الأحد 14/05/1440 - الموافق 20/01/2019 آخر تحديث الساعة 12:49 م مكة المكرمة 10:49 ص جرينتش  
تزكية

قراءة في إغاثة اللَّهفان من مصايد الشَّيطان [2]

1439/06/27 الموافق 15/03/2018 - الساعة 09:26 ص
|


الحمد لله، والصّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعد،

ففي إطار قوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]، تأتي هذه القراءة المباركة بإذن الله تعالى، والتي نهدف بها إلى الدُّخول في ضمان قول الله تعالى وهو يخاطب إبليس: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]؛ يقول ابن القيم:

(فهذه الإضافةُ هي القاطعة بين العبد وبين الشَّياطين، وحصولُها بسبب تحقيق مقام العبودية لربِّ العالمين، ...، فإذا أُشرب القلبُ العبوديَّةَ والإخلاصَ صار عند الله من المقرَّبين، وشَمِلَه استثناءُ {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40])[1].

ولن يصل الإنسان إلى مقام العبوديّة المخلصة، إلا انتصر على الشيطان، في تلك المعركة الفاصلة الكبرى، التي أعلنها عليه عدوُّه إبليس، والتي تستمرّ مدّة حياته.

ونبدأ بما بدأ به ابن القيّم، في مواضع متفرّقة من مقدمة الكتاب، وفصله الأول، من تحديد ميدان المعركة، وبيان القوى الفاعلة فيه.

ميدان المعركة ومحلّها:

ميدان المعركة بين الإنسان عامّةً وإبليس، هو الأرض، وذلك أنّهما معاً قد كانا في السّماء، فلمّا حدث ما حدث من وسوسة إبليس وإغوائه لآدم، جاء حكمُ الله تعالى: { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36].

وميدانُ المعركة بين كلِّ إنسانٍ خصوصاً، والشيطان، هو حياة الإنسان كلّها، ذلك لأنّ إبليس أعلنها على الإنسان معركة شاملةً، قائلاً: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 16، 17].

وميدان المعركة الحقيقيّ، بين الإنسان والشيطان، هو القلبُ، فإذا تمكّن الشيطان من اقتحامه وبسط نفوذه فيه، فهو المنتصر، وإذا استطاع الإنسانُ حماية قلبه ورعايته وتنمية قواه والرُّقيّ به إلى مقام العبوديّة الخالصة لله تعالى، فهو المنتصر، يقول ابن القيّم في بيان هذا المعنى:

(لمَّا علم عدوُّ الله إبليس: أنَّ المدار على القلب والاعتماد عليه؛ أجلبَ عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشَّهوات إليه، وزيَّن له من الأحوال والأعمال ما يصدُّه به عن الطريق، وأمدَّه من أسباب الغَيّ بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصبَ له من المصايد والحبائل ما إن سَلِم من الوقوع فيها لم يَسلَمْ من أن يحصل له بها التعويق)[2].

ولذلك (كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السَّالكون، والنظرُ في أمراضه وعلاجها أهمَّ ما تنسَّك به الناسكون)[3].

العناصر الإنسانيّة الفاعلة في أرض المعركة:

هذه المعركة، هي معركة المصير الكبرى، التي تتحدّد بناءً عليها، سعادةُ الإنسان في الدنيا والآخرة، ومن رحمة الله -عزّ وجلّ- أن فتح أعيننا على هذه الحقيقة الكبرى، وزوّدنا بالقدرات والإمكانات اللازمة لخوض هذه المعركة، يقول ابن القيّم مصوّراً هذا المعنى، ومبيّناً العناصر الإنسانيّة الفاعلة في هذه المعركة:

(أما بعد، فإن الله سبحانه وتبارك وتعالى لم يخلق خلقه سُدًى مُهمَلًا، بل جعلهم مَوْرِدًا للتكليف، ومحلًّا للأمر والنهي، وألزمَهم فَهْمَ ما أرشدهم إليه مجملًا ومفصلًا، وقسَّمهم إلى شقيٍّ وسعيد، وجعل لكل واحد من الفريقين منزلًا، وأعطاهم موادَّ العلم والعمل: من القلب، والسمع، والبصر، والجوارح، نعمةً منه وتفضُّلًا؛ فمن استعمل ذلك في طاعته، وسلك به طريقَ معرفته على ما أرشد إليه ولم يَبْغِ عنه عُدولًا، فقد قام بشكر ما أُوتيَه من ذلك، وسلك به إلى مرضاة الله سبيلًا، ومن استعمله في إرادته وشهواته ولم يَرْعَ حق خالقه فيه، تحسَّر إذا سُئل عن ذلك، وحزن حزنًا طويلًا؛ فإنه لا بدَّ من الحساب على حق هذه الأعضاء؛ لقوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36])[4].

من جملة كلام ابن القيّم، نستطيع أن نقول: إنَّ العناصر الإنسانيّة الفاعلة، هي: (موادَّ العلم والعمل: من القلب، والسَّمع، والبصر، والجوارح). وهذا أمرٌ مقرّرٌ ولا خلاف فيه، ولكن سيثور الخلافُ عند طرح هذا السؤال المهم:

* ما هي القوّة التي تحتلّ مركز القيادة العسكريّة للإنسان في هذه المعركة؟

وسيأتينا الجواب من ابن القيّم واضحاً جليّاً، يقول فيه:

(ولما كان القلبُ لهذه الأعضاء كالملك المتصرِّف في الجنود، الذي تَصدُر كلُّها عن أمره، ويستعملُها فيما شاء، فكلُّها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الإقامة والزَّيغ، وتتَّبعه فيما يعقده من العزم أو يحُلّه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ألا إن في الجسد مُضْغَة؛ إذا صَلَحَتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله))[5]، فهو مَلِكها، وهي المنفِّذة لما يأمرها به، القابلة لما يأتيها من هدايته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدُر عن قصده ونيته، وهو المسؤول عنها كلها؛ لأنَّ كل راعٍ مسؤولٌ عن رعيته)[6].

فباختصار القلبُ هو الملك والقائد لكلّ القوى النّفسيّة الأخرى، بما فيها العقل.

ولكن أليس هذا المعنى مناقضاً لما ذكرناه أعلاه، وبيّنه ابنُ القيّم من أنّ الاهتمام بتصحيح القلب وتسديده (أولى ما اعتمد عليه السَّالكون، والنظرُ في أمراضه وعلاجها أهمَّ ما تنسَّك به الناسكون)[7]. فكيف يكون ملكاً، وهو محلُّ رعاية عنصر آخر، وتحت حمايته وهو الذي يقوم بعلاجه من أدوائه؟

وسيمرّ بنا في الفصول التالية: أنّ من الصفات الأساسيّة للقلب أنّه يتقلب من حالٍ إلى حال، وتصيبه الأمراض والعلل، بل ويموتُ، فإذا كان القلبُ ملكُ الأعضاء قد مات، ألا يكون الإنسان معذوراً عندئذٍ فيما يأتيه ويدعه من أعمال؟

هاتان الملحوظتان، تُثيران الخلاف حول هذه المسألة المستقرّة لدى عامّة العلماء، وتُشكّكان في أن يكون القلب هو الملك للأعضاء.

ونضيف إليهما ملاحظةً ثالثةً ينبغي أن تكون حاسمة، وهي أنّ عامّة الفقهاء والأصوليّين، متّفقون على أنّ أساس التّكليف الإنسانيّ، هو العقلُ تلك القوّة العالمة المفكرة المدبّرة، فممّا هو معلوم من الدين بالضرورة أنّ مسؤولية الإنسان الشرعيّة والكونيّة، إنما تقوم على العقل، فإذا انتفى عقله بسببٍ خارجٍ عنه، لم تعد عليه من مسؤوليةٍ.

على أيٍّ، فإنّ هذه المسألة ذاتُ أهمية كبيرة، بالنسبة لغايتنا من قراءة هذا الكتاب، ولذا سنخصّص لها بإذن الله مقالةً وافية.

أمّا القلبُ، فلا خلاف حول كونه أساس الهداية الإنسانيّة، كما أنّه أساس الغواية، فلذا جعله إبليسُ ميدانَ المعركة الرئيس، وسوف تكون لنا عنده وقفاتٌ حول طبيعته وصفاته، وذلك ابتداءً من الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين.



[1] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (1/ 7).

[2] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (1/ 7).

[3] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (1/5، 6).

[4] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (1/ 5، 6).

[5] أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير.

[6] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (1/ 6).

[7] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (1/5، 6).

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام