الثلاثاء 19/07/1440 - الموافق 26/03/2019 آخر تحديث الساعة 01:22 ص مكة المكرمة 11:22 م جرينتش  
تزكية

أسرار مضاعفة أجور الأعمال2.

1439/09/16 الموافق 31/05/2018 - الساعة 01:33 م
|


الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فلقد أسلفنا في الحلقة الماضية أن هناك ثمّة أسرار وأسباب تجلب للمرء على عمله الصالح أجورا عظيمة, وتقرّبه من الله تعالى, وينال بممارستها والاهتمام بالعمل بمقتضاها المنازلَ الرّفيعة عند الله تعالى؛ كما أشرنا إلى أنّ تلك الأسرار منها ما دلت النصوص الشرعية على تحديد أجورها؛ ومنها ما لا يعلم منتهى أجورها إلاّ رب العالمين. وإنّ ممّا سبق ذكرها من تلك الأسرار ما يلي:

السّرّ الأوّل: الإخلاص والمتابعة.

السر الثاني: صحة العقيدة, وقوّة إرادة ورغبة العبد في الخير.

السر الثّالث: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرم.

السّرّ الرّابع: شرف الزمان المعمول فيه ذلك العمل كشهر رمضان.

السّرّ الخامس: شرف العبد وقربه من الله تعالى. حيث سبق الحديث عن هذه الأسرار الخمسة؛ وذكرنا كلام أهل العلم في أهميتها ومكانتها, وإنّما افتتحنا حديثنا في هذه الحلقة بها؛ ليسهل على القارئ المتابع ربط السّابق بهذا اللاحق, والحمد لله ربّ العالمين.

السّرّ السّادس: عموم نفع العمل للإسلام والمسلمين, وعظم وقعه وأثره, ويدخل تحت هذا أمور كثيرة, من أهمها ما يلي:

الأمر الأوّل: الجهاد البدني, ويدل على أنّه سرّ عظيم من أسرار مضاعفة الأجور ما يلي من الأدلة:

الدّليل الأوّل: قول الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما}[1].

الدّليل الثَّاني: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: «لا أجده» قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟»، قال: ومن يستطيع ذلك؟، قال أبو هريرة: «إن فرس المجاهد ليستن في طوله، فيكتب له حسنات»[2].

قال الدكتور مصطفى ديب البغا: والمعنى أن المجاهد في عبادة ما دام في خروجه, فلا يقابله إلا من استمر في العبادة من صيام أو قيام أو غير ذلك[3].

الأمر الثاني: الجهاد المالي؛ ويدل على أنّه سرّ عظيم من أسرار مضاعفة الأجور ما يلي من الأدلة:

الدّليل الأوّل: قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا، هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم}[4].

الدّليل الثّاني: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، حدثه قال: قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله»[5].

الأمر الثّالث: الجهاد في تعلّم العلم وتعليمه؛ ويدل على أنّه سرّ عظيم من أسرار مضاعفة الأجور ما يلي من الأدلة:

الدليل الأوّل: ما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه»[6].

الدليل الثَّاني: ما أخرجه الحاكم في المستدرك؛ من حديث صفوان بن عسال المرادي، أنه جاء يسأله عن شيء، قال: ما أعملك إلي إلا ذلك؟ قال: ما أعملت إليك إلا لذلك، قال: «فأبشر فإنه ما من رجل يخرج في طلب العلم، إلا بسطت له الملائكة أجنحتها رضى بما يفعل حتى يرجع»[7].

الأمر الرّابع: إيقاف الأوقاف الخيرية؛ ويدل على أنّه سرّ عظيم من أسرار مضاعفة الأجور ما يلي من الأدلة:

الدليل الأوّل: ما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»[8].

الدليل الثَّاني: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة»[9].

الدليل الثالث: ما أخرجه ابن ماجه في سننه؛ من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته»[10].

قال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: ومن أسباب مضاعفة العمل أن يكون من الأعمال التي نفعُها للإسلام والمسلمين له وقع وأثر وغَناء, وذلك كالجهاد في سبيل الله: الجهاد البدني, والمالي, والقولي, ومجادلة المنحرفين كما ذكر الله نفقة المجاهدين ومضاعفتَها بسبعمائة ضعف.

ومن أعظم الجهاد سلوك طرق التعلم والتعليم, فإن الاشتغال بذلك لمن صحت نيته لا يوازنه عمل من الأعمال؛ لما فيه من إحياء العلم والدين, وإرشاد الجاهلين, والدعوة إلى الخير, والنهي عن الشر, والخير الكثير الذي لا يستغني العباد عنه «فمن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة».

ومن ذلك المشاريع الخيرية التي فيها إعانة للمسلمين على أمور دينهم ودنياهم التي يستمر نفعها, ويتسلسل إحسانها, كما ورد في الصحيح: «إذا مات العبد انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»[11].

السّرّ السّابع: التسبب في الخير, ودلالة الناس عليه. ويدل على أنّه سرّ عظيم من أسرار مضاعفة الأجور ما يلي من الأدلة:

الدليل الأوّل: ما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا»[12].

الدليل الثَّاني: ما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث جرير بن عبد الله - رضي الله عنه – قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء»[13].

قال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: ومن الأعمال المضاعفة العملُ الذي إذا قام به العبد شاركه به غيره؛ فهذا أيضا يضاعف بحسب من شاركه, ومن كان هو سبب قيام إخوانه المسلمين بذلك العمل؛ فهذا - لا ريب - يزيد أضعافا مضاعفة على عمل إذا عمله لم يشاركه فيه أحد, بل هو من الأعمال القاصرة على عاملها؛ ولهذا فضل العلماء الأعمال المتعدية إلى الغير على الأعمال القاصرة على العامل[14].

المراجع

 


[1]  سورة النساء: 95.

[2]  صحيح البخاري 4/15 برقم 2785 كتاب الجهاد والسير/ باب فضل الجهاد والسير.

[3]  صحيح البخاري 4/15 تعليق الدكتور مصطفى البغا.

[4]  سورة الصف: 11.

[5]  صحيح البخاري 4/15 برقم 2786 كتاب الجهاد والسير/ باب فضل الجهاد والسير. صحيح مسلم 3/1503 برقم 1888 كتاب الإمارة/  باب فضل الجهاد والرباط.

[6]  صحيح مسلم 4/2074 برقم 2699 كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار/  باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر.

[7]  مستدرك الحاكم 1/180 برقم 340 قال الحاكم: «هذا إسناد صحيح فإن عبد الوهاب بن بخت من ثقات البصريين وأثباتهم ممن يجمع حديثه وقد احتجا به ولم يخرجا هذا الحديث» ووافقه الذهبي على تصحيحه.

[8]  صحيح مسلم 3/1255 برقم 1631 كتاب الوصية/ باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.

[9]  صحيح البخاري 4/28 برقم 2853 كتاب الجهاد والسير/ باب من احتبس فرسا في سبيل الله.

[10]  سنن ابن ماجه 1/88 برقم 242 باب ثواب معلم الناس الخير. وحسنه الألباني في صحيح الجامع 1/443.

[11]  ينظر: الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للعلامة السعدي ص: 21-22.

[12]  صحيح مسلم 4/2060 برقم 2674 كتاب العلم/ باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.

[13]  صحيح مسلم 4/2059 برقم 1017 كتاب العلم/ باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.

[14]  ينظر: الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب ص: 22.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام