الثلاثاء 19/07/1440 - الموافق 26/03/2019 آخر تحديث الساعة 01:15 ص مكة المكرمة 11:15 م جرينتش  
دعوة

حالُ السّالكين إلى الله عبر منازل الحجِّ

1438/11/28 الموافق 20/08/2017 - الساعة 05:51 م
|


يُقصد بالسُّلوك في اصطلاح أهل الزّهد، الطريقُ الذي يسلكه السّائرون إلى الله عز وجلّ، في ارتقائهم عبر مراتب العبوديّة، فهي طريقٌ ليست مرصوفةً على رقعةٍ من الأرضِ، بيد أنّها تتوغل في أعماق القلب، لتُترجمَ معاني الألوهيّةِ المنبثقة عن الاجتهاد في العبوديَّة، إلى درجاتٍ ومراتبَ، بحسب منازل السير الحسي التي ينزلُ فيها المسافر ليستروحِ فيها من وعثاء السّفر ومشقّته.

ومثلما أنّ السّائرين في كلّ طريقٍ تتفاوت مراتبهم وأقدارهم، فمنهم البطيء الذي أثقلته السيّئاتُ، ومنهم المتوسّط الذي يُغِذُّ السّير ثم ينحسرُ في بعض الطريق، ثمّ يُغِذُّه مرّةً أخرى، وهكذا دوالَيك، ومنهم الخفيفُ الضّامر الذي سهُل عليه بالاجتهاد في الصَّلاة والصّوم والقُرباتِ أن يجتاز العقبات ويقتحم المفازات، فحالُه كحال من نُصب له علمٌ فهو يُسابق مجتهداً في الوصول إليه- فكذلك السّائرونَ في طريق الحجِّ، عبر منازلِه المختلفة، يروم كلٌّ منهم أن يُحقّق غاية الحجِّ المبرور، و: «الحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة»[1]، كما يقول النبي  r.

وإذا كانت المنازل عند أرباب السُّلوك على نوعين: أحوالٌ ومقامات، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالِ وَالْمَقَامِ: أَنَّ الْحَالَ مَعْنًى يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ اجْتِلَابٍ لَهُ، وَلَا اكْتِسَابٍ، وَلَا تَعَمُّدٍ. وَالْمَقَامُ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِنَوْعِ كَسْبٍ وَطَلَبٍ. فلذا قالوا: الْأَحْوَالُ مَوَاهِبٌ، وَالْمَقَامَاتُ مَكَاسِبٌ. فَالْمَقَامُ يَحْصُلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ. وَأَمَّا الْحَالُ: فَمِنْ عَيْنِ الْجُودِ [2]، فالحجُّ كذلك منازله في القلب، منها أحوالٌ مواهب ومنها مقاماتٌ مكاسب.

إنّ الحاجّ في سلوكه عبر منازل الطريق ومقاماته، يُمارس ضروباً من العبادة الحسّيّة الواقعيّة، التي يستقطبُها قطبان، تدور حولهما كلُّ معاني الحجّ ودلالاته، ألا وهما:

أولاً: الجهد والمشقّة التي يقتضيها أداء المناسك، من قطعٍ لمسافاتٍ شاسعة، وسط الزّحام، وتحت الشَّمس ولهيبِ الحرارة، الأمر الذي يستجيش في كيانه قوّة الصّبر، فيصبر وهو يرمُق إلى الغاية بعيني الرّجاء: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [فصلت: 35].

ثانياً: الرّمزيّة المستكنّةُ في أعمال الحجِّ، وما تثيره في النَّفس من الدِّلالات العميقة، فلا يكاد عملٌ من أعمال الحجّ، يخلو من دلالةٍ ترمز على معلمٍ بارزٍ من معالم الدّين والتوحيد، أو على قصّةٍ من قصص أئمة التَّوحيد من الأنبياء والرسل.

إنّ أُولى الدِّلالات الرمزيّة المتعلّقة بالحجّ، هي تلك التي تتمثّل في مظهر الحاجّ الرَّسميّ، حال إحرامه بقطعتين بيضاوَين، تستران عورته، ففي ذلك دلالة على معنىً يتعمّقُ في نفسه: أنْ هذه حقيقتي من الذُّلّ والتواضع إليك يا ربِّ، ليس لي في هذه الدنيا إلا ما خوّلتني إيّاه من النّعم، فلا حول لي ولا قوّة ولا عزّ إلا بكَ، ومن ثم يجأر بالتّلبيةِ: لبَّيك اللّهمّ لبّيك، لبَّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريك لك.

 والحاجُّ حال سلوكه لطريقه عبر منازل الحجّ، فإنّه في ذات اللّحظة يسلك طريقاً إلى الله عزّ وجل، عبر منازل القلب، أحوالها ومقاماتها، يسلكها الحاج، طريقاً ، فيه زكاء للنُّفوس، وصلاحٌ للقلوب، ورفعةٌ للدَّرجات، وحطٌّ للسَّيِّئات: «فمن حجَّ فلم يرفُث، ولم يفسُق، رجع كيومَ ولدته أمه»[3]، أبيضَ القلبِ، فيه مثلُ السّراج يُزهر، فبهذا القلبِ السّليم الّذي تزكى عبر منازل الطريق، يلقى العبدُ ربّه {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89]، فهناك يُوفِّيه الله تعالى الجزاء الأوفى. 

والعِلّةُ في ذلك: أنَّ الحاجَّ عبر تنقُّله بين منازل الحج، يمرُّ بكثير من المواقف والمشاهد والمعاني والدّلاتِ، التي تُعينه في طريق سيره وسلوكه، إلى الله عز وجلّ، فالحج سلوك، بمعنى أنَّ قيم التوحيد ومعانيه الكبيرة، من خلال أداء الحاجّ لمناسك الحجِّ، تسلكُ طريقها إلى قلبه فتطهّره وتُزكيه، حتى يتجرد من كلِّ الرغبات، ويتوجّه إلى ربّه، مائلاً عمّا سواه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[4]، فذكر مقصدَ الحجّ والغايةَ من ورائه: {للهِ}، قبل أن يذكُرَ العملَ الّذي هو: {حِجُّ البيتِ}، وفي هذا من تخليصِ القلب لله عزّ وجل، ومن تطهير النَّفس، ما يبدو في كلّ سلوك الإنسان وأفعاله، ذلك أن القلب إذا زكا يزكو بزكائه كلُّ الجسد، كما قال r: «ألا إنَّ في الجسد مضغةً: إذا صلَحَت صلَح الجسد كلُّه، وإذا فسَدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلبُ»[5].

ومن أجل أن يكون سلوك الحاجّ، إلى الله عزّ وجلّ عبر مناسك الحجّ ومنازله، على بصيرةٍ، كان لا بدّ –إضافةً إلى تجريد القصد- من التأكيد على وجوب المتابعة لخير الخلق r، مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾[6]، فالأسوة في السّلوك عبر منازل الحجّ، هو خير الأنامr ، فكان لازماً على الحاجّ أن يسلك عبر مسلكه صلى الله عليه وسلم، حتى يتدرّب على الاتِّباع والتأسّي بسيد الخلق، في منازل طريق حياته كلّها، وفي ذلك يقول جابر رضي الله عنهما، في وصفه لحجة النبي r: "رأيت النبيr  يرمي الجمار على راحلته يوم النحر، يقول: «لتأخذوا مناسككم، فإنّي لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجتي هذه»"[7].

إنّ سلوك الحاجّ عبر منازل الحجِّ ومشاعره وشعائره، ينعكس على سلوكه عبر منازل القلبِ، أحواله ومقاماته، فحين تسقط كلُّ أوجه الفروق بين النَّاس في هيئاتهم وظواهرهم، يتشرّبُ القلبُ بالخلوصِ من كل أسباب العلوِّ على الخلق، وهي غايةٌ من كبرى غايات الإنسان المسلم، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[8].

ولقد أكَّد النَّبيُّ r هذا المعنى في حجَّة الوداع، يوم الحجّ الأكبر، إذ أعلن في الناس: «إنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لأعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ، إلا بالتَّقوى»[9]، فهي التي يتفاضل بها الناس.

وإنّ سلوك جماعة الحجيجِ عبر منازل الحجِّ ومشاعره وشعائره، وهم في ذلك الموكب البشريّ الهادر بشعار التّوحيد: "لبَّيك اللهمّ لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبّيك"، تؤلف بينهم وحدةُ القصد إلى ذات المنازل والبقاع، وتجمع بينهم وحدةُ العمل إذ يؤدون نفس المناسك والشعائر، وتغمرهم ذاتُ المشاعر، فينعكس هذا السّلوكُ الجمعيُّ على سلوك كلِّ حاجٍّ عبر منازل القلبِ، فتغمره بقيم التَّعاون والتَّعارف والاجتماع، ويتحقق قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[10]، وإليهم جميعاً يتوجَّه النداء الإلهيّ الخالد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[11].

وإنّ سلوك جماعة الحجيجِ عبر منازل الحجِّ ومشاعره وشعائره، في ذلك الموكب البشريّ الهادر،  حال كونهم ملتزمين بذلك التوجيه الإلهيّ الكريم، المضمّن في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾[12]- إنّ هذا السّلوك والالتزام ليسكب في قلب الحاجّ من المعاني ما يربّي نفسه، ويُهذّبها، ويجعلها تعتادّ على اتِّباع السلوك النّظاميّ المنضبط زماناً ومكاناً وكمّاً وكيفاً، وعلى مراعاة الأحوال المختلفة، طاعةً للهU .

هذه بعضُ تأمّلاتٍ، في مسيرة الحجّ عبر المنازل والمشاعر، وأثرها على مسيرة الحاجِّ إلى ربّهِ عبر منازل قلبه، وعبر مسيرة حياته، تتجلّى من خلالها العلاقة الوثيقة التي تبدو بين المسيرات الثّلاثة: مسيرة الحجّ، مسيرة  القلب، ومسيرة الحياة، ويجمع بينها جميعاً أنّها تسيرُ إلى الرّبّ سبحانه وتعالى.

أسأل الله تعالى أن يتقبّل من الحجاج حجَّهم، فتسموَ قلوبُهم، وترقى حياتهم، ويلقَوا ربّهم وهو عنهم راضٍ.

المراجع



[1]  أخرجه أحمد2/246، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.

[2]  مدارج السالكين لابن القيم: 2/417.

[3]  أخرجه البخاري1521، ومسلم1350.

[4]  سورة آل عمران:97.

[5]  أخرجه البخاري 52، ومسلم1599.

[6] سورة الأحزاب:21. 

[7]  تقدم تخريجه.

[8]  سورة القصص:88.

[9]  أخرجه أحمد5/411.

[10]  سورة الحجرات:10.

[11]  سورة الحجرات:13.

[12]  سورة البقرة:197.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام