلى خلخلة توازن المجتمع واستقراره.

المراجع

 1-  تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 391).

  2- رواه البخاري عن النعمان بن بشير.

  3- السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية- 125.

  4- تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (6/ 155).

  5- تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 218).

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام