الأربعاء 29/12/1438 - الموافق 20/09/2017 آخر تحديث الساعة 12:23 م مكة المكرمة 10:23 ص جرينتش  
بحوث حديثية
المعجزات العلمية في الأحاديث النبوية(3-3)

المعجزات العلمية في الأحاديث النبوية(3-3)

1431/11/27 الموافق 04/11/2010 - الساعة 07:11 م
|


وأما الأستاذ سعيد بك السيوطي فإنَّ مقاله يتفق مع المقال السابق في أهم ما جاء فيه؛ لذا رأينا أنْ نأتي على خلاصةٍ منه تزيد الموضوع بياناً، ويزداد بها الذين آمنوا إيماناً.

بيَّن الأستاذ السيوطي أنَّ معنى هذا المفرد -بكتريوناج- مفترسة الجراثيم أو آكلة البكتيريا، وأنَّ معنى زرع البكتريوناج أنْ تدخل هذه الأجسام الحية الصغيرة في أنابيب زجاجية فيها مرق اللحم وغيره من الأغذية الخاصة بالجراثيم المساعدة على تكثيرها وتنميتها، فتنمو وتنتشر هذه الجراثيم، وتصير تعدُّ بالمليارات، وأنَّ ذباب البيوت يقع على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم المولدة لأمراض ويأكلها؛ فيتولد منها البكتريوناج، كما أنَّه ينقل البكتريوناج رأساً، فهو ينقل الجراثيم المولِّدة للأمراض، وينقل ما يبيدها، ولعله ينقل كلاً بجناح، أو أنَّ لأحد الجناحين عملاً في تكوين البكتريونج، فظهر سر قوله صلى الله عليه وسلم: "فإنَّ في أحد الجناحين داءٌ وفي الآخر شفاءٌ".

وبما نقلنا عن الحكيمين تبيَّن أنَّ الحديث غير منافٍ للعلم، بل العلم مؤيدٌ له كمال التأييد، ولا داعي إلى تأويله بعد هذا.

ويا للعجب! كيف يقول الحكيم توفيق صدقي بعدم إمكان تأويل الحديث وهو الذي اتسع فهمه ودينه لتأويل الملائكة -عليهم الصلاة والسلام- بالجراثيم في قوله تعالى: { جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } [فاطر:1]؛ لأنَّ من الجراثيم ما له جناحان، وما له ثلاثة أجنحة، وما له أربعة أجنحة!

ولتأويل ملائكة الموت بجراثيم الموت، حمل عليه قوله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } [الأنعام:93].. إلى غير هذا من تأويلاته لآيات الكتاب المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهي مسجَّلة في هذه المحاضرات وغيرها.

أفمن يتسع دينه وفهمه لأمثال تلكم التأويلات يضيق ذرعاً بتأويل حديث الذباب، إنَّ هذا لشيءٌ عجابٌ، على أنك علمت أن لا حاجة إلى التأويل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

وأما حديث الفأرة فلا يتنافى هو وحديث الباب؛ ذلك أنَّ الفأرة نوع من الحيوان غير الذباب، فلا يقاس أحدهما على الآخر، والذي خلق الذباب والفأرة بل أودع فيها الداء فحسب.

قول الحكيم توفيق صدقي: إنَّ كثيراً من أحاديث الصحيحين اتضح لعلماء الحديث غلط الرواة فيها، وإنَّ كثيراً من الأئمة تركوا الأخذ بها.. ادَّعى المتجرئ على حديث الذباب:

1- أنَّ كثيراً من أحاديث الصحيحين اتضح لعلماء الحديث غلط الرواة فيها.

2- وأنَّ كثيراً من الأئمة تركوا الأخذ بها.

المراد من الصحيحين: صحيحا البخاري ومسلم رضي الله عنهما، وجزاهما أفضل ما جزى به من نصح لله ورسوله، ومنزلة أحاديثهما عند العلماء سلفاً وخلفاً من المحدثين وغيرهم.

وقد أنكر بعض الناس أحاديث معدوداتٍ منهما، وأجيب عنها، قال الحافظ زين العراقي في كتابه (فتح المغيث) "شرح ألفيته الحديث" أثناء كلامه على أحاديث الصحيحين ما نصه:

"وروينا عن محمد بن طاهر المقدسي ومن خطه نقلت قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي ببغداد يقول: قال لنا أبو محمد بن حزم: وما وجدنا للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئاً لا يحتمل مخرجاً إلا حديثين، لكل واحدٍ منهما "أي: البخاري ومسلم" حديث غم عليه في تخريجه الوهم، مع إتقانهما وحفظهما، وسعة معرفتهما، فذُكر من عند البخاري حديث شريك عن أنسٍ في الإسراء أنه قبل أنْ يوحى إليه وفيه شقُّ صدره، قال ابن حزم: الآفة من شريك.

والحديث الثاني عند مسلم حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يُقاعدونه، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث أعطنيهن -بصيغة الطلب- قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها، قال: نعم .." الحديث.

قال ابن حزم: هذا حديثٌ موضوعٌ، لا شك في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار.

وقد ذكرت[1] في الشرح الكبير أحاديث غير هذين، وقد أفردت كتاباً لما ضُعِّفَ من حديث الصحيحين مع الجواب عنها، فمن أراد الزيادة في ذلك فليقف عليه؛ ففيه فوائد ومهماتٍ" ا. هـ كلام الحافظ العراقي.

وقد تبيَّن من هذا أنَّ ابن حزم النقادة الجريء تتبع أحاديث الصحيحين، فلم يجد فيها ما لا يحتمل مخرجاً -أي: مما وقع إنكاره- إلا حديثين حديث شرك في الإسراء عند البخاري، وحديث ابن عباس في تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة عند مسلم، وقد جزم ابن حزمٍ بوضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، وأنَّ الحافظ العراقي ألَّف كتاباً فيما ضعف من أحاديث الصحيحين مع الجواب عنها.

أما حديث شريك عن أنس فهو في صحيح البخاري في باب ما جاء في قوله عز وجل: { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } [النساء:164]، من كتاب التوحيد، وفيه أنَّ شريك بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام.. وفي الحديث أنهم أتوه ليلةً أخرى فيما يرى قلبه وتنام عليه، فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبَّته.. الحديث، وفيه أنَّه صلى الله عليه وسلم أُسري به بعد هذا.

أنكر جماعة من أهل العلم، منهم الخطابي وابن حزم وعبد الحق والقاضي عياض والنووي.. أنكروا من رواية شريكٍ أموراً:

1.   منها قوله: "قبل أنْ يوحى إليه"؛ لإجماع العلماء على أنَّ فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل أنْ يوحى إليه.

المصدر: مجلة الزيتونة ج9 ص171-174.

_____________

 [1] الذاكر زين الدين العراقي الحافظ الشهير، والشرح الكبير شرحه على ألفيته في مصطلح الحديث.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام