الجمعة 10/02/1440 - الموافق 19/10/2018 آخر تحديث الساعة 11:13 م مكة المكرمة 09:13 م جرينتش  
دعوة

ما هو موضوع "علم الدَّعوة"؟

1439/02/19 الموافق 08/11/2017 - الساعة 04:36 م
|


الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعدُ،

فإنَّ لتحديدِ موضوع أيِّ علمٍ من العلومِ أهمِّيَّةً كُبرى، فهو مبدأُ "مبادئهِ العَشَرة"[1]، وهو الدَّائرةُ الَّتي تتنامَى في بوتقتها المعارفُ وتتراكَمُ، ليتمّ اختبارُهَا عبرَ أدواتِ النّقد المنهجيِّ والعلميِّ؛ ليذهبَ الزَّبَد جُفاءً، ويبقى ما ينفعُ النّاسَ، وهو -أي موضوعُ العلم- بالنِّسبة للمُتعلِّم يُعتَبرُ المدخلَ الواسعَ لفهم قضاياه ومسائله.

ولذلك: نلحظ أنّ لكل علمٍ من العلوم موضوعاً واضحاً ومتميّزاً يخصُّه: فعلم الصّرف مثلاً، موضوعه دراسة بنية الكلمة، في سياق تصريفاتها المختلفة، وموضوع علم النّحو دراسة العلاقة بين الكلمات في الجملة، وموضوع علم الفقه هو دراسة أفعال المكلّفين، وموضوعُ علم أصول الفقه، هو دراسة الأدلة الشَّرعيّة، ...إلخ، فهذه العلوم كلُّها لا اختلاف بين أربابها، حول موضوعها المحدّدً.

أمّا بالنِّسبة للدَّعوة، فإنَّ موضوعها والحَقلَ الَّذي تجري فيه بحوثُها، أي باعتبارها علماً من العلوم الشّرعيَّة، لا يزالُ ملفوفاً بالغموض، ذلك رغمَ أنَّ المجتمعَ الإسلاميَّ، خاصّةً في عهد القرون الثَّلاثة المفضَّلة الأولى، كان مجتمعاً دعويّاً، وكانت الدّولةُ فيهِ "ترى الدّعوةَ إلى اللهِ أُولَى وظائفِها، وأهمَّ واجباتها، بل ترى الدّعوةَ سرَّ وجودِها وقيامِها"[2]. فلذا لم تكنْ ثمَّة حاجةٌ إلى وجود "فقه الدَّعوة"، في مجتمعٍ يتحرِّك بالدّعوة ويُجسّدُها في واقع حياته[3].

ورغم أنّنا نجدُ -خاصَّةً في باب الزُّهد والرّقائق- كثيراً من الجهود الوعظيَّة والتَّجارب الدَّعويَّة لدى أئمّة السّلف، إلا أنّ البحثَ في الدّعوة باعتبارها علماً أو منهجاً أو فقهاً أو أُصولَ فقهٍ، لم يُبتدرْ إلا في العصر الحديث، مع نُشوء جماعاتِ الدَّعوة المعاصرة، في العديد من أقطار العالم الإسلاميِّ، فمسَّتْ الحاجةُ لوجود علم الدّعوة أو فقهها، من أجل ضبط وتنظيم نشاطِها الدَّعويِّ، فتكاثرت الدّراساتُ الدَّعويَّة ونمت وازدهرت، خاصّةً بعد إنشاء معاهد وكليّاتٍ متخصِّصة في الدَّعوة الإسلاميّة[4].

إنّ تحديد "موضوع الدعوة الإسلاميّة" هو الخطوة الأولى، الّتي لا يمكن تجاوُزها للحديث عن فقهٍ أو علمٍ للدَّعوة، إذ كيف لنا أن نتحدَّث عن "فقه" شيءٍ لم يتسنَّ لنا بعدُ أن نتّفق على تحديد موضوعه؟! ناهيكَ أن نفكر في التخطيط له وتطويره!

وأحاول في هذا المبحث، رسم إطارٍ عامٍّ لموضوع الدعوة، انطلاقاً من معناها:

تحديدُ موضوع الدَّعوة استناداً إلى معناها:

تدلُّ كلمةُ الدَّعوة في اللّغة العربيّة، على "علاقةٍ بين طرفينِ هما الدّاعي والمدعوُّ، هدفُها: أن يستجيبَ المدعوُّ لدعوةِ الدّاعي"[5].

إذن، فإنَّ مفهومَ الدَّعوة يتكوّنُ من ثلاثةِ أركانٍ أساسيَّة: الدّاعي والمدعوُّ وهدفُ الدّعوة: ونجدُ هذه الأركان الثلاثة متضمّنةً في تأصيل العلاّمة ابنِ فارس لمادة "الدّعوة"، حيث قال: "الدَّالُ والعينُ والحرفُ المعتلُّ" أصلٌ واحد، وهو أن تُميلَ الشَّيءَ إليك بصوتٍ وكلامٍ يكونُ منك"[6]. ومن ذلك: "النّداء"، حيثُ يُقالُ: "دَعَوْتُ فلاناً، أَي صِحْتُ به واسْتَدْعَيْتُه"، "وتَداعى القومُ: دعا بعضُهم بعضاً؛ حتى يَجتمعوا".

وعند تتبُّع الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة، يُبيِّنُ لنا بوضوحٍ أنَّ المعنى الأساسيَّ للدَّعوة في النُّصوص الشّرعيَّة، هو نفسُه معناها اللُّغويُّ، متضمِّناً أركانَها الثَّلاثة، بَيْدَ أنَّ الهدفَ في هذه الحالةِ هو الدَّعوةُ للدِّين عامَّةً، كما في قولِه تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النَّحل: ١٢٥]،  أو لبعضِ أوجُهِ الخيرِ خاصَّةً، وذلك مثل قولِه -صلَّى الله عليه وسلّم-: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى؛ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ"[7].

انطلاقاً من هذا المفهوم البسيط، الذي قرّرته نصوص اللّغة والشرع، نلحظ أن موضوع الدعوة، في المقام الأول: "علاقةٌ إنسانيَّة"، تجمعُ بينَ نفسينِ إنسانيَّتين: نفسِ الدّاعية ونفسِ المدعوِّ، وبالتَّالي فإنّ معرفةَ طبيعة النّفس الإنسانيّة عموماً، سيُعينُ على فهمِ طبيعة هذه العلاقة، ومن ثمّ يُعين على تحديد موضوع الدّعوة.

وثمّة كثير من الحقائق الشرعيّة، ممّا قرّره جماعةٌ من أئمَّة السَّلف -كابنِ الجوزيِّ وابنِ تيمية وابنِ القيِّم- تؤكد على أنّ الإنسانَ مفطورٌ -في إطار علاقاتِهِ مع الآخرين- على أن تكونَ ذاتُهُ هي مركزَ وجودِه، ومحورَ حياتِه، ويُسمَّى هذا بعاطفةِ أو غريزةِ حبِّ الذّات، الَّتي تُماثلُ -في إطار العلاقات بين الدُّول- ما يُسمَّى بمبدأ سيادة الدَّولة على إقليمها!

ولذلك يُلحظُ أنَّ كلَّ الفلسفاتِ والعقائد والمذاهبِ والدّعواتِ تعرضُ نفسَها على الإنسان باعتبار أنَّها هي التي تُحقِّقُ مصلحته الحقيقيَّة، سواء كان هذا الإنسانُ فرداً أو جماعة.

وقد أقرَّ الإسلامُ هذا الواقع الطَّبيعيَّ الفطريَّ، إذ لم يرد في الشّرعِ ما يدلُّ على غير ذلك، وإنَّما قِيل للإنسان: إنَّ مصلحته الحقيقيَّة هي في الإيمان بالله -عزّ و جلّ- واتِّباع الشَّريعة الإلهيَّة، وقيل له في القرآن الكريم: {من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه، ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها} [الإسراء : 15]، أي: "من استقامَ على طريق الحقّ، فليس ينفعُ غيرَ نفسِه، ومَن جارَ عن قصد السَّبيل، فليس يضرُّ غيرَ نفسِه"[8].

بل لنلحظ: أنَّ تلك التّوجيهاتِ العديدةَ التي تتضمّنها النُّصوص الشَّرعيَّة المتعلّقة بالدّعوة، والّتي تحثُّ وتحُضُّ على أن يكونَ الخطابُ الدَّعويُّ: حكيماً، واعظاً بالحَسَنَةِ ومجادلاً بالتي هي أحسن، من مثل قوله تعالى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً، لعلَّه يتذكّر أو يخشى} [طه: 44]، كلُّ هذه التَّوجيهاتِ، إنّما تستندُ بوضوح إلى هذه الطبيعة الإنسانيَّة الأساسيّة.

وعندئذٍ فينبغي أن يكون من المباحث المهمّة في فقه الدّعوة: تحديدُ حقيقة النَّفس الإنسانيَّة، وبيانُ ما يُمثّل طبيعتها الأساسيّة، لأنّها هي الموضوع الذي يعمل الداعية على إحداث التأثير فيه.

كانت هذه وقفاتٍ وتنبيهاتٍ سريعة، بين يدي هذه المسألة المهمة، التي أُتيح لي معالجتها من قبلُ بشيء من التّفصيل[9].

المراجع



[1] قال ابن عابدين: (اعْلَمْ أَنَّ مَبَادِئَ كُلِّ عِلْمٍ عَشَرَةٌ نَظَمَهَا ابْنُ ذِكْرِيٍّ فِي تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ فَقَالَ:

فَأَوَّلُ الْأَبْوَابِ فِي الْمَبَادِي ... وَتِلْكَ عَشْرَةٌ عَلَى الْمُرَادِ

الْحَدُّ وَالْمَوْضُوعُ ثُمَّ الْوَاضِعُ ... وَالِاسْمُ وَاسْتِمْدَادُ حُكْمِ الشَّارِعِ

تَصَوُّرُ الْمَسَائِلِ الْفَضِيلَةُ ... وَنِسْبَةٌ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ).

الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (1/ 36).

[2] المدخل إلى علم الدّعوة، ص 23.

[3] قارن مع: "المدخل إلى علم الدّعوة"، ص 24، وانظر كذلك: "قواعد وضوابط فقه الدّعوة عند شيخ الإسلام ابن تيمية"، لعابد بن عبد الله الثبيتي، هامش ص 95.

[4] مثل "المعهد العالي للدّعوة الإسلاميّة"، بالرِّياض، عام 1396هـ الموافق 1976م، وأصبح اسمُ المعهد حاليّاً: كلية الدَّعوة والإعلام ، انظر المدخل إلى علم الدّعوة، ص 5، 6.

[5] من إعداد الباحث.

[6] معجم مقاييس اللُّغة، 2/228.

[7] صحيح البخاري: ج 13 ص 164.

[8] ابن جرير الطبري، جامع البيان، ج 17، ص 402، مع حذف ما لا حاجة لهُ، ولا يؤثِّر في المعنى المقصود.

[9] مساهمة في تحديد موضوع فقه الدعوة الإسلامية،

http://fiqh.islammessage.com/NewsDetails.aspx?id=3599.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام