الخميس 14/07/1440 - الموافق 21/03/2019 آخر تحديث الساعة 02:37 م مكة المكرمة 12:37 م جرينتش  
تزكية

ما هي الطّبيعة الأساسيّة للنّفس الإنسانيّة؟ (2)

1439/04/14 الموافق 01/01/2018 - الساعة 05:51 م
|


الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعدُ،

فإنّ محور حديثنا في هذا المبحث، إنّما يدور على  قولِ الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10]،

حيث أكّدنا في الحلقة الماضية، على أهميّة معرفةَ حقيقةِ النّفس الإنسانيّة، أي معرفةَ الإنسانِ حقيقةَ ذاته، وذلك بمعرفة الحقائق الشّرعيّة والفطريّة الأساسيّة المتعلّقة بتسوية النّفس الإنسانيّة، وغرس كلٍّ من قوّتي الفجور والتّقوى فيها، فالمعرفة قوّةٌ، وهي وسيلةُ الإنسان للتّحكّم في الوجود، وجوده الذّاتيّ ووجوده الاجتماعيّ، وذلك ما لا يتحقّق إلا بتحقيق هدفٍ أساس، ألا وهو تزكية النَّفس، التي هي طريقُ الفلاح والنّجاح في الدّنيا والآخرة، وقد راجت في عصرنا هذا الدّعوةُ إلى تحقيق النّجاح في الحياة والأسرة والوظيفة، واحتلّت الكتبُ الدّاعية إلى ذلك، مساحةً واسعةً من أرفف المكتبات، فليعلم كلُّ مسلم: أنّ ذلك ما لن يتحققَ إلا عبر نصوص الشّرع وحقائقه. 

فمن أهمّ الشروط لتحقيق هدف تزكية النفس: معرفة طبيعتها. ولذا تساءلنا في ختام الحلقة السابقة: ما هي طبيعة النّفس الإنسانيّة؟ واقترحنا هذه الإجابة:

(إنّ الإنسانَ مفطورٌ على أن تكونَ ذاتُهُ هي مركزُ وجودِه، ومحورُ حياته، وهذا النّزوعُ الطّبيعيُّ الفطريُّ للإنسان، هو ما يُسمّى بغريزةِ حبِّ الذّات، وهو الّذي يُسمّى عند عامّة النّاس بالأنانيَّة، أي أن  تكون "الأنا" هي قطبُ وجوده، والمرجعُ الأساس في قراراته وسلوكه).  

فالأنانيّة بمعنى أن تكون ذاتُ الإنسان هي محور وجوده، ليست عيباً في حدّ ذاتها، وليست رذيلةً، وإنّما تكون رذيلةً عندما تكون دائرة هذه الأنا ضيّقةً، لا تسعُ إلا صاحبها، وبالتالي فإنّ دائرة الأنا قد تتّسع لتشمل الاهتمام كذلك بمصالح الآخرين.

في هذه الحلقة، نؤكد على صحّة هذا الجواب، ونذكر من الأدلّة الفطريّة والشرعيّة ما يشهد على صحته.

أولاً: دليل الملاحظة البدهيّة العامّة:

إنّ هذا الدّليل يُنبّهنا إلى أنّ الملاحظة البدهيّة لأيّ إنسان، من خلال رصد مختلف ضروب سلوكه، تدلُّنا -بكلّ وضوح- على حقيقتين:

الأولى: أنّ الأهداف والغايات التي يسعى إليها الإنسان، كلّها تدور حول محور ذاته وما يحقّق مصلحته الشخصيّة والذّاتيّة والأنانيّة، وذلك سواءٌ كانت هذه المصلحةً معنويّة أو مادّيّة.

الثّانيّة: أنّ مفهوم الإنسان للمصلحة، يتحدّد بحسب عقيدته والرؤية الكلّية التي ينظرُ من خلالها للحياة والوجود كلّه.

إنّ النزاع بين الناس منذ أقدم العصور، حول المنافع الماديّة، دليلٌ واقعيٌّ محسوس، على أنّ الأنانية وحبّ الذات هو الطبيعة الأساسيّة للنفس الإنسانيّة، وقد أكّد ذلك القرآن الكريم في قول الله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128] (أي: جُبٍلت النفوسُ على الشُّح، وهو: عدمُ الرَّغبة في بذل ما على الإنسان، والحرصُ على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعاٌ)[1].

 وما جُبلت عليه النفوس طبعاً، فلا يُمكنها أن تتخلّص منه أبداً، وإذا رجعنا إلى سياق الآية فلن نجدَ فيها أيّة دعوةٍ صريحةٍ أو ضمنيّة للتّخلّص من الشّحّ ذاته، وإنّما ستجد حثّاً وتشجيعاً على توسيع دائرة "الأنا"، حتى تشمل حقوق الآخرين، يدلّك على ذلك قول العلامة السعديّ بعد ذلك: (فمتى وُفِّق الإنسانُ لهذا الخُلُقِ الحسن؛ سهُل حينئذٍ عليه الصلحُ بينه وبين خصمه ومُعامِلِهِ، وتسهَّلت الطريقُ للوصول إلى المطلوب).

تأمّل قول الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34، 35].

يعني: (وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة {إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا} نفوسَهم على ما تكره، وأجبروها على ما يُحبُّه الله، فإنَّ النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان؟ فإذا صبر الإنسانُ نفسه، وامتثل أمر ربِّه، وعرف جزيل الثواب، وعلم أنَّ مقابلته للمسيء بجنس عمله، لا يُفيده شيئًا، ولا يزيدُ العداوة إلا شدة، وأنَّ إحسانه إليه، ليس بواضعٍ قدره، بل مَن تواضع لله رفعه، هان عليه الأمر، وفعل ذلك، متلذذًا مستحليًا له)[2].

فهنا لم يقل لك: اقتلع غريزة الأنا من جذورها، لتُقابل المسيء بالإحسان، ولكن اجعل من مقابلة المسيء بالإحسان مصلحةً شخصيّةً لك، ولا ريب أنّها مصلحة، عندما تنظر إلى عظم الأجر المدخور لك يوم القيامة، ولذلك طلب منك أن تعمل عملاً معيّناً لا يتضمّن أن تُغيّر طبيعتك الأنانية، الباحثة عن المصلحة والكسب العاجل، ولكن أن تقنعها بأنّ هذا الكسبَ كذلك عاجلٌ، وفيه مصلحة لا تدانيها مصلحة.

مشهد أبي جهلٍ وسميّة أم عمّار:

ولذلك فإنّنا عندما نرى مشهد أبي جهل عليه من الله ما يستحقّ، وهو يعذّبُ سُميّة أمّ عمّار بن ياسر رضي الله عنهم، إنّما نرى في الحقيقة: أنّ كلّاً منهما كان يحقّق مصلحته الذّاتيّة الخاصّة، المستندة إلى رؤيته في الحياة، فأبو جهلٍ في سبيل إيمانه بما هو فيه من الكفر، لم يُبالِ بأن يُضيّع القيمة الماديّة المتمثلة في سُميّة باعتبارها أحد ممتلكاته، فقتلها من أجل هذا المبدأ الكفريّ، وكان بإمكانه أن يبيعها، ويستفيد من قيمتها المادّيّة، وبالمقابل فإنّ سميّة كان بإمكانها أن تنطق بكلمة الكفر، حتّى تُحافظ على حياتها، لكنّها اختارت الموتَ مؤمنةً، على أن تحيا كافرة.

لقد كان كلاهما حريصاً على تحقيق مصلحته الشخصيّة، بحسب المفهوم الخاص للمصلحة الذي يؤمن به كلُّ واحدٍ منهم.

إذن،

فالطبيعة الأساسيّة للنفس الإنسانيّة، تتمثّل في غريزة حبّ الذات، التي يُمكن تنميتها والارتقاء بها، حتّى تستوعب أموراً كثيرة، يُقنعُ المرء نفسه بأنّها تُمثّل مصلحةً شخصيّةً حقيقيّة له. فقطب "الذات" هو الذي تدور عليه كلّ حياة الإنسان، ولكن شتّان بين "الذّات المسلمة" و"الذّات الكافرة"، شتّان بين "حبّ الذّات" لدى المؤمن بالله تعالى، وبين "حبّ الذات" لدى الكافر والمنافق.

اعتمدنا في هذه الحلقة على دليلٍ يقوم على البداهة، وفي الحلقة القادمة بإذن الله نذكر دليلاً علميّاً تفكُّريّاً يقوم على رؤيةٍ كلّيّة، عبّر عنه جماعةٌ من أئمة السلف، كابن الجوزي وابن تيمية وابن القيم.

والحمد لله ربّ العالمين.



[1] تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 207).

[2] تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 749).

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام