الأحد 14/05/1440 - الموافق 20/01/2019 آخر تحديث الساعة 12:35 م مكة المكرمة 10:35 ص جرينتش  
تزكية

قراءة في إغاثة اللَّهفان من مصايد الشَّيطان [1]

1439/06/06 الموافق 22/02/2018 - الساعة 09:45 ص
|


الحمد لله، والصّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعد،

فإنّ تزكية النّفس، هي الطّريقُ لتحقيق الفلاح والنَّجاحِ في الدُّنيا والآخرة، وهي هدفٌ يظلُّ منصوباً، إذ إنّه مهما زكَّى المرءُ نفسه، يظلُّ في حاجةٍ إلى مزيدٍ من التّزكية والارتقاء، من مقامٍ إلى مقامٍ أعلى، بيدَ أنّ كلّ جهدٍ يبذله المسلمُ في تزكية نفسه، تخليةً من الرّذائل، أو تحليةً بالفضائل، لا يكون منه جدوى، إذا لم ينتبه إلى العدوِّ المتربّص به، لدى مختلف مواقف وطرق ومنعطفات حياته، ألا وهو الشّيطانُ، الّذي حذّرنا الله -عزّ وجلّ- من عداوته لبني آدم، فقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]، وأنبأنا بأنّه قد أعلن عن معركةٍ دائمةٍ ضدّ بني آدم: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 16، 17].

إنّ التحذير المتواتر في القرآن والسّنّة المطهّرة، من هذا العدوّ المتربّص، والمعركة التي أعلنها على بني آدم، من أجل إغوائهم وصدّهم عن السّبيل، يقتضي من كلِّ مسلمٍ يبغي النّجاح في الدنيا والنّجاة في الآخرة، أن يُشمّر ويُعِدّ نفسه لمواجهة هذا العدوّ المتربّص به.

وأوّل مرحلةٍ في الإعداد والاستعداد للمعركة، هي معرفة العدوِّ وطريقة تفكيره وتخطيطه وقدراته وإمكاناته وطرائقه ووسائله وعُدَّته وعتاده، ولمّا كان شيخ الإسلام ابن قيّم الجوزيّة (691 - 751هـ)، قد ألّف كتاباً يستقصي فيه كلّ هذه المعاني والدّلالاتِ، وهو كتابه "إغاثة اللّهفان من مصايد الشّيطان"[1]، فلذا قال فيه النّاظم:

إن شئتَ أن تنجو من الشَّيطانِ *** فالزَمْ كتابَ "إغاثة اللَّهفانِ"

فيه شفاءَ القلبِ من أمراضهِ *** وهو الطريقُ إلى رضا الرَّحمنِ[2]

فلذا رأيتُ -من أجل نفسي، ومن أجل القارئ العزيز- أن أجتهدَ في قراءة هذا الكتاب قراءةً متفهّمةً متدبّرةً، أحاول فيها اقتناصَ فوائده، وجنيَ ثمراته، وذلك من خلال منهجٍ عمليٍّ تطبيقيٍّ.

الطّبعة المعتمدة في هذه القراءة:

وسأعتمد بإذن الله، في هذه القراءةِ على الطّبعة التي حقّقها الباحث المدقّق محمّد عزيز شمس، وهي الطبعة التي صدرت ضمن مشروع "آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال"، وهو المشروع الذي أشرف عليه فضيلة الشيخ بكر أبو زيد[3].

إطلالةٌ عامّة على كتاب "إغاثة اللَهفان":

عند بادئ النّظر في ترتيب المؤلّف لكتابه، نجده قد رتبه على ثلاثة عشر باباً، وعند إمعان النّظر فيها، نجد أنّه في الحقيقة قد قسمه إلى قسمين أساسيّين:

القسم الأول: الأبواب التّمهيديّة، وهي الاثنا عشر باباً الأولى، وتمثّل ثمن مساحة الكتاب كلّه، وكلّها تتعلّق بالقلب من حيث أنواعُه ومرضُه وشفاؤه.

القسم الثّاني: الباب الرّئيس، الّذي هو مقصودُ الكتاب، وهو الباب الثالثَ عشرَ الذي جاء تحت عنوان: "في مكايد الشَّيطان التىِ يكيد بها ابنَ آدم"، فهو صُلب الكتاب، ويحتلّ معظم مساحته.

الأبواب التّمهيدية:

دارت موضوعات هذه الأبواب التمهيدية -كما ذكرنا- على محورٍ واحد، هو القلب، وذلك على النحو التالي:

الباب (1) في انقسام القلب إلى صحيحٍ وسقيمٍ وميّت.

الباب (2) في ذكر حقيقة مرضه.

الباب (3) في انقسام أدوية مرضه إلى طبيعيّة وشرعيّة.

الباب (4) في أن حياته مادة كل خير، وموته مادة كل شر.

الباب (5) في أن حياته لا تكون إلا بإدراك الحقّ وإرادته.

الباب (6) في أن سعادته هي بأن يكون إلهُه معبودَه ومحبوبه.

الباب (7) في أن القرآن الكريم متضمّن لأدويته وعلاجه.

البابان (8) و(9) في زكاته وطهارته من أدرانه وأنجاسه.

الباب (10) في علامات مرضه وصحته.

الباب (11) في علاج مرضه من استيلاء النّفس عليه.

الباب (12) في علاج مرضه بالشيطان.

ومغزى التّمهيد للكتاب بالكلام عن "القلب" وأحواله من حيث الصِّحة والاعتلال؛ لأنّ القلبَ هو ميدانُ المعركة الرئيس، بين الشيطان والإنسان، والذي اختار القلبَ ليكونَ موقع المعركةِ، هو إبليسُ، لعلمه بأنّ قلب الإنسان هو أساسُ هدايته، كما أنّه أساسُ غِوايته.

الباب الرّئيس:

الباب الرئيس في هذا الكتاب، كما ذكرنا هو الباب الثالث عشر، الذي هو غاية الكتاب ومقصوده، (وقد ذكر المؤلف أن هذا الباب الأخير هو الذي وضع الكتاب لأجله، ولذلك توسَّع فيه كثيرًا، واستقصى جميع المكايد التي يكيد بها الشيطانُ الإنسانَ، والمصايد التي يصيدُه بها)[4].

ختاماً:

بعد هذه الإطلالة العامّة، نبدأ بعملية قطف ثمرات هذا الكتاب، وثمراتُه جنيّة منوّعة، فلذا سوف نهتمّ بقطف ما يتعلّق منها بموضوعنا الأساس: ألا وهو معرفةُ العدوِّ المتربّص، ومعرفةُ وسائله وحبائله، ومعرفةُ كيفيّة النّجاة منها، وتحقيق الفلاح بإذن الله تعالى في الدنيا والآخرة.

وقبل ذلك، يلزمنا أن نبدأ بما بدأ به الإمام ابن القيّم، من التوجّه إلى ميدان المعركة "القلب"، والتّعريف به، وكيفيّة تحصينه وسدِّ ما قد يحدث فيه من ثغرات.

فإلى الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.

المراجع

[1] ذكر الأستاذ محمد عزيز شمس، أنّ الاسم الصَّحيح للكتاب هو: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان"، وليس "من"، ولكنّني آثرتُه بـ"من" لكونه أكثرَ شهرةً، وأقربَ دلالةً، فهذا الكتاب عبارةٌ عن توجيهات شرعيّة لإغاثة اللهفان "من" الوقوع في مصايد الشيطان.

[2] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (مقدمة/ 32).

[3] إِغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، حَقَّقَهُ: محمد عزير شمس، خَرَّجَ أَحاِيثَه: مصطفي بن سعيد إيتيم، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع.

[4] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (مقدمة/ 13).

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام