الجمعة 10/09/1439 - الموافق 25/05/2018 آخر تحديث الساعة 12:03 م مكة المكرمة 10:03 ص جرينتش  
تزكية

ما هي الطّبيعة الأساسيّة للنّفس الإنسانيّة؟ (3)

1439/05/24 الموافق 10/02/2018 - الساعة 04:51 م
|


الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعدُ،

فما زلنا نجتهد في التّعريف بطبيعة النفس الإنسانيّة، باعتبار أنّ معرفة طبيعتها هو أهمّ الشروط لتحقيق هدف تزكيتها، الّذي هو سببُ الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، كما  قال الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 7 - 9].

فذكرنا: أنّ الإنسانَ مفطورٌ على أن تكونَ ذاتُهُ و"أناه" هي قطبُ وجوده، والمرجعُ الأساس في قراراته وسلوكه. وذكرنا أنّ هذا النّزوع الطّبيعيُّ الفطريُّ للإنسان، هو ما يُسمّى بغريزةِ حبِّ الذّات، وهو الّذي يُسمّى عند عامّة النّاس بالأنانيَّة.

فهذه هي طبيعة النفس الإنسانيّة، ولكن ما هو الدليل على صحة هذا الكلام؟

ذكرنا أولاً دليل الملاحظة البدهيّة العامّة، لسلوك الإنسان، ونعزّزه بحال الإنسان في مرحلة الطفولة البريئة، فمن المعلوم أنّ حياة الطفل تدور حول محور ذاته.

ووعدنا بأن نذكر في هذه الحلقة دليلاً علميّاً تفكُّريّاً، يقوم على رؤيةٍ كلّيّة، عبّر عنه جماعةٌ من أئمة السلف، كابن الجوزي وابن تيمية وابن القيم، فهذا إذن موضوع حلقة اليوم:

طبيعة الإنسان محمولةٌ على قوّتين:

يُقرِّرُ جماعةٌ من أئمَّة السَّلف -كابنِ الجوزيِّ وابنِ تيمية وابنِ القيِّم- أنَّ حكمةَ الله قد اقتضت تركيبَ الإنسانِ -وسائر الحيوان- على طبيعةٍ محمولةٍ على قوَّتينِ:

-قوَّةِ الشَّهوةِ، التي بها يجذبُ المنافع.

-وقوَّةِ الغضب، التي بها يدفعُ المضارَّ.

فهاتان القوّتان -في تصوُّر هؤلاء العلماء الأجلاء- مركوزتان في جبلَّة كلِّ حيوان، وهما الحاملتانِ لأخلاق النَّفس وصفاتِها: (فمنهما ومن تزوُّجِهما تنتجُ سائرُ الأخلاق)[1].

وبهذا التّصوُّر يتقرَّرُ: أنَّ الصَّفاتِ الإنسانيّة أو النَّفسيَّة، هي غرائزُ أو طبائعُ "كامنةٌ في القلب"، وأنَّها كلَّها محمولةٌ على "صفتي الغضب والشَّهوة".

وبالتَّالي، فإنّ ارتقاءُ الإنسان في مراتب الإيمان أو انحطاطُه في دركات الكفر، كلاهما إنما يتمُّ عبر هاتين القُوَّتينِ.

وهنا ربما أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد لحظ في هذه الفكرة نوعاً من الغموض، وضرباً من المبالغة، فحاول إزالتَهُ بأن وسّعَ من مفهومَي الغضب والشهوة؛ فردَّهما إلى مفهومي الحبِّ والكراهيَّة، أو الجذب والدفع، يقول: (قوى الأفعال في النَّفس إما جذبٌ وإمَّا دفعٌ، فالقوَّة الجاذبة الجالبة للمُلائم هي الشَّهوة، وجنسُها من المحبَّة والإرادة، ونحو ذلك، والقوَّة الدَّافعة المانعة للمُنافي هي الغضبُ، جنسُها من البغض والكراهة)[2].

وإلى ماذا تُردُّ هاتان القوّتان؟

إذا جازَ ردُّ كلِّ العواطف والقوى الإنسانيّة إلى عاطفتي أو قوّتي الغضبِ والشَّهوة، فيجوز ردُّ هاتين العاطفتين بدورِهِما إلى عاطفةٍ واحدة:

- فالَّذي يستثيرُ الغضبَ في الإنسان ويدفعُه إلى دفع الضَّرر الواقع به/ والذي  يدفعُ الإنسان إلى جلب مصلحته هو: حبُّ الذَّات والنَّفس، فغريزة حبّ الذات هذه، هي الواقعُ الطبيعيُّ الحقيقيُّ، الّذي يتأسّس على أساسه سلوك الإنسان كلّه، وهو المراد إثباته.

في الحلقة القادمة بإذن الله، نقدم بعض الأدلّة الشرعيّة، التي تدلّ دلالةً صريحةً على هذه الحقيقة، حقيقة أنّ "غريزة حبّ الذّات" هي الواقع الطبيعي للنفس الإنسانية.

والحمد لله ربّ العالمين.

 



[1] يُراجع ابن الجوزيِّ، الطبّ الرُّوحانيُّ، وابن القيم ، مدارج السالكين ، جـ2 صـ 325 ، والنّصّ مأخوذٌ من المدارج بتصرف  .

[2]  ابن تيمية ، التفسير الكبير ،ج6 ص7 .

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام