الجمعة 07/01/1436 - الموافق 31/10/2014 آخر تحديث الساعة 12:41 م مكة المكرمة 10:41 ص جرينتش  
فقه أقليات منقول
الأصل في علاقة المسلمين بغير هم السلم أم الحرب؟(1-2)

أصل علاقة المسلمين بغيرهم (1-2)

1431/03/23 الموافق 09/03/2010 - الساعة 02:08 م
|


الحمد لله والصلاة على رسول الله .. وبعد:

فإن دين الإسلام، دين الرحمة بالناس أجمعين {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [سورة الجاثية:20]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء:107] وهو دين الخير للعالمين مؤمنهم وكافرهم، لا يجحد ذلك إلا من جهل الحقيقة، {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم:30]، أو كان من المستكبرين، { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [سورة لقمان:32].

أما خيرية الإسلام للمسلمين، فهي كما قال الأول:

فليس يصح في الإفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل

وأما خيريته لغير المسلمين؛ فلأنه حفظ حقوقهم، وصان كرامتهم، وعاملهم بالحسنى، {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [ سورة العنكبوت: 46 ]. ولم يتخلف هذا التعامل الراقي حتى في ساعة الانتصار، ونشوة الشعور بالعزة والغلبة .

وكانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرائه الذين يبعثهم على الجيوش والسرايا: "اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً"[1] .

وأما خليفته الصديق -رضي الله عنه- فقد أوصى مبعوثه قائد جيش الشام يزيد بن أبي سفيان بقوله: "إني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكله، ولا تحرقن نخلاً، ولا تفرقنه ولا تغلل، ولا تجبن"[2].

وهذا السمو في التعامل في ساعة الحرب، هو ما امتثله المسلمون في عصورهم المختلفة، وبالأخص في العصور الزاهية الأولى.

وهو ما اعترف به عقلاء ومنصفوا أعدائهم، قال "ول ديورانت" : "لقد كان أهل الذمة المسيحيون والزردشتيون واليهود والصابئون يتمتعون في عهد الدولة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد نظيراً لها في البلاد في هذه الأيام؛ فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم،...وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لعلمائهم وقضاتهم وقوانينهم"[3].

وقال الفيلسوف المؤرخ الفرنسي"غوستاف لوبون" : "ما عرف التاريخ فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب"[4] .

وهذه المعاملة الحسنة من المسلمين لمخالفي دينهم، ليست طارئة ولا غريبة؛ لأنها منبعثة من أسس دين الإسلام، الذي يقوم على حفظ كرامة الإنسان؛ لكونه إنساناً، ولهذا لما جهلت هذه الحقيقة في هذه الأيام، سمعنا أصواتاً نشازاً تتعالى في الإعلام باتهام دين الإسلام وأهله بانتهاك حقوق الإنسان، ومن هنا تأتي أهمية بحث هذه المسألة (هل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب أم السلم؟!!) .

وقبل الخوض في غمار هذه المسألة الهامة، أشير إلى بعض الوقفات التي أرى أهميتها قبل البدء بالمقصود:

الوقفة الأولى:

حاجة البشرية الماسة لدين الإسلام ومُثُلِه وأخلاقه وتعاليمه وقيمه؛ إذ هو وحده الكفيل بحل أزمات وصراعات الحضارات، وهو القادر – دون غيره – على علاج مشكلات الأمم، ومعاناة الشعوب، ومستعصيات الزمن؛ لأنه دين يُعنى بالفرد والمجتمع، وبالروح والجسد، وهذا ما تفتقر إليه جميع المجتمعات، التي تئن تحت وطأة الظلم والضياع، وتكتوي بلهيب فقده كل الأمم، التي لا تعرف إلا الشقاء والضنك في الحياة، بل لقد أصبح الإسلام ضرورة من ضروريات الحياة الهانئة السعيدة، وهذا ما صرح به بعض الأوربيين الذين درسوا الإسلام، أو قرءوا عنه، يقول المستشرق الفرنسي "غستاف دوكا"[5]: "للدين الإسلامي أثر كبير في تهذيب الأمم، وتربية مشاعرها ووجدانها، وترقية عواطفها؛ فإذا قرأت تاريخ العرب قبل البعثة، وعلمت ما كانت عليه، اعتقدت أن للشريعة السمحة في تهذيب الأخلاق التأثير الأكبر؛ إذ ما كاد يتصل بالأمة العربية ذلك الإصلاح الروحي المدني، حتى انتشر العدل وزال النفاق والرياء والعدوان"[6].

الوقفة الثانية:

عالمية الإسلام، وأنه دعوة إسلامية لكل الإنسانية، هو دين الله إلى الناس كافة، ورسالته عالمية بكل ما تحمله معاني العالمية، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [سورة الأعراف: 158]، ورسول هذا الدين العالمي بعث إلى كافة البشر {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة سبأ: 28 ].

وإنما كانت دعوة هذا الدين عالمية؛ لأنه جاء لتحرير البشرية كلها من الانحرافات والضلالات والعبوديات لغير الله، ولم يكن الإسلام يوماً من الأيام خاصاً بقبيلة أو جنس أو طائفة، وإنما هو دين الله إلى الناس كافة، ولأنه دين مشتمل على منهج حياة متكامل، في جميع مناحي الحياة، لم يكن هذا المنهج ناتجاً عن ردة فعل لسوء أوضاع بيئة معينة، كما هو شأن المناهج البشرية الوضعية، وإنما هو منهج عام شامل كامل، أراده الله ليكون للبشرية جمعاء في كافة ديارها وشتى أقطارها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وعلى كل أحد أن يصدق محمداً صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر، تصديقاً عاماً وطاعة عامة، وقد بعث الله رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- بأفضل المناهج والشرائع، وأنزل عليه أفضل الكتب، وأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة، وحرم الجنة إلا على من آمن به وبما جاء به، ولم يكن يقبل من أحد إلا الإسلام"[7] .

الوقفة الثالثة:

تتجلى عظمة الإسلام وشموليته وعالميته في جوانب كثيرة من التشريعات، منها جانب تنظيم العلاقات، سواء في علاقة المسلمين بربهم، أو علاقة بعضهم ببعض، أو علاقتهم بالآخرين، ممن لم يعتنقوا دينهم على أي وجه كان، وصدق الله إذ يقول: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [سورة النحل:89].

وقد جاء تنظيم العلاقة مع الآخرين في منتهى الروعة والكمال والجلال، في كافة شؤون الحياة، وفي مختلف الظروف والأحوال، سواء في حال الحرب، أو في حال السلم، وسواء كانوا أهل ذمة، أو مستأمنين، أو معاهدين، أو حربيين، أو مرتدين، نظمها تنظيماً دقيقاً، راعى فيه تحقيق المصالح والعدل، وحفظ حق الدين والإنسان، ومن أتي في شيء من هذا الباب، فإنما أتي لعدم تنزيله النصوص على الأشخاص أو الأحوال على وجهٍ صحيحٍ.

الوقفة الرابعة:

تعاملات المسلمين مع الكفار – وبالأخص في هذا الزمن – لا يلزم أن تمثل منهج الإسلام في التعامل معهم؛ لأن نظرات الناس وتصوراتهم نحو العلاقة بالكفار متباينة، كما أن واقعهم الفعلي متفاوت بين انفتاح وانغلاق، وبين انقباض وانبساط، من المسلمين اليوم من لا يفرق بين الكافر الحربي، وبين الذمي والمستأمن، ويرى أن العلاقة معهم جميعاً، قائمة على العنف والغلظة، والمباينة المطلقة في كل معاملة، حتى في العقود المالية، والبيع والشراء، ولربما استند من هذا شأنه إلى قول الله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} [سورة الفتح: 29] وإلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه"[8].

ومنهم من يرى أن العلاقة بالكافر كالعلاقة بالمسلم في الجملة، وهذا الفهم يكثر عند من يعيش من المسلمين في أحضان الكفار، بسبب الانصهار في مجتمعاتهم، والاندماج في بيئاتهم .

كما يوجد هذا التمييع والتفريط عند بعض المسلمين في بلاد الإسلام، بسبب الجهل أو رقة الديانة، أو الإعجاب بالكفار والانبهار بحضارتهم؛ ولذلك وجدنا من المسلمين اليوم من ينادي بالمساواة بين الأديان السماوية، وعدم التفرقة بين اليهودية والنصرانية والإسلام.

والمؤمن المنصف يعرف – بداهة – تساقط هذين الرأيين.

فأما الرأي الأول -المتبني للغلظة والعنف مطلقاً- فهو يتنافى مع سمو الإسلام وسماحته وعالميته، ويتنافى أيضاً مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه، وعموم تعاملات النبي صلى الله عليه وسلم، وتعاملات صحابته مع اليهود والمشركين؛ فتثبت تهافت هذا الرأي وسقوطه، ومن ذلك:

1- قصة الرهط من اليهود الذين دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: السام عليكم، فرد "وعليكم" فقالت عائشة - رضي الله عنها -: "وعليكم السام واللعنة" فقال صلى الله عليه وسلم: "مهلاً يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله"[9].

2- ولما قيل له صلى الله عليه وسلم ادع على المشركين، قال: "إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة"[10].

3- ولما قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! إن دوساً عصت وأبت؛ فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال: "اللهم اهد دوساً وات بهم!" وفي رواية قال: "لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً"[11].

وأما حديث: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا وجدتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيقه"[12].

فهو كناية عن عزة المسلم؛ فلا يكون ذليلاً أمام الكافر، فإذا لقيه فلا يبدأ بالسلام، ولا يفسح له في الطريق ويذل نفسه.

قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-: "والمراد منع ابتدائهم بالسلام المشروع، فأما لو سلم عليهم بلفظ يقتضي خروجهم عنه، كأن يقول: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين؛ فهو جائز، كما كتب النبي -صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل وغيره: "سلام على من اتبع الهدى"، قال القرطبي في قوله: "وإذا لقيتموهم في طريق ...." معناه: لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكراماً لهم واحتراماً، وعلى هذا فتكون الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى، وليس المعنى: إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى طرفه حتى يضيق عليهم؛ لأن ذلك أذى لهم، وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب"[13]. هذا ما يتعلق بالرأي الأول .

أما الرأي الثاني – الذي تبدو فيه الميوعة والتمييع لأصول الإسلام وثوابته؛ فهو أظهر ضعفاً، وأبين عوارا،ً ومصادمته لثوابت الشريعة لا تخفى على ذي إنصاف؛ إذ البراءة من الكفر وأهله، من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون} [سورة الزخرف 26-28].

والكلمة الباقية: هي لا إله إلا الله، في قول كثير من المفسرين[14] .

يقول ابن كثير: "يقول تعالى مخبراً عن عبد الله ورسوله، وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث من بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها، أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: { إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون} أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، أي: جعلها دائمة في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله تعالى، من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام"[15].

وجاء تفصيل موقف إبراهيم من أبيه وقومه في سورة الممتحنة في قوله سبحانه: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } [سورة الممتحنة: 4].

والبراءة المذكورة في هذه الآية تعني الأمور الآتية:

1- إنكار الباطل والتبري منه:

والباطل وإن كان يشمل كل ما ضاد الحق، مما لا يريده الله ورسوله، من كفر وفسوق وعصيان، إلا أن المراد به هنا (الكفر)، فلا بد من إنكاره باليد أو باللسان أو بالقلب.

هذا مع أن الإنكار القلبي هو الأساس، وهو مستقر في قلب المؤمن، وإن لم يستطع الإنكار باللسان أو باليد .

2- البغض والعداوة، وهما من أهم معالم البراءة:

وقد دلت عليهما نصوص كثيرة، كقوله تعالى في موقف إبراهيم عليه السلام من قومه: {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [سورة الممتحنة: 4].

وقوله: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].

3- عدم الموالاة مطلقاً:

قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [سورة النساء: 144] .

وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [ سورة المائدة: 51] .

وقال: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [سورة آل عمران: 28] والآيات كثيرة .

أما الموالاة، فقال الراغب في مفرداته[16]: "الولاء والتولي: أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية: النصرة" أ.هـ.

فهي تشمل الموالاة القلبية، وهي ميل القلب إلى الكافر تعظيماً وحباً، أو اعتقاداً بصحة ما هو عليه، ومن ذلك التشبه به .

والموالاة العملية: وهي الميل والاقتراب من الكافر في الأمور العملية: كمعاشرته، ومداهنته، وتقريبه، وجعله بطانة، وطاعته في غير ما شرع الله ومناصرته، والإقامة بين ظهراني المشركين من غير حاجة، ومشاركتهم في الأعياد، وهذه الموالاة متفرعة من الموالاة القلبية؛ لأنها - أي: الموالاة العملية – لا تتم في الغالب إلا بميل القلب وإصغائه .

فكل ذلك موالاة ممنوعة، وهي تتفاوت في المفسدة؛ ولذلك كان منها ما هو مخرج من الملة، ومنها ما هو معصية كبيرة، ومنها ما هو صغيرة[17]، ولا شك أن مقتضى البراءة عدم الموالاة مطلقاً .

الوقفة الخامسة:

يجب اعتبار حال المسلمين في القوة والضعف، وحال ظروف زمانهم، وملابسات قضاياهم، والنظر في مصالحهم الكبرى، وبذل الجهد في دفع المفاسد العظمى عنهم .

ولذلك نجد القرآن زاخراً وحاشداً بالآيات التي فصلت العلاقة بالكفار، وراعت أحوال الظروف والمواطن والزمن، واتخذت المواقف المتناسقة معها، والمتأمل في ذلك يلحظ أن هذه المواقف جاءت على مرحلتين:

المرحلة الأولى: العهد المكي، وجملة الموقف منهم يتلخص في:

أ - المفاصلة الشعورية، و تنافر القلوب بين المؤمنين والكافرين .

ب- الهجر الجميل، أو المقاطعة للكفار .

كما في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [سورة المزمل:10] .

ج- أمر المؤمنين بالصبر على الأذى .

كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [سورة النحل: 127] .

د - الأمر بالعفو والصفح .

كما في قوله تعالى: { فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}  [ سورة الزخرف: 89] .

هـ- الأمر بكف اليد وعدم القتال .

كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [سورة النساء: 77][18] الآية .

و - الاستمرار في الدعوة والنذارة، كما في قوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [سورة الحجر: 94].

المرحلة الثانية: العهد المدني، ويتلخص الموقف في:

أ - تمييز المسلمين واستقلالهم في إقليم، وإعلان وحدتهم؛ ولذلك تكاملت التشريعات والأحكام العملية، مع قصر هذا العهد .

ب- المواجهة مع الكفار، بالقوة البيانية، والقوة الاجتماعية، والقوة المادية .

ج- تشريع الجهاد .

وبه تحددت العلاقة مع الكفار على اختلافهم، إلا أن هذا التشريع جاء على مراتب كما ذكر ابن القيم رحمه الله[19]، وقد روعي في هذه المراتب واقع حال المسلمين وظروفهم وإمكانياتهم، ثم استقر أمر الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول "براءة" على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة .

د-منع موالاة المؤمنين للكافرين مطلقاً.


المصدر: الخلاصة في فقه الأقليات.


[1] أخرجه مسلم في صحيحه 5/139، والترمذي (ح 1617)، وابن ماجه (ح2858) من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه .

[2] أخرجه مالك في الموطأ، في الجهاد، النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو (ح1292) عن يحيى بن سعيد مرسلا.

[3] حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام، للعايد ص 6 – نقلاً عن قصة الحضارة 13/131.

[4] معاملة غير المسلمين في الإسلام 1/256 – إعداد : المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية – الأردن.

[5] مستشرق فرنسي، كان يدرس اللغات الشرقية في باريس، له العديد من المقالات عن جغرافية البلدان الإسلامية، وألف كتاباً اسمه :"تاريخ فلاسفة المسلمين وفقهائهم". انظر : الأعلام للزركلي 5/120.

[6] ينظر: هداية المرشدين، لعلي محفوظ ص 531، ومنهج الداعية في دعوته لغير المسلمين، لأسماء الوهيبي ص 13 .

[7] الحسبة في الإسلام، لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 13 .

[8] أخرجه مسلم في صحيحه، في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (ح2167) – من حديث أبي هريرة .

[9] أخرجه البخاري في صحيحه في الأدب، باب 35- ومسلم في صحيحه في السلام (ح10) – من حديث عائشة .

[12]أخرجه مسلم في صحيحه في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (ح2167) – من حديث أبي هريرة .

 فتح البارىء 11/40 .

[13] فتح البارىء 11/40 .

[14] انظر تفسير الطبري 25/63 .

[15] تفسير ابن كثير 4/136 .

[16] ص 533 .

[17] يراجع في تفاصيل ذلك : الولاء والبراء في الإسلام / للقحطاني . والموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية / للجلعود . والاستعانة بغير المسلمين ص 51 – 86، وفقه الاحتساب على غير المسلمين ص 33 – 36 كلاهما للدكتور عبد الله الطريقي .

[18] ويراجع في تفسير الآية : تفسير ابن كثير 1/538 .

[19] زاد المعاد 3/158- 161 .

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام