الاثنين 03/02/1439 - الموافق 23/10/2017 آخر تحديث الساعة 12:58 م مكة المكرمة 10:58 ص جرينتش  
مقالات

معضلة النزعات الانفصالية

1439/01/17 الموافق 07/10/2017 - الساعة 10:44 ص
|


عبد النور بن عنتر

 

 

 

يعرف القانون الدولي، منذ نشأته، توتراً وتناقضاً بين مبدأين أساسيين ومؤسسين، هما احترام الوحدة الترابية للدول من جهة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها من جهة ثانية. وإذا كان الأخير مشروعاً في حال احتلال، ويبقى مقدّساً من حيث المبدأ في الترسانة القانونية الدولية، فإنه يطرح معضلاتٍ سياسية في غاية من التعقيد، لما يتعلق الأمر بالانفصال عن دولة قائمة معترف بها بحكم قواعد القانون الدولي.

هناك كثير من بؤر التوتر الانفصالية والمتنوعة في العالم، بعضها منخفض الحدة، وبعضها الآخر مرتفع الحدة، غالباً ما تتسبب، في الحالة الثانية، في حروب داخلية أو بين دول مثل تشيشينيا في روسيا وشرق أوكرانيا حالياً، وكشمير في الهند، وكردستان في العراق (نظم الآخر استفتاءً شعبياً)، التاميل في سيريلانكا، الشياباس في المكسيك، التبت (ضمّته الصين بالقوة)... زيادة على حركات انفصالية عديدة في أفريقيا. ما زال بعض هذه الحركات الانفصالية ناشطاً، وبعضها الآخر خمد فتيله ولو إلى حين. هناك أربعة نماذج انفصالية نجحت في الحصول على الاستقلال، إريتريا المستقلة عن إثيوبيا وتيمور الشرقية المستقلة عن إندونيسيا وجنوب السودان المستقل عن السودان وأخيرا كوسوفو عن صربيا.

الملاحظ أن الحركات الانفصالية في الدول التسلطية و/أو المتخلفة تريد الانفصال، لأنها تعتبر أقاليمها مضطهدة ومهمشة، أما في الدول الديمقراطية المتطورة، فإن الأقاليم الراغبة في الانفصال هي عموماً الأكثر تطوراً في بلدانها. والفرق شاسع بين النموذجين. في الحالة الأولى تعاني تلك الحركات القمع، وفي الثانية، هي تتمتع بحرية معتبرة، ويستفيد بعضها بوضع خاص (حكم ذاتي) ويشارك في مؤسسات البلاد.

بغض النظر عن الحق المشروع لمختلف الحركات في الانفصال، في العالم، هناك معضلة في التعامل معها: إرضاء النزعات الانفصالية الكثيرة سيقود، في نهاية المطاف، إلى تفكك دول كثيرة، خصوصا أن بعضها يعرف أكثر من حركة انفصالية في أقاليم بأكملها. وما زاد الأمور تعقيداً أن الديمقراطية شكلا للحكم لم تعد حلاً كافياً لاحتواء النزعات الانفصالية، وتذويب مطالب الأقاليم في نماذج مختلفة من الحكم الذاتي، إطارا توافقيا يحفظ ديمومة كيان الدولة-الأمة القائمة. ونظراً إلى عدم تجانس الأغلبية الساحقة لسكان دول العالم، فإن قاعدة مصائب قوم عند قوم فوائد لا تعمل في هذا السياق، بل من يقول بها ويوظفها يلعب بالنار، لأنه قد يكون القادم على قائمة التفكك الدولتي. لذا، يبدي السواد الأعظم من الدول حذراً في التعامل مع النزعات والمطالب الانفصالية، وإن كان بعضها لا يتردّد في توظيفها لضرب استقرار الجار القريب أو البعيد. لكن، في مثل هذا الموقف مغامرة مجهولة العواقب.

على عكس النزعات الانفصالية في الدول التسلطية التي تقود دائماً إلى حروبٍ في حال تحولها إلى مشروع انفصالي حقيقي، كثيراً ما تعتمد الحركات والأقاليم الراغبة في الانفصال عن الدول الديمقراطية التي هي جزء منها مبدأ حق تقرير المصير، بتنظيم استفتاء شعبي للانفصال، وإقامة دولة مستقلة، كما حدث أخيرا في إسبانيا، فقد نظم إقليم كتالونيا استفتاءً اعتبرته حكومة مدريد غير شرعي، وحاولت إجهاضه بالقوة. نتائج هذا الاستفتاء غير مفاجئة، بالنظر إلى التعبئة الكبيرة في أوساط المنادين بالاستقلال عن إسبانيا الذين يرغبون في إقامة جمهورية كتالونية مستقلة عن المملكة الإسبانية. لكن هذه التعبئة لم تفسح المجال للكتالونيين المناوئين للانفصال، ما ينذر بانقسام المجتمع الكتالوني.

عموماً، تعود رغبة الأقاليم في الانفصال عن دولها إلى أربعة عوامل تقليدية أساسية، لا تتوفر بالضرورة كلها في الحركة الواحدة. أولاً العامل التاريخي، أي تاريخ الإقليم وتشكل هويته وعلاقته بالدولة المركزية، وتشترك مختلف الحركات الانفصالية في هذا العامل. ثانياً، العامل الديني الذي يعد المحرك الأساسي للحركة الانفصالية في إيرلندا الشمالية (الكاثوليكية) مثلاً. ثالثاً، العامل اللغوي الذي هو حاسم في حالتي كتالونيا والفلامنك. العامل الرابع هو القمع والتهميش، لكنه ينسحب عموماً على الحركات الانفصالية في الدول التسلطية، فضلاً عن العوامل الثلاثة السابقة. وهناك عامل رابع حديث نسبياً، وهو العامل الاقتصادي، فإقليم كتالونيا مثل شمال إيطاليا يشكل كل واحد منهما المنطقة الأكثر ثراءً وتطوراً اقتصادياً في البلدين. وبالتالي، هما يندرجان أيضاً ضمن فئة الانفصال لدواع اقتصادية، فكلاهما يريد أن يتخلص من بقية البلاد التي يعتبرها متخلفةً وفقيرةً، وتكلفها الكثير لتقاسم الثروات معها وتحمل أعباء تخلفها.

لا يضع استفتاء كتالونيا الدولة الإسبانية على المحك فقط، والتي تواجه أيضاً نزعة انفصالية في إقليم الباسك، وإن كانت أقل حدة، بل يضع أيضاً عدة دول في الاتحاد الأوروبي في حالة صعبة للغاية، كونها تشهد حركات وتوجهات انفصالية تهدّد كيانها. فضلاً عن إسبانيا، هناك عدة حركات وأقاليم انفصالية، من أبرزها الفلامنك في بلجيكا، رابطة لومبارديا في إيطاليا، الساعية إلى استقلال بادنيا عن بقية البلاد، وإيرلندا الشمالية واسكتلندا في المملكة المتحدة. فالأخيرة التي تشكل جزءًا من المملكة المتحدة بموجب معاهدة الاتحاد لعام 1707 تسعى إلى الانفصال هي الأخرى. ونظمت استفتاء شعبياً في سبتمبر/ أيلول 2014، لكن النتيجة جاءت ضد الانفصال. وتسعى اسكتلندا إلى الاستقلال عن بريطانيا لدواع اقتصادية أيضاً، ذلك أن حوالي 90% من حقول النفط في بحر الشمال تقع في مياهها. وأعيد طرح القضية مجدداً بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لأن اسكتلندا تريد البقاء في الاتحاد. وبالتالي، في حال انفصالها، لن تواجه عقبة أمام انضمامها للاتحاد، عكس كتالونيا.

ترى دول الاتحاد الأوروبي التي تعاني تصدّعاً في وحدتها الترابية في الاتحاد درعاً واقياً لها، ليس لقدرته على منع الانفصال إن حدث، وإنما لأن كل الأقاليم الراغبة في الانفصال، مثل كتالونيا، ترغب في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن قوانين الأخير المتعلقة بالعضوية معقدة للغاية، وتقتضي مصادقة كل الدول الأعضاء على معاهدة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن مصادقة إسبانيا على انضمام كتالونيا للاتحاد، إن هي استقلت فعلاً، مستبعدة تماماً، والشيء نفسه يقال عن بلجيكا فيما يخص إقليم الفلامنك.

---------------

العربي الجديد

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام