السبت 07/03/1439 - الموافق 25/11/2017 آخر تحديث الساعة 12:37 م مكة المكرمة 10:37 ص جرينتش  
بحوث قرآنية
المفهوم القرآني للمرجعية (2-3)

المفهوم القرآني للمرجعية (2-3)

1431/07/26 الموافق 08/07/2010 - الساعة 09:09 ص
|


   3- تعبير القرآن الكريم بلفظ "هدى" عن المرجعية:

ومن الألفاظ التي عبر بها القرآن الكريم عن مفهوم المرجعية لفظ "هدى"، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [السجدة:23]، تحتمل الهاء في قوله: {وجعلناه} وجهين[1]:

أ-إما أن تعود على موسى عليه السلام.

ب-أو على الكتاب.

فعلى الاحتمال الأول يكون موسى هو الهدى[2]، وبالتالي يُراد باللفظ مرجعية الأفراد، وعلى الاحتمال الثاني يكون الكتاب هو الهدى[3]، وبالتالي يراد باللفظ مرجعية الفكرة.

ولعل القريب أن يراد باللفظ موسى عليه السلام وتراد إمامته؛ لأن السياق يستمر في بيان السبب الذي لأجله جعل الله بعض بني إسرائيل أئمة، فقال الله تعالى عقب آية موسى عليه السلام: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24].

فإمامة هؤلاء استمرار لإمامة موسى عليه السلام، وهكذا تقتضي وحدة السياق أن يكون الحديث عن مرجعية الأفراد، ولاسيما إذا أدركنا أن للسياق سلطاناً على النص، قد يصل أحياناً إلى درجة أن يكون بياناً لعامه، أو مطلقه، أو مجمله، إضافة إلى أن الطبراني روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:{وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [السجدة:23]، قال: "جعل موسى هدى لبني إسرائيل"[4].

ولعله يستشكل أن يقصد بلفظ "هدى" "المرجعية" مع أنه لا صلة من حيث المبنى بين اللفظين، ولكن الإشكال سيزول إذا أدركنا أن الهداية تشكل ركناً مهماً في مفهوم المرجعية، فالصلة بينهما معنوية لا لفظية، وقد سبق أن نقلنا عن الجصّاص أن إمام الخير هادٍ، وموسى صلى الله عليه وسلم هو الهدى نفسه.

  4- تعبير القرآن الكريم بلفظ "أولو الأمر" عن المرجعية:

ومن الألفاظ التي أطلقها القرآن الكريم للدلالة على المرجعية "أولو الأمر"، وقد ورد هذا المصطلح في موضعين من القرآن الكريم، وأريد به فيهما مرجعية الأفراد، وهما: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ..} [النساء:59]، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83].

ولعل من المناسب هنا أن نجيب عن السؤالين الآتيين:

ما هو الأمر..؟ ومن المقصود بـ: أولوا الأمر؟

ورد جذر(أ م ر) في القرآن الكريم بصيغ مختلفة، واشتقاقات متعددة، في حوالي مئتين وثمانية وأربعين موضعاً، أما لفظ "الأمر" و"أمر" من غير إضافة إلى ضمير، فقد ورد في تسعة وثمانين موضعاً، وكانت الكلمة تدور مع معاني متعددة، ليس هذا البحث محل حصرها، ولكن يهمنا من ذلك كله أن نفهم المقصود منها في هاتين الآيتين:

{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83]، {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ..} [النساء:59]، ولا يخفى أن الاستقراء هو المنهج الرباني الأمثل للوصول إلى النتائج المطلوبة في دراسة هذه الظاهرة وأمثالها، عندما نستقرئ هذا اللفظ في القرآن الكريم نجد أن المفسرين قد رأوا أنه يستعمل للدلالة على المعاني الآتية[5]:

1.   الدين، كما في قول الله عز وجل: {لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة:48]، وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الجاثية:18].

2.   القول، ومنه قوله تعالى: {إذا جاء جاء أمرنا}، أي: قولنا، ومنه قوله:{فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} [طه:62].

3.   العذاب، ومنه قوله تعالى: {لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ} [إبراهيم:22]، أي: لما وجب العذاب بأهل النار.

4.   عيسى عليه السلام، قال تعالى: {إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:47]، أي: يعني عيسى صلى الله عليه وسلم، وكان في علمه عز وجل أن يكون من غير أب.

5.   القتل ببدر، كما في قول الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} [المؤمن:78]، يعني: أي: القتل ببدر، ومنه قوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} [الأنفال:42]، أي: قتل كفار مكة.

6.   فتح مكة، قال الله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة:24]، أي: فتح مكة.

7.   قتل قريظة وجلاء بني النظير، قال الله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة:109].

8.   القيامة، قال الله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل:1].

9.   القضاء، قال الله تعالى: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة:5]، أي: ينزل الوحي من السماء إلى الأرض، وكذا قوله: {يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} [الطلاق:12].

10.          الوحي، وعليه حمل بعض المفسرين الآيات الواردة في المعنى السابق.

11.          أمر الخلق، قال الله تعالى: {أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} [الشورى:53].

12.          النصر، قال الله تعالى: {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} [آل عمران: 154]، يعنون النصر، ومنه أيضاً قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154].

13.          الذنب، قال الله تعالى: {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} [الطلاق:9]، أي: جزاء ذنبها.

14.          الشأن والفعل، قال الله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}[هود:97]، أي: فعله وشأنه، ومنه قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور:63].

15.          خروج النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته، قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل:1].

16.          الحكم، كما ذهب بعض المفسرين في قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59].

17.          الخبر، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} [النساء:83].

هذه جملة الأقوال المنقولة عن المفسرين في معنى (الأمر) الوارد في القرآن الكريم عموماً، وسبب تعدد أقوال المفسرين أن هذا الجذر تختلف معانيه باختلاف مواضعه.

 



[1] زاد المسير (6/344)، تفسير القرطبي (14/109)، تفسير ابن كثير (3/464)، فتح القدير (4/257).

[2] وهو ما اختاره ابن جرير في تفسيره (21/112) وهو قول قتادة، انظر زاد المسير(6/344)، روح المعاني (21/138).  

[3] انظر تفسير البغوي (3/503) تفسير البيضاوي (4/360) تفسير أبي السعود (7/86) روح المعاني(21/138).

[4] المعجم الكبير، رقم الحديث (12758)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، (مجمع الزوائد، كتاب: التفسير، سورة السجدة، رقم:11270).

[5] تفسير الطبري (4/86) (14/75) تفسير الواحدي (1/600) (1/278)، تفسير الثعالبي (1/384) تفسير البغوي (3/16) زاد المسير (4/427) تفسير القرطبي (2/88- 89) تفسير ابن كثير (1/403) روح المعاني (14/159, 90).

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام