السبت 01/09/1438 - الموافق 27/05/2017 آخر تحديث الساعة 07:14 ص مكة المكرمة 05:14 ص جرينتش  
بحوث قرآنية
دراسة في منهجية تفسير السورياني وعقيدة الكرامية(4-4)

منهجية تفسير السورياني (3)

1431/02/30 الموافق 14/02/2010 - الساعة 03:18 م
|


تفسير أبي بكر عتيق السورياني النيسابوري
"دراسة في منهج المؤلف وعقائد الفرقة الكرامية"

4-4

المبحث الثالث : عقائد الكرامية من خلال تفسيرأبي بكر عتيق السورياني النيسابوري:

ذكر فيما مضى أن أبا بكر عتيق بن محمد السورياني شيخ من شيوخ الفرقة الكرامية،[1] وتفسيره مصدر خصب ومباشر لعقائد هذه الفرقة وآرائها، وهو –فيما أعلم – الكتاب الوحيد  من التراث الفكري للكرامية، والذي نجا من الاندثار ووصل إلينا.

إن ما أسطره في هذه الصفحات هي -على تواضعها وإيجازها-  تعد أول محاولة علمية بعد عدة قرون[2] للتعرف على معتقدات طائفة من الفرقة الكرامية وآرائها، من خلال مصدر مكتوب من قبل عالم من علماء المذهب، بل زعيم من زعمائه.

ولا شك أن التعامل المباشر مع مصادر مذهب أو فرقة ما، بدل الاعتماد  على ما كتبه عنها الآخرون يجنب أي باحث أمين يدرس هذا المذهب والفرقة من الوقوع في أخطاء منهجية، وإصدار أحكام غير دقيقة، قد تكون ناتجة عن عدم الدقة في النقل أو التحامل، أو التعصب بشتى أنواعه، ولا شك أن تفسير السورياني يوفر لنا فرصة قيمة للوقوف على حقيقة الفرقة الكرامية، في صورة أحد فروعها المهمة وهي الهيصمية، وفيه زاد ومادة علمية غزيرة لمن يريد البحث في جانب من جوانب هذه الفرقة، التي كانت لها وجود ملحوظ في حقبة من أحقاب تاريخ الفرق والمذاهب في ديار المسلمين، وكانت طرفاً من أطراف الصراع الفكري والعقدي الذي كان يدور رحاه بين مختلف التيارات والفرق والمذاهب.

المطلب الأول: كرامية السورياني وموقعه القيادي داخل الفرقة:

ولا نحتاج إلى كثير عناء وجهد في التأكيد على كرامية أبي بكر عتيق بن محمد السورياني؛ لأنه كما ذكرنا في ترجمة الرجل أن عبد الغافر الفارسي- وهو معاصر للسورياني ونيسابوري مثله- نص على ذلك في كتابه الشهير "السياق لتاريخ النيسابور"[3] وهذا النص الصريح يحسم الأمر، ولا يبقي مجالا للشك والنزاع في المسألة، كما أن تفسير السورياني يؤكد شهادة عبد الغافر الفارسي في كرامية السورياني ومكانته القيادية في الفرقة؛ لأنه تضمن كثيراً من أقوال، وآراء شيوخ الكرامية وقادتها، بدءاً بمؤسسها أبي عبد الله محمد بن كرام،[4] مروراً بإسحاق محمشاد، وانتهاء بمحمد بن الهيصم،[5] وكل هؤلاء زعماء للفرقة الكرامية في عصور متعاقبة، تطور المذهب على أيديهم وتغذى بأفكارهم.

والسورياني يذكرهم بكل تقدير وتبجيل، ويستشهد بأقوالهم في ثنايا تفسيره، ويتبناها.

هذا في عصر كان الصراع بين الكرامية وغيرهم على أشده، سواء ببيان الشذوذ الفكري والانحرافات العقدية للفرقة، والتى بلغت حد التكفير في بعض الأحيان،[6]  أو بتعرض زعماء الكرامية للسجن والنفي في بعض الحالات[7].

ولا يمكن في مثل هذه الظروف أن يتبنى عقائد الكرامية ويسعى لترويجها والنهوض للذود عنها أمام المعارضين، ويذكر مؤسس المذهب وأقطابه، بعبارات الثناء والاحترام، إلا كرامي متصلب يؤمن بمبادئ الفرقة، و ينتصر لها مهما كانت النتائج والتبعات، وهذا ما فعله أبو بكر عتيق بن محمد النيسابوري في تفسيره.

المطلب الثاني: موقف السورياني من فكرة التجسيم:

إن أول ما يتبادر إلى الذهن بمجرد ذكر الفرقة الكرامية، هو ما اشتهر من أقوال مؤسسها في عبد الله محمد بن كرام السجستاني، حول فكرة التجسيم، وإطلاقه لفظ الجسم على الله سبحانه وتعالى، ودعوته لاتباعه إلى تجسيم معبوده،[8] ورغم ما قدمه أتباع المذهب من تفسيرات وتبريرات لأقوال زعيمهم، وبالرغم من ظهور خلافات فكرية داخل المذهب، أدت إلى انقسامه إلى عدة فرق،[9] إلا أن ألقاب مثل: "المجسمة" و"المشبهة" ظلت ملتصقة بالكرامية على مر القرون[10] .

وقد حاول محمد بن الهيصم وأتباعه من الكرامية نفي تهمة التجسيم عن المذهب؛ فقالوا: "نعني بكونه جسماً: أنه قائم بذاته"[11] فاستثني من العدّ في زمرة المجسمة، قال صاحب الملل والنحل: "وحاش غير محمد بن الهيصم فإنه مقارب"[12].

والسورياني معجب بآراء محمد بن الهيصم، ويكثر من الاستشهاد بأقواله في ثنايا تفسيره، ويظهر من تطابق الآراء بين الاثنين، بأن السورياني من أتباع الفرقة الهيصمية، ولذلك نجده ينفي التجسيم في حق الله سبحان الله وتعالى، ويصرح بعدم جواز إطلاق لفظ الجسم عليه – جلّ وعلا- ففي معرض تفسيره لقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...} [آل عمران:185]  يقول السورياني ما ترجمته: "سؤال: لماذا قال: {كل نفس ذائقة الموت}، بينما الله سبحان الله وتعالى نفس، ولكنها ليست ذائقة الموت؟

الجواب: قالوا: إن معناه كل نفس منفوسة ذائقة الموت، وقالوا: معناه: أن كل جسم ذائق الموت، ولا يجوز إطلاق الجسم على الله، هو نفس بمعنى: ثبوت الذات..."[13].

ويتبين من تفسير ابن الهيصم للجسمية، ورفض السورياني لإطلاقها على الله سبحانه وتعالى، أن الهيصمية من الكرامية لا يعتقدون بالتجسيم في حق الله عز وجل.

وبناء على ذلك: يجب  التفريق بين الكرامية القائلين بالتجسيم، و من رفض منهم القول بذلك، مثل: الهيصمية، والسورياني منهم، وعدم رمي الجميع بالقول بالتجسيم.

وتمشيا مع قوله في نفي التجسيم ينفي السورياني الطول والعرض، والتأليف والأجزاء، في حق الله سبحانه وتعالى، جاء ذلك في تفسيره قوله عز وجل في آية الكرسي: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة:255].

قال السورياني: "وأما العظيم فهو شيء يقال له: عظيماً، بمعنى القدر والجلال كما يقولون: عظيم الهند، وعظيم الروم، والله سبحانه وتعالى عظيم بهذا المعنى. وهناك شيء عظيم بمعنى الطول والعرض، مثل: الطود العظيم، والعرش العظيم، ولا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى عظيماً بهذا المعنى؛ لأن ذلك يوجب الطول، والعرض، والتأليف، والأجزاء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا"[14] .

المطلب الثالث: موقف السورياني من الصفات الإلهية:

ويعتبر السورياني صفات إلهية مثل الاستواء، واليد، والإتيان، من المتشابهات في القرآن، والتي لا يمكن الوصول إلى كنه معناها في حق الله سبحان وتعالى، ولكن يجب الإيمان بها دون الخوض في تأويلها؛ لأن تأويل هذه الصفات هو عين الزيغ والابتداع.

يقول السورياني في تفسيره قول الله تعالى عز وجل: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ...} [آل عمران:7]: "أما الذين في قلوبهم (نزعة) الرجوع عن الحق مثل المبتدعة، يبحثون فيما تشابه وخفي من القرآن، ويريدون تأويل الاستواء والإتيان واليد؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"[15] .

ويؤكد السورياني بوضوح أكثر ما ذهب إليه من اعتبار صفات الاستواء، واليد والإتيان من المتشابهات، ويطرح كعادته سؤالاً حول الموضوع، ويجيب عليه بنفسه فيقول: "سؤال: هل يجوز أن يرسل عظيم من العظماء كتاباً إلى من هم دونه، وهم لا يعرفون معاني بعض ما جاء في الكتاب؟ هذا لا يتفق مع الحكمة.

نجيب: ألا يجوز أن يصل كتاب من السلطان إلى أهل نيسابور، واسم الملك في الكتاب طغرا وهم لا يعرفون معناه. و(في الكتاب أسماء) مثل: طغرل، وجغراي، وألب أرسلان؟!

إذا كان يجوز ذلك، لماذا لا يجوز أن يصل كتاب من رب العالمين إلى العباد وهم لا يعرفون فيه معني الإتيان واليد والاستواء؟!

ونقول كذلك في الجواب: إذا كان لله أفعالاً نحن لا نعلم مقصوده وغرضه فيها، مثل: خلق البعوض، والذباب، البراغيث، والنمل، والقمل، لماذا لا يجوز أن يكون في أقواله ما لا نعلم مقصوده وغرضه فيه؟ مثل: الإتيان، واليد، والاستواء... محمد بن الهيصم – رحمه الله- كان يقول: "اشترط الله تعالى على أولي الألباب أن يحفظوا القلب من الزيغ في المتشابهات في القرآن، ويجب أن تتوفر لأولي الألباب عقول مثل عقل الإنسانية، وعقل المعرفة، وعقل السنة والجماعة، وعقل العقد؛ لكي يثبتوا على الصراط المستقيم"[16] .

ويفهم مما قاله السورياني أنه من المعتقدين بالتفويض المطلق في باب صفات، مثل: الاستواء واليد والإتيان.

وفي تفسير يفهم منه تأكيد ما ذهب إليه السورياني من اعتبار بعض آيات الصفات من المتشابهات، التي لا طريق للعقل في فهم حقيقتها، يقول  السورياني في تفسير قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة:210] هل ينظرون بعدما جاءتهم الحجج إلا أن يأتيهم عذاب الله وعقوبته، كما كانوا قد سمعوا بإتيان الله والملائكة يوم القيامة في ظلل من الغمام.

كان محمد بن الهيصم –رحمه الله – يقول: يجب أن لا يتوهم من هذه الآية بالحركة والنقلة، والذهاب، والمجيء في حق الله تعالى؛ لأن هذا الإتيان خبر لا سبيل للعقل إليه"[17] .

المطلب الرابع: مفهوم الإيمان عند السورياني:

وخلافا لما هو المشهور بأن الإيمان عند الكرامية هو مجرد القول باللسان فقط، وإن كان مع عدم تصديق القلب،[18] نرى أن السورياني – وهو الشيخ من الشيوخ الكرامية – ينص على أن الإيمان هو التصديق، وقد فسر الإيمان في أكثر من موضع في تفسيره بذلك، منها تفسيره لقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران:173] فمما ذكره السورياني من الأقوال في تفسيره الآية على سبيل التقرير قوله: "... وقالوا: {فزادهم إيماناً} أي: تصديقاً..."[19] .

وقال في تفسير قوله تعالى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22] أي: "تصديقا بوعد الله"[20].

وبما أن الإيمان عند السورياني هو التصديق القلبي، نجده يؤكد على عدم إيمان المنافقين، الذين يدعون الإيمان باللسان دون التصديق القلبي.

قال السورياني في معرض تفسيره لقوله سبحانه وتعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين} [البقرة:8]: "وليسوا من المؤمنين بقلوبهم، وهم المنافقون مثل عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي، وغيره من المنافقين.

إن الناس جميعهم ثلاثة أصناف: المؤمن المخلص، والكافر المحض، والمنافق، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى كل هذه الأصناف في هذه السورة..."[21].

ويستطرد السورياني في بيان سبب نفاق ابن أبي وحقده على الرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فيقول: "... وقد ضمر في قلبه الحقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحقد على المسلمين، وأسلم ظاهراً، بينما كان منافقا في قلبه. وعندما قال: {آمنا بالله} أي: صدقنا بالله ادّعوا تصديق القلب، وقد كذّبهم الله سبحانه وتعالى وقال: {وما هم بمؤمنين} أي: بمصدقين بقلوبهم"[22] .

وإذا كان هذا النص الصريح من السورياني دليلاً واضحاً على أن الإيمان لديه هو التصديق القلبي –خلافاً لما اشتهر عن الكرامية- فإنه يؤكد بأن الهيصمية من الكرامية لا يقولون بكون المنافق والزنديق بأنه مؤمن حقاً، الأمر الذي يجعل التفريق بين الهيصمية وغيرهم من الكرامية في غاية الأهمية، فما قيل عن سائر الكرامية بأنهم يرون  أن"المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين حقاً، وكان إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل والأنبياء والملائكة، مع اعتقادهم النفاق وإظهار الشهادتين"  لا ينطبق على الهيصمية.

وقد ذهب السورياني إلى القول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وللخروج من القول بزيادة الإيمان ونقصانه، لا يمتنع من التكلف والتعسف في تفسير الآيات التي تدل على زيادة الإيمان ونقصانه، ومن أمثلة هذا التعسف والتكلف ما ذكره السورياني في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران:173] قال السورياني: "... زادهم أمناً واطمئناناً بوعد الله، وقالوا: فزادهم إيماناً أي: تصديقاً. وقالوا يقينا، وقالوا علماً، وقالوا تكرار الإيمان"[23] .

ويؤكد السورياني على هذا المعنى بوضوح أكثر، وتكلف أبعد، في معرض تفسيره لقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [آل عمران:90] فيقول: "سؤال: إذا كانت الزيادة متصورة في الكفر، لِمَ لا تجيز ذلك في الإيمان؟

أقول في الجواب: {ازدادوا كفرا} نكرة، ولا يجب من هنا أكثر من أنهم زادوا كفرهم، ولا يجب أنهم ازدادوا الكفر الذي كانوا عليه، كما يقول شخص: فلان ازداد ولداً، معناه: زيد له ابن آخر، ولا جرم عندما ينكر كافر حقاً يزيده كفراً مشاراً، ولا يعني ذلك: أن الكفر الذي هو عليه يزداد.

وقالوا: {ازدادوا كفرا} أي: ثبتوا على كفرهم وأصروا عليه، وقالوا: إن المراد من هذا الكفر: أنهم ازدادوا كفراناً، {وازدادوا كفرا}: أن ماتوا على الكفر"[24].

وفي مخالفة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة ينكر السورياني نقصان الإيمان في حق الفاسق، ويتشبث بالآية الكريمة: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ} [النور:31]، يقول السورياني: "... في هذه الآية حجة لنا على أن العبد لا يكفر بالمعصية، ولا الفاسق غير مؤمن، ولا ينقص إيمانه؛ لأن الله تعالى أمر العصاة بعد المعصية والقتل.. بالتوبة، و ناداهم مؤمنين، ويثبت من ذلك أنه –أي: العاصي والفاسق- مؤمن"[25] .

ويعتقد السورياني بعدم دخول العمل في مسمّى الإيمان، ولإثبات اعتقاده هذا يسعى لإخضاع النصوص لمعتقده، من خلال تفسير بعيد كل البعد عن ظاهر النص، ومدلول اللغة.

يقول السورياني في تفسير قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ...} [البقرة:25]: "وبشر يا محمد! الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أي: بالإخلاص بينهم وبين الله، في كل موضع من القرآن ورد {آمنوا وعملوا الصالحات} المراد بالعمل الصالح: هو الإخلاص؛ لأن الإخلاص شرط في قبول الإيمان"[26] .

وقد تبين مما ذكرناه من نصوص في تفسير السورياني: أنه خالف جمهور أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان، ومن ذلك القول بأن الإيمان هو التصديق، بينما التعريف الشرعي للإيمان عند جمهور السلف هو: أنه "تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" .

وخالف السورياني جمهور أهل السنة والجماعة عندما قال بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، والصحيح: أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، كما دلت على ذلك نصوص القرآن والسنة.

ومما خالف فيه السورياني أهل  السنة والجماعة في باب الإيمان: القول بخروج العمل من مفهوم الإيمان، وهذا قول ظاهر الفساد؛ نظراً لورود أحاديث صحيحة دالة على دخول الأعمال في مسمى الإيمان .

المطلب الخامس: عدم تكفير المؤمن بارتكابه للمعاصي:

ويؤكد السورياني على عدم تكفير المؤمن بالمعصية في أكثر من موضع من كتابه، ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: {... فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ...} [البقرة:187] قال السورياني: "في هذه الآية جعل الله القاتل أخاً المقتول، كما قال: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات:10]  وليست معصية أكبر من قتل المؤمن عمداً، فثبت أن المؤمن لا يكفر بالمعصية"[27].

المطلب السادس : نفى خلود مرتكب الكبيرة في النار:

ويعتقد السورياني مثل أهل السنة بعدم خلود المؤمن المرتكب للكبيرة في النار، ويقول في ثنايا تفسيره لقوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:275] "سؤال: لما قال للمرابي: {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، وجب أن يكون صاحب الكبيرة مخلداً في النار؟

أقول في الجواب: {فأولئك} راجع إلى الذين قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة:275]، وهم الكفار.

وقالوا: {خالدون} هنا بمعنى: ماكثون، أي: يمكثون في النار إلى ما شاء الله، وعلى أية حال لا يبقى المسلم خالداً مؤبداً في النار"[28] .

ويقول في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون:103] "سؤال: إذا كان كل من يخف ميزان صالحاته يبقى مخلداً في النار، سيخلد أغلب المؤمنين في جهنم؛ لأن أكثر المؤمنين هم الذين أعمالهم الصالحة أقل من سيئآتهم، وإذا كان الأمر كذلك ستكون الجنة فارغة؟

أقول في الجواب: هذه صفة الكفار، ألا ترى أنه يقول لهم بعد قليل {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون:105] وهذه صفة الكفار.

محمد بن الهيصم كان يقول: خفة العمل هي ألا يكون له أي وزن، وهذا شأن أعمال الكفار فهي محبطة هباء منثوراً، وليس لها أي وزن، أما عمل المؤمن فليس بلا رجحان"[29].

المطلب السابع: إثبات البرزخ و عذاب القبر:

ويتفق السورياني مع أهل السنة في إثبات عذاب القبر، ويقول في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100]: " في هذه الآية لنا حجة في إثبات عذاب القبر؛ لأنه عبر عن القبر بالبرزخ وهو واسطة بين الدنيا والآخرة، وجميع الأمة والصحابة كانوا يقولون في آخر التحيات في الصلوات الخمس: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا برحمتك عذاب القبر، وعذاب النار، ولم ينكر أحد ذلك..."[30] .

المطلب الثامن: إثبات رؤية الله في الآخرة:

والسورياني من المؤمنين برؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة، ويقول في تفسيره لقوله تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3]: "... وقالوا: بالغيب معناه: بالله، وعلى هذا القول الآية حجة لنا في جواز رؤية الله؛ لأنه لو لم تكن هذه الرؤية جائزة كان لا يصح القول بأنه غائب عن أنظارنا، كما لا يصح قول القائل: لون فلان غائب عن سمعي؛ لأن إدراك اللون محال بواسطة السمع"[31] .

المطلب التاسع :الخير والشر بقضاء الله تعالى:

ويؤمن السورياني بأن الخير والشر كلاهما بقضاء الله سبحانه وتعالى، قال في تفسير قوله تعالى: { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:26]: "سؤال: قال الله: {بيدك الخير} ولم يقل: {بيدك الخير والشر}، فلماذا تقولون: إن الخير والشر كلاهما بقضاء الله؟

أقول في الجواب: معناه: بيدك الخير والشر، هذا مثلما قال:{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] يعني: الحر والبرد، ولكنه ذكر الأول؛ ليدل على الثاني؛ لأن القرآن جوامع الكلم"[32].

ونقل عن الكرامية بأنهم اتفقوا على أن العقل يحسن ويقبح، ويوجد في تفسير السورياني ما يكمن اعتباره إشارة إلى تأكيد هذه المسألة.

قال السورياني في تفسير قول الله عز وجل: { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:169]: "... وقالوا: إن السوء هو المعاصي الشرعية، والفحشاء: هي المعاصي العقلية، التى قبحها العقل..."[33].

ومما يلفت النظر في تفسير السورياني في مسائل الاعتقاد، اهتمامه بالرد على بعض الفرق، حيث يرد على عقائدهم ويدخل معهم قي مناقشات طويلة، تتسم في كثير من المواضيع بالشدة والعنف.

أكتفي بهذا القدر من الحديث حول أبرز المسائل العقدية في تفسير السورياني؛ لأن المجال لا يتسع لأكثر من ذلك، ولعل الله يقيّض من يقوم بدراسة وافية وشاملة لعقائد الكرامية، من خلال تفسير أبي بكر عتيق بن محمد السورياني، الذي كان شيخاً من مشايخ هذه الفرقة المثيرة للجدل. 

الخاتمة:

وفي النهاية أود الإشارة إلى بعض النتائج والمقترحات التي توصلت إليها من خلال البحث وهي تتلخص فيما يلي من النقاط:

- يعتبر تفسير عتيق بن محمد السورياني من أهم وأقدم تفاسير القرآن الكريم عموما، وفي اللغة الفارسية بصفة خاصة، ويستحق أن يدرس من قبل الباحثين بعناية؛ للوقوف على ما احتواها من علوم ومعارف و معلومات.

- يعدّ تفسير السورياني مصدراً خصباً ومباشراً لعقائد وآراء الفرقة الكرامية، في صورة لأحد أهم فرقها وهي الهيصمية أو المقاربة، وهو الكتاب الوحيد الموجود اليوم – على حد علم الباحث-  مما تبقى من تراث هذه الطائفة، التي تعرضت كتبها للاندثار لأسباب مختلفة، ليس هذا مجال ذكرها.

- ثبت من خلال دراسة الكتاب أن بعض ما اتهم به الكرامية بمجموعهم -دون استثناء- في بعض المصادر والمراجع قديماً وحديثاً مثل: القول بالتجسيم في حق الله تعالى، أو القول بأن المنافق مؤمن، ليس دقيقاً، ويحتاج إلى إعادة النظر والدراسة من جديد.

- تأكد من خلال الدراسة صحة بعض ما نسب إلى الكرامية من عقائد، مثل: اعتقادهم في بعض تفاصيل مفهوم الإيمان خلافاً لجمهور أهل السنة والجماعة.

- ثبت أن للكرامية بعض الآراء الفقهية التي تفردوا بها عن بقية المذاهب، مثل: القول بالتفريق بين من يقتدى به وبين العامي في الإفطار أثناء السفر.

هذا وأقترح على الباحثين والمؤسسات العلمية في الوطن الإسلامي العناية بتفسير السورياني، وترجمته، أو ترجمة أجزاء منه - على الأقل- إلى اللغة العربية؛ حتى يتسنى لأهل العلم الاطلاع على كنز من كنوز التراث الإسلامي، الذي بقي مغموراً لدى غير الناطقين باللغة الفارسية، بسبب حاجز اللغة، كما أقترح إجراء دراسات علمية عن تفسير السورياني في جوانبه المختلفة.

والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.

 



[1] المنتخب من السياق ص 403

[2] آخر ما وصلنا من الأخبار- حسب علمي- عن التعامل المباشر مع معتقدات المذهب الكرامي على لسان أحد علماء الكرامية هو الحوار والمناظرة التى دارت بين العلامة فخر الدين الرازي {ت 606 هـ} والقاضي الكرامي مجد الدين عبد المجيد عمر المعروف بابن القدوة في سنة 595 هـ، في منطقة فيروز كوه ببلاد غور {هي تقع اليوم في أفغانستان} وكادت هذه المناظرة التى حضرها فقهاء الكرامية والحنفية والشافعية بحضرة السلطان غياث الدين الغوري، كادت أن تؤدي إلى فتنة كبيرة، إلا أنها أخمدت بعد خروج الفخر الرازي من غور إلى هراة.

انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ ، عز الدين علي بن محمد المعروف بابن الأثير 9/247 ذكر حوادث سنة 595، ط دار صادر بيروت 1965م.

[3] المنتخب من السياق ص 403

[4] انظر مثلا: تفسير السورياني ص 15 و 415 نسخة مكتب الهندي

[5] هو إسحاق بن محمشاد الزاهد الواعظ شيخ الكرامية ورأسهم بنيسابور، يقال أسلم على يديه أكثر من خمسة آلاف، توفي سنة 383 هـ في نيسابور. انظر: شذرات الذهب في اخبار من ذهب، عبد الحي بن عماد الحنبلي 3/104، ط دار إحياء التراث العربي ، بيروت، بدون تاريخ.

[6] انظر: الفرق بين الفرق، عبد القاهر البغدادي ص 215،ط دار الآفاق الجديدة ، بيروت،1977 م.

[7] انظر ما جرى لمؤسس المذهب محمد بن كرام من نفي وسجن: الفرق بين الفرق ص 215، والتبصير في الدين ، أبو المظفر شاهفور الإسفراييني ص 111، ط عالم الكتب ، بيروت، 1983م، والتجسيم عند المسلمين {المذهب الكرامية} ص 57 و 58.

وانظر حول ما كان يحدث لبعض أتباع الكرامية: تاريخ اليميني لمحمد بن عبد الجبار العتبي 2/314

[8] انظر: الفرق بين الفرق ص 216.

[9] راجع لمزيد التفصيل حول فرق الكرامية: الفرق بين الفرق ص 215، التبصير في الدين ص 111، والتجسيم عند المسلمين {المذهب الكرامية} ص 69 وما بعد.

[10] قال عبد القاهر البغدادي عن الكرامية:"وزعمت الكرامية مجسمة خراسان أن...." انظر: الفرق بين الفرق ص 12

[11] الملل والنحل (1/109).

[12] الملل والنحل (1/33).

[13] تفسير السورياني (1/257)

[14] تفسير السورياني 1/147

[15] تفسير السورياني 1/174

[16] تفسير السورياني 1/174-175

[17] تفسير السورياني 1/174-175

[18] انظر مثلا: الفرق بين الفرق ص 12، الملل والنحل 1/113

[19] تفسير السورياني 1/250

[20] تفسير السورياني ص 313 نسحة المكتب الهندي

[21] تفسير السورياني 1/15

[22] تفسير السورياني 1/15

[23] تفسير السورياني 1/250

[24] تفسير السورياني 1/202-203

[25] تفسير السورياني ص 36 نسخة المكتب الهندي.

[26] تفسير السورياني 1/23

[27] تفسير السورياني 1/100

[28] تفسير السورياني 1/162

[29] تفسير السورياني 2 12 نسخة المكتب الهندي

[30] تفسير السورياني ص 11 نسخة المكتبة الهندي

[31] تفسير السورياني 1/11

[32] تفسير السورياني 1/182

[33] تفسير السورياني1/94

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام