الثلاثاء 19/07/1440 - الموافق 26/03/2019 آخر تحديث الساعة 01:18 ص مكة المكرمة 11:18 م جرينتش  
تزكية

أسرار مضاعفة أجور الأعمال(1).

1439/09/09 الموافق 24/05/2018 - الساعة 02:37 م
|


الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فإن من المعلوم في شرعنا المطهّر بالضّرورة؛ هو أنّ أيّ عمل صالح يأتي به المسلم, بنية القربة والإنابة إلى الله؛ أنّه يضاعف له أجر ذلك العمل بعشر أمثالها؛ والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة ثجّاجة, منها ما يلي:

الدّليل الأوّل: قول الله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}[1]. 

الدليل الثّاني: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحسن أحدكم إسلامه: فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها»[2].

وأمّا المضاعفة والزيادة على ذلك؛ فيكون تكرّما وفضلا وإنعاما من ربّ البريّة؛ لأصفيائه وأخياره؛ لأسباب وأسرار جلبت لهم تلك الأجور العظيمة, والمنازل الرّفيعة؛ ومن تلك الأسرار ما دلت النصوص الشرعية على تحديد أجورها؛ ومنها ما لا يعلم منتهى أجورها إلاّ رب العالمين.

وحديثنا في هذه الحلقة يكون بالإفادة ببعض تلك الأسرار التي إذا حققها العبد في عمله, سببت مضاعفة أجر ذلك العمل الصالح إلى أضعاف كثيرة؛ وأهمّ هذه الأسرار ما يلي:

السّرّ الأوّل: الإخلاص والمتابعة.

قال العلامة السعدي رحمه الله: فمن أهم أسباب المضاعفة أن يحقق العبد في عمله الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول؛ فالعمل إذا كان من الأعمال المشروعة، وقصد العبد به رضى ربه وثوابه، وحقق هذا القصد بأن يجعله هو الداعي له إلى العمل، وهو الغاية لعمله، بأن يكون عمله صادرًا عن إيمان بالله ورسوله، وأن يكون الداعي له لأجل أمر الشارع، وأن يكون القصد منه وجه الله ورضاه. كما ورد هذا المعنى في عدة آيات وأحاديث، كقوله تعالى: {إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[3]، أي: المتقين اللهَ في عملهم بتحقيق الإخلاص والمتابعة، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»[4]، وغيرها من النصوص[5]                               .                                                     

السر الثاني: صحة العقيدة, وقوّة إرادة ورغبة العبد في الخير.

قال العلامة السعدي رحمه الله: ومن أسباب المضاعفة وهو أصل وأساس لما تقدم: صحة العقيدة، وقوة الإيمان بالله وصفاته، وقوة إرادة العبد، ورغبته في الخير؛ فإن أهل السنة والجماعة المحضة، وأهل العلم الكامل المفصل بأسماء الله وصفاته، وقوة لقاء الله، تُضَاعَفُ أعمالهم مضاعفةً كبيرةً لا يحصل مثلها، ولا قريب منها لمن لم يشاركوهم في هذا الإيمان والعقيدة.  [6]

السر الثّالث: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرم.

قال ابن رجب رحمه الله: واعلم أنّ مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب منها: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرم؛ ولذلك تضاعف الصلاة في مسجدي مكة والمدينة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام»[7] وفي رواية: «فإنه أفضل»[8]. وكذلك روي: «أن الصّيام يضاعف بالحرم» وفي سنن ابن ماجة بإسناد ضعيف عن ابن عباس مرفوعا: «من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه»[9]. وذكر له ثوابا كثيرا[10].

السّرّ الرّابع: شرف الزمان المعمول فيه ذلك العمل كشهر رمضان.

قال ابن رجب رحمه الله: ومنها: شرف الزمان كشهر رمضان, وعشر ذي الحجة, وفي حديث سلمان الفارسي المرفوع الذي أشرنا إليه في فضل شهر رمضان: «من تطوّع فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه, ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه»[11]. وفي الترمذي عن أنس: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل؟ قال: «صدقة في رمضان»[12] وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عمرة في رمضان تعدل بحجة»[13] أو قال: «حجة معي»[14][15].

وورد في حديث آخر: «أن عمل الصائم مضاعف»[16] وذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره. قال النخعي: صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم, وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة, وركعة فيه أفضل من ألف ركعة. فلما كان الصيام في نفسه مضاعفا أجره بالنسبة إلى سائر الأعمال, كان صيام شهر رمضان مضاعفا على سائر الصيام؛ لشرف زمانه, وكونه هو الصوم الذي فرضه الله على عباده, وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها[17].

السّرّ الخامس: شرف العبد وقربه من الله تعالى.

قال ابن رجب رحمه الله: منها شرف العامل عند الله وقربه منه وكثرة تقواه, كما يضاعف أجر هذه الأمة على أجور من قبلهم من الأمم وأعطوا كفلين من الأجر[18].

المراجع

[1]  سورة الأنعام: 159.

[2]  صحيح البخاري 1/17 برقم 42 كتاب الإيمان/ باب حسن إسلام المرء.

[3]  سورة المائدة: 27.

[4]  متفق عليه. صحيح البخاري 3/45 برقم 2014 كتاب فضل ليلة القدر/ باب فضل ليلة القدر. صحيح مسلم 1/523 برقم 760 كتاب صلاة المسافرين وقصرها/ باب الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح؛ كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[5]  الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للسعدي ص: 20.

[6]  المصدر السابق ص: 21.

[7]  متفق عليه. صحيح البخاري 2/60 برقم 1190 كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة/ باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. صحيح مسلم 2/1012 برقم 1394 كتاب الحج/ باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة؛ كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[8]  أخرجه ابن الأعرابي في معجمه 2/745 برقم 1510 من جابر رضي الله عنه.

[9]  سنن ابن ماجه 2/1041 برقم 3117 كتاب المناسك/ باب صيام شهر رمضان بمكة. وحكم عليه الألباني بالوضع. ينظر: السلسلة الضعيفة 2/232.

[10]  لطائف المعارف ص: 151.

[11]  أخرجه الحارث في مسنده 1/412 برقم 321, وابن خزيمة في صحيحه 3/191 برقم 1887 قال الأعظمي: إسناده ضعيف علي بن زيد بن جدعان ضعيف.

[12]  سنن الترمذي 3/42 برقم 663 باب ما جاء في فضل الصدقة. قال الترمذي: هذا حديث غريب، صدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوي.

[13]  أخرجه بذلك اللفظ البخاري في صحيحه 3/3 برقم 1782 كتاب الحج/ باب عمرة في رمضان.

[14]  أخرجه الحاكم في المستدرك 1/658 برقم 1779 قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

[15]  لطائف المعارف ص: 151.

[16]  أخرجه البيهقي في الشعب 5/421 برقم 3652 ضعفه الألباني في ضعيف الجامع 861.

[17]  لطائف المعارف ص: 151.

[18]  المصدر السابق.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام