الجمعة 10/09/1439 - الموافق 25/05/2018 آخر تحديث الساعة 11:58 ص مكة المكرمة 09:58 ص جرينتش  
تقارير

فضل ليلة القدر.. ليلة خير من ألف شهر

1439/08/27 الموافق 13/05/2018 - الساعة 12:52 م
|


أيام قليلة ويهل علينا شهر رمضان، أفضل شهور العام، فيه ليلة خير من ألف شهر، ألا وهي ليلة القدر، فهيا بنا نتعرف على فضلها ومكانتها، وما يستحب العمل فيها.

 ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3]: فإن ليلة القدر هي أفضل ليالي العام، والموفَّق والسعيد مَن يسَّر الله له قيامها واجتهد في فعل الأعمال الصالحة فيها، فإن العمل فيها ليس كالعمل في غيرها، بل أعظم أجرًا وثوابًا، وقال الدكتور عبدالرحمن حبنكة: "وألف شهر تُعادل ثلاثًا وثمانين سنة وثلث السنَة، وهذا عمرٌ قلَّ من الناس مَن يَبلغه، فكيف بمن يَعبُد الله فيه، وهو لا يعبد إلا مَميزًا على أقل تقدير".

 ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ﴾ [القدر: 4]: قال البغوي: "قوله - عز وجل -: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ ﴾ يعني: جبريل عليه السلام معهم، ﴿ فِيهَا ﴾ أي: ليلة القدر ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ أي: بكل أمرٍ من الخير والبركة"، وقال الحافظ ابن كثير: "أي: يكثر تنزُّل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزَّلون مع تنزُّل البركة والرحمة، كما يتنزَّلون عند تلاوة القرآن، ويُحيطون بحِلَقِ الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدقٍ تعظيمًا له".

 ﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 5]: هي خير كلها ليس فيها شر إلى مطلع الفجر فعن مجاهد في قوله: ﴿ سَلَامٌ هِيَ ﴾ قال: "سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا أو يعمل فيها أذًى"، قال أبو المظفر السمعاني: "وقوله: ﴿ سَلَامٌ هِيَ ﴾ فيه قولان؛ أحدهما: إن المراد منه تسليم الملائكة على مَن يَذكُر الله تعالى في تلك الليلة، والقول الثاني: ﴿ سَلَامٌ ﴾ أي: سلامة، والمعنى: إنه لا يعمل فيها داء ولا سحر ولا شيء من عمل الشياطين والكهنة"، وقال ابن الجوزي: "...وفي معنى السلام قولان؛ أحدهما: إنه لا يَحدث فيها داء ولا يُرسَل فيها شيطان، قاله مجاهد، والثاني: إن معنى السلام: الخير والبركة، قاله قتادة، وكان بعض العلماء يقول: الوقف على ﴿ سَلَامٌ ﴾، على معنى تنزُّل الملائكة بالسلام".

((من قامها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه))؛ فإن من وفِّق لقيامها مع إيمانه واحتسابه لهذا القيام غفَر الله له ما تقدم من ذنبه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه))، قال ابن بطال: "ومعنى قوله: ((إيمانًا واحتسابًا)) يعني مُصدِّقًا بفرض صيامه، ومصدقًا بالثواب على قيامه وصيامه، ومحتسبًا مريدًا بذلك وجه الله، بريئًا من الرياء والسمعة، راجيًا عليه ثوابه"، قال النووي: "معنى إيمانًا: تصديقًا بأنَّه حق، مُقتصد فضيلته، ومعنى احتسابًا: أن يريد الله تعالى وحده، لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يُخالِف الإخلاص، والمراد بالقيام: صلاة التراويح، واتفق العلماء على استحبابها"، قال الخطابي: احتسابًا أي: عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيِّبة نفسه بذلك، غير مُستثقِل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه، قال ابن الأثير: الاحتساب في الأعمال الصالحة وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر؛ أي: المبادرة إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، وباستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المشروع؛ طلبًا للثواب ونجاةً من العقاب.

((غُفر له ما تقدم من ذنبه)): قال النووي: إن المُكفِّرات إن صادفت السيئات تمحوها إذا كانت صغائر، وتُخفِّفها إذا كانت كبائر، وإلا تكون موجبة لرفع الدرجات في الجنات، فمَن صام الشهر مؤمنًا بفرضيته، مُحتسبًا لثوابه وأجره عند ربه، مجتهدًا في تحرِّي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فيه فهو من أهل المَغفِرة.

 تقدير الأرزاق والآجال والمقادير فيها: ومن فضلها أنه يقدَّر فيها التقدير الحولي؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 3، 4] أي: في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى الملائكة الكتَبة أمْرُ السنَة وما يكون فيها من الأرزاق والآجال، وهذا قول غير واحد من السلف، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((إن الرجل ليمشي في الناس وقد رُفع في الأموات))، ثم قرأ هذه الآية، وقال: "يُفرق فيها أمر الدنيا من السنَة إلى السنَة"، وقال أبو عبدالرحمن السلمي في الآية: "يُدَبِّر أمر السنَة في ليلة القدر"، وقال مجاهد: "كنا نُحدِّث أنه يفرق فيها أمر السنَة إلى السنَة"، ونقل القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنه: "يَحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق، وقاله قتادة ومجاهد والحسن وغيرهم، وقيل: إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران؛ قاله ابن عمر"، واختُلف في الليلة المراد بها في الآية على قولين:

القول الأول: إنها ليلة القدر؛ وهو قول ابن عباس وأبي عبدالرحمن السلمي وقتادة ومجاهد والحسن البصري.

القول الثاني: إنها ليلة النصف من شعبان، وهو مروي عن عائشة وعكرمة، ونرجِّح ما قاله ابن جرير الطبري: "وأولى القولين بالصواب قول من قال: ذلك ليلة القدر؛ لما تقدم من بياننا عن أن المعنيَّ بقوله: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ ليلة القدر، والهاء في قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ من ذكر الليلة المباركة".

وقال الحافظ ابن كثير: "... ومَن قال: إنها ليلة النصف من شعبان كما رُوي عن عكرمة فقد أبعد النُّجعة؛ فإنَّ نص القرآن أنَّها في رمضان، والحديث الذي رواه عبدالله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تُقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إنَّ الرجل ليَنكِح ويولد له، وقد أُخرج اسمه في الموتى)) فهو حديث مرسل، ومثله لا يُعارَض به النصوص".

وما أعظم أن يُرغِم العبد أنفه لربه - تبارك وتعالى - بكثرة السجود، وكثرة الركوع، وطول القيام؛ لمناجاة الخالق جل جلاله، وقد كان السلف الصالح من هذه الأمة يُطيلون صلاة الليل متأسِّين بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه وتتشقَّق من طول قيامه لله، ومناجاة لمولاه؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، يقول السائب بن يزيد: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيَّ بنَ كعب وتميمًا الداريَّ رضي الله عنهما أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنَّا نَعتمِد على العصيِّ من طول القيام، وما نَنصرف إلا في فروع الفجر".

 

 

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام