الاثنين 18/07/1440 - الموافق 25/03/2019 آخر تحديث الساعة 08:32 ص مكة المكرمة 06:32 ص جرينتش  
تزكية
في ذكر حقيقة مرض القلب

(قراءة في إغاثة اللَّهفان من مصايد الشَّيطان [4])

1439/09/14 الموافق 29/05/2018 - الساعة 03:43 م
|


الحمد لله، والصّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعد،

فقد رأينا أنَّ انتصار الإنسان في معركة الحياة، لدى كلّ العقباتِ والابتلاءات، رهنٌ بانتصاره في معركة النّفس ضد الشَّيطان:

-وهي المعركة التي تدور رحاها في القلب.

-وهي المعركة التي يتّخذُ فيها إبليسُ دور الغازي المهاجم دائماً، ولا يملك الإنسانُ إلا أن يحصّن نفسه بتزكية قلبه، وتعليقه بربّه.

-وهي المعركة التي يكون فيها القلب متقلّباً بين ثلاثة الأحوال: مرضاً، وموتاً وحياةً.

ولما كان الأصل في حال القلب هو الحياة الكاملة والصحة والسلامة من كلّ داء، كان المرضُ أمراً عارضاً يُصيبه، فيوشك أن يودي به، فلذلك: بعد أن جعل ابنُ القيم موضوع الباب الأول من كتابه "في انقسام القلوب إلى صحيحٍ وسقيمٍ ومَيّتٍ"، جعل موضوع الباب الثاني "في ذكر حقيقة مرض القلب".

ومعرفة حقيقة مرض القلب، ممّا تمسُّ إليه حاجة كلّ مسلمٍ، حتّى يتّقي الإصابة به، فالوقاية خيرٌ من العلاج، وصحّة القلب أساس صحّة الإنسان، البدنيّة والنّفسيّة. ولقد سلك ابن القيّم في بيان حقيقة مرض القلب مسلكين:

أولاً: مسلك اقتطافِ بعض الدلالات القرآنية.

ثانياً: مسلك قياس مرض القلب على مرض البدن.

فيما يلي نقف على هذين المسلكين.

أولاً: مسلك اقتطاف بعض الدلالات القرآنية:

في بداية هذا المسلك، يذكر ابن القيم ثلاث آياتٍ قرآنية، كلٌّ منها يدُلُّ على أن ّالقلب يمرض، وهي:

-قوله تعالى عن المنافقين: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا} [البقرة: 10]، وفيه دلالةٌ إضافيّة: أنّ المسلم إن لم يهتمّ بمعالجة مرض قلبِه تفاقم.

- ثمّ قوله تعالى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الحج: 53]، وقوله تعالى مخاطباً نساء النّبيّ: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]، وفي هاتين الآيتين دلالةٌ إضافيّة، وهي: أنّ صاحب القلبِ المريض، معرّضٌ للافتتان بوسوسة الشيطان[1].

-ثم يقف ابن القيّم عند آيةٍ رابعة، وهي قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [المدثر: 31]، فيقول:

(أخبر الله سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عِدَّة الملائكة الموكَّلين بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه خمس حِكَم): (فتنة الكفار، ويقين أهل الكتاب، وزيادة إيمان المؤمنين، وانتفاء الريب عن المؤمنين وأهل الكتاب)، قال: (فهذه أربع حِكَم) أمّا الخامسة فهي: (حيرة الكافر ومن في قلبه مرضٌ، وعمى قلبه عن المراد بذلك، فيقول: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا}). قال ابن القيّم: (وهذه حالُ القلوب عند ورود الحقِّ المنزل عليها)، فتتباين بحسب ما يتًّصف به كلٌّ قلبٍ من الصحة أو الموت أو المرض[2].

-ثمّ يقف ابن القيّم عند آيةٍ خامسة، وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]؛ فالقرآن (شفاء لما في الصدور) أي لما في القلوب، وذلك من مرضين، قال: (فإنَّ الجهل مرض؛ شفاؤه العلم والهدى، والغيُّ مرض؛ شفاؤه الرّشد. وقد نزَّه الله سبحانه نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- عن كلا هذين الداءين، فقال: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 1، 2]، ووصف رسوله -صلى الله عليه وسلم- خلفاءه بضدِّهما فقال: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي))[3])[4].

فالقرآن شفاءٌ لما في الصدور، وذلك يكون (لمن آمن به خاصَّةً، ... فمن استشفى به صحَّ وبرئ من مرضه، ومن لم يستشفِ به فهو كما قيل:

إذَا بَلَّ مِنْ دَاءٍ بِهِ ظَنَّ أنّهُ * نَجَا وَبِهِ الدَّاءُ الَّذي هُوَ قَاتِلُهْ

وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82])[5].

فخلاصة هذا المسلك: أن القلب يمرضُ، وأنّ مرضه نوعان: مرضُ ضلالٍ وشبهةٍ أو غيٍّ وشهوة، وأنّه يوشك أن يتفاقم إن لم يُتدارَك بالشفاء القرآنيّ.

ثانياً: مسلك قياس مرض القلب على مرض البدن:

يتناول ابن القيّم هذا المسلك في ثلاثة أقسام:

القسم الأول: التعريف بكلٍّ من مرضي البدن والقلب: فمرض البدن (خلافُ صحته)، فهو خروج عن الاعتدال الطبيعي، وذلك بسبب حدوث فسادٍ إمّا في إدراكه وإمّا في حركته:

-أمّا فساد الإدراك، فقد ينتج عنه ذهاب الإدراك بالكلية (كالعمى والصَّمم)، أو ينقص لضعف آلاته، أو يدرك الأشياء على خلاف ما هي عليه، كالإحساس بالحلو مُرَّاً.

-وأمّا فساد الحركة الطبيعية: فمثل (أن تضعف قوته الهاضمة، أو الماسكة، أو الدافعة، أو الجاذبة، فيحصل له من الألم بحسب خروجه عن الاعتدال) [6].

إذن، فمرض القلب (هو نوعُ فساد يحصل له، يفسد به تصوُّره للحقِّ وإرادته له، فلا يرى الحق حقًّا، أو يراه على خلاف ما هو عليه، أو ينقصُ إدراكه له، ويفسد به إرادته له، فيبغض الحقَّ النافع، أو يحب الباطل الضارَّ، أو يجتمعان له وهو الغالب، ولهذا يُفسَّر المرض الذي يعرض له؛ تارةً بالشك والريب، كما قال مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة: 10] أي شك، وتارةً بشهوة الزِّنى، كما فُسر به قوله تعالى: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]، فالأول مرض الشبهة، والثاني مرض الشهوة)[7].

القسم الثّاني: بيانُ سبب كلٍّ من مرضي البدن والقلب:

يقول ابن القيّم: (وسببُ هذا الخروج عن الاعتدال: إمَّا فسادٌ في الكمية أو في الكيفية).

كما أنّ (البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح من يسير الحر والبرد والحركة ونحو ذلك، فكذلك القلبُ إذا كان فيه مرضٌ؛ آذاه أدنى شيء من الشبهة أو الشهوة، حيث لا يقدر على دفعهما إذا وردا عليه، والقلب الصحيح القوي يطرقه أضعاف ذلك، وهو يدفعه بقوَّته وصحته.)[8].

القسم الثالث: كيفيّة علاج كلٍّ من مرضي البدن والقلب:

يقول ابن القيّم: (والصحة تحُفَظ بالمثْل والشَّبه، والمرض يُدفع بالضد والخلاف، وهو يقوى بمثل سببه، ويزول بضده، والصحة تحُفَظ بمثل سببها، وتضعف أو تزول بضده).

يقول ابن القيّم: (وإذا عُرف هذا فالقلب محتاج إلى:

-ما يحفظ عليه قوَّته، وهو الإيمان وأوراد الطاعات؛

-وإلى حِمية عن المؤذى الضارِّ، وذلك باجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات؛

-وإلى استفراغه من مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح، واستغفار غافر الخطيئات.

وبالجملة؛ فإذا حصل للمريض مثلُ سبب مرضه زاد مرضه، وضعفت قوته، وترامى إلى التلف، ما لم يتدارك ذلك؛ بأن يحصل له ما يُقوِّي قوَّته، ويُزِيل مرضه)[9].

هذا هو مضمون هذا الفصل المهمّ، من كتاب "إغاثة اللهفان" لابن القيّم، أمّا الفصل التّالي فقد خصّصه لإلقاء مزيدٍ من الضوء على منهجية العلاج والتداوي من أمراض القلوب، وهو ما سيكون موضوع الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.

المراجع



[1] إغاثة اللهفان في ط عالم مصايد الشيطان الفوائد (1/ 19).

[2] نفسه (1/ 20).

[3] رواه أبو داود (4607)، وغيره، وحسَّنه ابن القيم في إعلام الموقعين (4/ 145)، وهو في السلسلة الصحيحة (937، 2735).

[4] نفسه (1/ 22).

[5] نفسه (1/ 23).

[6] نفسه (1/ 24).

[7] نفسه (1/ 24).

[8] نفسه (1/ 25).

[9] نفسه (1/ 25).

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام