الاثنين 02/10/1438 - الموافق 26/06/2017 آخر تحديث الساعة 09:54 ص مكة المكرمة 07:54 ص جرينتش  
مقالات

القدس.. حلقة وصل الغيب بالشهادة

1438/09/22 الموافق 17/06/2017 - الساعة 10:53 ص
|


لم تكن خطوات محمد صلى الله عليه وآله وسلم المكثفة بين المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى قبل عام من الهجرة إسراءً بليل إلا إبرازا واضحا لمعالم رؤية استشرافية لحركة الأمة عبر تاريخها القادم على متن رحلة الوعي والفعل الاسلاميين الاستراتيجيين.. لقد كانت اللحظة المقدسة المعجزة لربط الأقصى بالمسجد الحرام وتحميل الرسول ومن يأتي بعده مسؤولية الربط المقدس بين المسجدين والمكانين.

وعلى هذه الأرضية العقائدية جاءت أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن الكريم تحث الخطى على ضرورة الوصل بين ما هو مقدس عقيدة وما هو ضروري واقعا، وتوالت الإشارات النبوية على هذا الخط محرضة على الإعداد لاستلام ناصية القدس واضاءة قناديله لمن لا يستطع زيارته فكان المسجد الأقصى في حس المسلمين واضحا تماما فيما هم مستضعفون في مكة لا يملكون بعد قاعدة الانطلاق.. افتراءات قريش وازدراؤها وسياطها وعتوها وحصارها يلاحقهم ولكنهم ينجلون لمهمة قادمة تمليها عقيدتهم بشدّ الرحال إلى المسجد الأقصى، وما يعنيه  هذا "الشد" من توفر الشروط الموضوعية جميعا.

لم تكن تسريةً ولا مؤانسة روحية فقط الرحلة من المسجد الحرام بعد أن بلغ صدود القرشيين وأهل الطائف عنه ذلك الصدود المشين إلى المسجد الأقصى المبارك، بل كانت أيضا رسم خط البناء الأساسي لأمة الإسلام في المكان والجغرافيا وشد الوتر المعنوي لإعلان عالمية الإسلام بكل ذلك الزخم من الرؤية للآيات المعجزة التي رآها الرسول في معاني هذه الرحلة وفي الوصول إلى المسجد الأقصى ودلالات ذلك من تحمل مسؤولية كبرى نحو البشرية كافة واصطفاف أخيار البشر ونبلائهم وصديقيهم الأنبياء عليهم السلام خلفه لتحتشد مهماتهم متكاملة مكرسة في مهمته الشاملة لإنقاذ الإنسان حيث هو الإنسان.. وهذا هو المعنى الجليل من الوصول إلى المسجد الأقصى.

وبإشارة فذة كان المعراج من القدس ومن المسجد الأقصى عن صخرة وصفها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بأنها قطعة من الجنة.. كان المعراج من الأقصى إلى السماء ودخول عالم الغيب وتفاصيل الحوارات النورانية وجه القدس الآخر أنه دلالات الغيب وما يلقيه في النفس من قيمة لكل ما مضى من رحلة بين مكانين على الأرض وليضيف للقدس مكانة أخرى غير تلك التي اكتسبتها بإمامة محمد رسول الله لجميع الأنبياء وقيادتهم في مهمة إنسانية شاملة أي شهادتها على عالمية الدعوة الإسلامية.. المكانة الجديدة هي أنها بوابة الغيب كما أنها خاتمة الشهادة.. يعرج محمد من القدس إلى طبقات السموات العلا يتلقى تفاصيل دينه ومعالم منهجه مقدسا شافيا صافيا بلا إضافات بشرية ليعود إلى القدس ثانية ومنها إلى مكة مزوّدا بعالم الغيب والشهادة.

وهنا تخطر بالبال أسئلة عدة لعل أولها ما يدور حول سر الحكمة في انطلاق المعراج من القدس؟ ثم لمَ اجتمع الأنبياء لمحمد في الأقصى ولم يجتمعوا له في المسجد الحرام؟ ثم لماذا تشير الآيات إلى المباركة حول المسجد الأقصى خصيصا؟ وما هي الآيات التي يريها الله لمحمد في هذه الرحلة أو بعدها؟ كل هذا يمنح القدس مكانة استثنائية في الوجدان المسلم والعقل المسلم.. هنا ترتسم مكانة القدس والأقصى في العقيدة الإسلامية وفي أدق أسرار الرسالة ومهماتها الكونية.. لتأتي خطوات الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الصحابي الاستثنائي بعد سبعة عشر عاما من الإسراء وقد أرسل إليه أبو عبيدة أن "صفرانيوس" بطريرك القدس أصر على حضور خليفة المسلمين فإن كان هو ما تنبِّئ به كتبهم فإنه سيسلم القدس طواعية ومحبة..

يأتي الخليفة بكل زهده وتواضعه وحزمه ووعيه التاريخي وقد عقد مجلسا استشاريا كبيرا لعمد الصحابة كيف يذهب إلى القدس هل يقبل بشرط صفارنيوس أم يدخلها عنوة وهي القدس التي طالما انتظر فتحها المسلمون؟ هنا أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على دخولها فتحا بالسيف وقد أصبحت كل الظروف مواتية لهم، لكن من زاوية في المجلس كان رأي الإمام علي كرم الله وجهه أن لب شرط صفارنيوس واذهب إليه وادخلها سلما.. أجل ان استشفاف قيمة القدس تجلت لدى الإمام علي بأن مدينة السلام التي فتحت ذراعيها لجمع الأنبياء خلف محمد ما ينبغي أن تفتح عنوة ولا بد من تكريس السلام فيها وحولها فاستجاب ابن الخطاب لرأي علي وحزم أمره وانطلق بناقته وخادمه يتناوبان على الركوب حتى وصلا القدس..

من المهم الإشارة إلى أن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه جسّد في الواقع خطوات محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الغيب.. بعد أن تحققت الانتصارات في مواجهة الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية.. جاءت خطوات عمر بن الخطاب لتترجم الوعد الحق وتجسد انتصارات الإسلام وتتوجه على المشرق كله بما يحتوي من شرائع وملل وشعوب وقوميات..

بين رحلة الإسراء والمعراج وفتح القدس سبعة عشر عاما مليئة بالمعارك والتحديات والظروف المعقدة والإجابات الملائمة التي رعاها الوحي حينا في توجيهه الأساسي وقادها الرشد الإنساني في أكثر حالاته تكثيفا ممثلا في محمد البشر ومحمد الرسول ومن بعده رجال كانوا في مستوى الرسالة علوا ونبلا وطهارة.. سبعة عشر عاما على انطلاق الرحلة الأولى إلى القدس شهدت جدية المنهج وجدارة الرجال بان يكونوا بمستوى الرسالة فكانت الفترة الزمنية الضرورية الفاحصة لاقتدارهم وقوتهم ووعيهم وبصيرتهم فنجحوا فيها جميعا نجحوا في امتحان خلافة رسول الله وتجاوزوا ما كان يمكن أن يعصف بالكيان الوليد وانتصروا في امتحان الردَّة وكاد يودي بأركان الأمة والمجتمع ونجحوا في مواجهة الفقر والجوع وإدارة الدولة ومؤسساتها بعد أن كان الرهان أن لا يتمكن منها هؤلاء العرب الذين لم يخضعوا لنظام طيلة عمرهم، ونجحوا في مواجهة الخبرات العسكرية الفائقة لدى الفرس والروم، وانتصروا بأن رفعوا رايات الإسلام في فارس وأنطاكية.. إنها الانتصارات المتوالية والعبقرية المتتالية بكل مافيها وما معها من نبل وسموٍّ ورجولة وعطاء وتفتح وحزم وتماسك ووعي سياسي واداري خارقين.

هنا يكون فتح القدس تحصيل حاصل وتتويجا.. إنه نتيجة نجاح الأمة في السير على هدى خطوات محمد بن عبد الله عليه وآله الصلاة والسلام سيرا نموذجيا في نشر الرحمة وإزاحة الطواغيت وإرساء قيم العدل والأخوَّة الإنسانية في حيز جغرافي قهر الجور وأزاحه، وتوسَّع المجتمع الجديد ليشهد العرب كما لم يشهدوا من قبل كيف تتساوى الرؤوس أمام العدل وكيف لا يُؤخذ المرء بجريرة أبيه ولا قومه.. وشهد الناس جميعا في فارس والروم ومصر أن هناك مجتمعا من جبلة جديدة لا تفاخر فيه لأنساب ولا أوضاع ولا تفاضل ولا تقدم إلا للأتقى والأصلح والأنقى.. شهد الناس أنهم أمام الحق والعدل والخير والرحمة.. فكان الانتصار في القدس تتويجا لالتقاء الغيب والشهادة في فعل الانتصار العظيم.. تولانا الله برحمته.

-----------------------------

المصدر: الشروق الجزائرية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام