الأربعاء 04/03/1439 - الموافق 22/11/2017 آخر تحديث الساعة 08:31 ص مكة المكرمة 06:31 ص جرينتش  
تزكية

ما هي الأمانة التي حملها الإنسان؟

1439/02/22 الموافق 11/11/2017 - الساعة 06:35 م
|


الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعد،

فهذا مبحثٌ تحليليٌّ يقفُ بين يدي قول الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]، وذلك من أجل بيان المقصود بالأمانة، في هذه الآية الكريمة.

أقوال السلف في معنى الأمانة:

ورد عن أئمة السلف، في تحديد المقصود بالأمانة، عدّة أقوال، تشمل: الدّين، والطّاعة، والفرائض، والحدود، والصَّلاة، والصِّيام، والغسل من الجنابة، وغير ذلك، وعن أبي بن كعب: (من الأمانة أن المرأة اؤتُمنت على فَرْجها)1، وعن ابن مسعود: (هي في أمانات الأموال، كالودائع وغيرِها، ورُوي عنه أنَّها في كلِّ الفرائض، وأشدُّها أمانة المال)2.

ويقول ابن جرير الطبريّ، بعد إيراده لمختلف الأقوال في معنى الأمانة: "(وأولى الأقوال في ذلك بالصَّواب، ما قاله الَّذين قالوا: إنَّه عُنِيَ بالأمانة في هذا الموضع: جميعُ معاني الأمانات في الدِّين وأمانات الناس، وذلك أنَّ الله لم يخُصَّ بقوله {عَرَضْنَا الأمَانَةَ} بعض معاني الأمانات)3.

إذن، الأمانة معناها معروف، فهي ضدُّ الخيانة، وتتعلّق بحفظ شيءٍ هو أيضاً نسمّيه أمانة، وهذه الأمانة هي الدّينُ كلّه، قد أودعه الله عزّ وجلّ، أمانةً لدى الإنسان، بعد أن أشفَقَتْ من حملها السمواتُ والأرض.

حديث نزول الأمانة ورفعها:

 روى حذيفة رضي الله عنه، قال: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا: أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ! وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا، قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا! وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ! وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا»4.

الأمانة هي عين الإيمان:

قال صاحب التحرير5: (الأمانةُ المذكورة في الحديث، هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي عينُ الإيمان، فإذا استمكنت في القلب قام بأداء ما أُمِرَ به واجتنب ما نُهي عنه).

 وقال ابن العربي: (المرادُ بالأمانة في حديث حذيفة: الإيمانُ، وتحقيق ذلك: فيما ذُكر من رفعها، أنّ الأعمال السيئة لا تزال تُضعفُ الإيمان، حتى إذا تناهى الضّعف، لم يبقَ إلا أثر الإيمان، وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب)6 .

قال العلامة ابن حجر: (قد يُفهم منه أن المراد بالأمانة في الحديث الإيمانُ، وليس كذلك، بل ذكر ذلك لكونها لازمةَ الإيمان)7، وذكر ابن حجر، في موضعٍ آخر قولَ من قال إنّها: (معنىً ما إذا تمكّن في قلب العبد، قام بأداء التكاليف)8.

ولسنا نعرف معنىً يستقرُّ في القلب، فتصدر عنه التكاليف، غيرُ معنى الإيمان، فالأمانة التي أنزلها الله في جذر قلوب الرِّجال من أجل أن يحفظوها هي هذا الإيمان، يؤكد ذلك قولُ الله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} سورة الحجرات: الآية (7)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له»9، ثمّ كلامُ الحسن البصريّ: (الإيمانُ ما وقر في القلب وصدّقه العمل).

وحديث حذيفة في نزول الأمانة ورفعها، كذلك فيه دلالة صريحة، إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ!»10!

إذن، الأمانة الكبرى هي الإيمان؛ لأنّه هو الطّاقة الروحية التي تبعث في المؤمن قواه الإيجابيّة الفطرية، وتوجّهها نحو تحقيق العبوديّة لله عزّ وجلّ، وتوفّقه إلى القيام بأداء الأمانات كلها، الشَّرعيّة والدنيويّة.

الخلاصة:

قوله صلّى الله عليه وسلم: «أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ»، ثمّ قوله: «وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ!» يُشيران إلى أنّ القلب هو محلُّ الإيمان، ويُصدِّقه قوله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»11.

وإذا كنا رأينا أنّ النّية هي المحلّ الذي يتم فيه تحقيق الإخلاص، عند كلّ قولٍ وعمل؛ فذلك إنّما يتمّ من خلال استجاشة الإيمان، حتى ينبثق العمل منه انبثاقاً، يؤكد هذا المعنى الربط الذي نجده بين معنى الأمانة، وبين معنى الأمانات.

وفي ذلك مصداق لما ذكره الشيخ وليد بن راشد السعيدان، من قوله: (ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها؛ عَلِمَ علْم اليقين هذا الارتباط الوثيق، وعلم أيضاً أن أعمال الجوارح لا تنفع بدون أعمال القلوب، وأن أعمال القلوب هي المتحكمة في أعمال الجوارح، وأن الجوارح لا تشتغل أبداً إلا بما امتلأ به القلب، فهذه القاعدة أصل عظيم من أصول هذه الشريعة) 12

وهذا المعنى يصدق حتى على العمل غير المقبول، أو حتى على العمل المخالف للشريعة؛ فإنه يصدر عن قلب صاحبه الذي طمسته آثار الشهوات والمعاصي.

المراجع

  1- تفسير الطبري: 20/342.

  2- تفسير القرطبي: 14/225.

  3- تفسير الطبري: 20/342.

  4- صحيح البخاري (7086).

  5- هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني، مؤلف كتاب: "التحرير في شرح صحيح مسلم"، وهو مخطوط لمّا يُطبع بعد.

  6- فتح الباري: 3/3165، طبعة الأفكار الدولية.

  7- فتح الباري: 3/2854، طبعة الأفكار الدولية.

  8- فتح الباري: 1/58، طبعة الأفكار الدولية، والنص الوارد، هو: "معنىً ما إذا تمكّن في قلب العبد، إذ قام بأداء التكاليف" فيه زيادة (إذ)، يبدو أنها تصحيف.

  9- صحيح ابن حبان (194).

  10- صحيح البخاري (7086).

  11- صحيح البخاري (52).

12- رسالة في تحقيق قواعد النية: ص (2- )، باختصار وتصرف يسير.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام