الأحد 14/05/1440 - الموافق 20/01/2019 آخر تحديث الساعة 12:15 م مكة المكرمة 10:15 ص جرينتش  
تزكية
أسرار مضاعفة أجور الأعمال(3).

أسرار مضاعفة أجور الأعمال(3).

1439/10/07 الموافق 21/06/2018 - الساعة 04:44 م
|


الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فلقد أسلفنا في الحلقات الماضية أن هناك ثمّة أسرار وأسباب تجلب للمرء على عمله الصالح أجورا عظيمة, وتقرّبه من الله تعالى, وينال بممارستها والاهتمام بالعمل بمقتضاها المنازلَ الرّفيعة عند الله تعالى؛ كما أشرنا إلى أنّ تلك الأسرار منها ما دلت النصوص الشرعية على تحديد أجورها؛ ومنها ما لا يعلم منتهى أجورها إلاّ رب العالمين, وإنّ ممّا سبق ذكرها من تلك الأسرار ما يلي:

السّرّ الأوّل: الإخلاص والمتابعة.

السر الثاني: صحة العقيدة, وقوّة إرادة ورغبة العبد في الخير.

السر الثّالث: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرم.

السّرّ الرّابع: شرف الزمان المعمول فيه ذلك العمل كشهر رمضان.

السّرّ الخامس: شرف العبد وقربه من الله تعالى.

السّرّ السّادس: عموم نفع العمل للإسلام والمسلمين, وعظم وقعه وأثره.

السّرّ السّابع: التسبب في الخير, ودلالة الناس عليه. حيث سبق الحديث عن هذه الأسرار السّبعة؛ وذكرنا كلام أهل العلم في أهميتها ومكانتها, وإنّما افتتحنا حديثنا في هذه الحلقة بها؛ ليسهل على القارئ المتابع ربط السّابق بهذا اللاحق, والحمد لله ربّ العالمين.

السّر الثَّامن: عظم نفع العمل.

فإنّ عظم وكبر نفع العمل لمن قُدِّم له العمل سرّ عظيم من أسرار المضاعفة؛ وذلك مثل الإنجاء من المهالك, وإزالة الأضرار عن العباد, وكشف الكرب عنهم.

ومن الأدلة على أنه من أسباب مضاعفة الأجور ما يلي:

الدليل الأوّل: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه؛ من حديث عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة»[1].

وفي لفظ: «ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة»[2].

ولا شكّ أن في تفريج رب العالمين كربة من كرب يوم القيامة عن مفرِّج كربة من كرب الدنيا عن عباد الله مجازاته بأضعاف صنيعه وعمله؛ إذ شتّان ما بين كرب الدنيا والآخرة؛ وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زلاته.

وتفريج الكرب عن عباد الله تعالى لا يقتصر على المال؛  بل يدخل في تفريج وكشف الكرب عنهم إزالتها بالمال أو الجاه أو الوقوف الأخوي الودي معه.

الدّليل الثَّاني: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «غفر لامرأة مومسة، مرت بكلب على رأس ركي يلهث، قال: كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك»[3]. والمومسة: هي الزانية المجاهرة بالفجور.

وفي لفظ لمسلم: «أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها فغفر لها»[4].

فإذا كان رب العالمين يجازي ويرتّب على إنقاذ البهائم من المهالك هذه الأجور العظيمة؛ فكيف إذا وقع الإنقاذ على عباده تعالى, فهذه من رحمته تعالى علينا, ولطفه بنا, وإحسانه إلينا؛ واللبيب من عرف هذه الأسرار, فاقتناها بالعمل بها, والدعوة والإرشاد إليها.

قال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: ومن الأعمال المضاعفة  إذا كان العمل له وقع عظيم, ونفع كبير؛ كما إذا كان في إنجاء من مهلكة, وإزالة ضرر المتضررين, وكشف الكرب عن المكروبين؛ فكم من عمل من هذا النوع يكون أكبر سبب لنجاة العبد من العقاب, وفوزه بجزيل الثواب, حتى البهائم إذا أزيل ما يضرها كان الأجر عظيمًا, وقصة المرأة البغي - التي سقت الكلب الذي كاد يموت من العطش فغفر لها بغيها – شاهدة على ذلك[5].

السّر التّاسع: حسن الإسلام وترك الذنوب.

فإذا أحسن المرء إسلامه واجتنب ما نهي عنه وحرّم عليه من الذنوب والمعاصي, فإنّ ربّنا – جلّ في علاه – كريم جوّاد, يقابل ذلك الانقياد التّام من عبده بمضاعفة أجر إحسان إسلامه؛ وممّا ورد في هذا: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحسن أحدكم إسلامه: فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها»[6].

فالمضاعفةُ للحسنة بعشر أمثالها من خصائص هذا الدين الحنيف، والزيادةُ على ذلك تكونُ بحسب إحسان الإسلام، وإخلاصِ النية في الأعمال.

وفي لفظ للبخاري: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه، يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها»[7].

قال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: ومن أسباب المضاعفة أن يكون العبد حسنَ الإسلام, حسنَ الطّريقة, تاركًا للذنوب, غير مصرّ على شيء منها؛ فإن أعمال هذا مضاعفة كما ورد بذلك الحديث الصحيح: «إذا أحسن أحدكم إسلامه: فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف....»[8].

السّر العاشر: تحرّي الأوقات الفاضلة في الشرع لأداء العبادة والأعمال الصّالحة.

فتحرّي الأوقات الفاضلة التي ثبتت فضيلتها بالشّرع لأداء أعمال القرب سرّ وسبب عظيم من أسباب مضاعفة أجور الأعمال, وهذه الأوقات كثيرة, نذكر منها ما يلي على سبيل التمثيل لا الحصر:

الوقت الأوّل: آخر نهار الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس؛ وذلك لما أخرجه البخاري في صحيحه؛ «في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي, يسأل الله خيرا, إلا أعطاه»[9].

قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: أشار إلى أنها ساعة قليلة، فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل الله فيها شيئا وهو قائم يصلي» قال العلماء: يعني ينتظر الصلاة، فإن المنتظر له حكم المصلي؛ لأن وقت العصر ليس وقت صلاة.

فالحاصل أن المنتظر لصلاة المغرب في حكم المصلي، فينبغي أن يكثر من الدعاء قبل غروب الشمس، إن كان في المسجد ففي المسجد, وإن كان امرأة أو مريضا في البيت شرع له أن يفعل ذلك؛ وذلك بأن يتطهر وينتظر صلاة المغرب، هذه الأوقات كلها أوقات إجابة, ينبغي فيها تحري الدعاء والإكثار منه؛ مع الإخلاص لله والضراعة والانكسار بين يدي الله والافتقار بين يديه سبحانه وتعالى، والإكثار من الثناء عليه, وأن يبدأ الدعاء بحمد الله, والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, فإن البداءة بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب الاستجابة، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم[10].

الوقت الثاني: صوم يوم عرفة لغير الحاج, وصوم يوم عاشوراء؛ وذلك لما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: «يكفر السنة الماضية»[11].

الوقت الثالث: الأعمال الفاضلة في رمضان؛ ومنها أداء العمرة فيه, فإن ثواب العمرة في رمضان ثواب الحج؛ وذلك لما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من حجته قال لأم سنان الأنصارية: «ما منعك من الحج؟»، قالت: أبو فلان، تعني زوجها، كان له ناضحان[12] حج على أحدهما، والآخر يسقي أرضا لنا، قال: «فإن عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي»[13].

وفي لفظ لمسلم: «فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة»[14].

وفي لفظ للبخاري: «فإذا كان رمضان اعتمري فيه؛ فإن عمرة في رمضان حجةٌ»[15].

الوقت الرابع: العشر الأواخر في رمضان؛ فإن لها مزايا كثيرة, منها أنّ فيها ليلة القدر؛ التي أنزل الله فيها القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا؛ ومنه أنزله تعالى عليه – صلّى الله عليه وسلّم – منجَّما؛ بحسب الوقائع والأحداث؛ وهذه الليلة خير من ألف شهر؛ فمن وفّق لإدراكها فقد وفّق على خير عظيم, وممَّا ورد من الأدلّة في فضل هذه الليلة ما يلي:

الدّليل الأوّل: قال الله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر* تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر * سلام هي حتّى مطلع الفجر}[16].

ففي هذه الآيات الكريمة وصف هذه الليلة بعدة صفات:

الصّفة الأولى: أنها خير من ألف شهر.

الصفة الثانية: أن القرآن الكريم نزل فيها جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا؛ ومنه أنزله عليه منجما بحسب الوقائع والأحداث.

الصفة الثالثة: كثرة نزول الملائكة وجبريل في ليلة القدر؛ وهم لا ينزلون إلا بالخير، والبركة والرحمة[17].

الصفة الرابعة: وصفها بالبركة.

الصفة الخامسة: وصفها بسلام؛ لكثرة السلامة فيها من العقاب، والعذاب، بما يقوم به العبد من طاعة الله عز وجل[18].

الدليل الثَّاني: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه»[19].

فغفران ما تقدم من الذنوب بصيام رمضان وقيام ليلة القدر ليس مجازاة بالمثل, ولا بعشر الأمثال؛ وإنما هو من باب الإنعام والإحسان من رب العباد, ومضاعفة الأجر؛ لتشريفه تعالى لذلك الوقت الذي وقع فيه العمل.

 

المراجع

 


[1]   صحيح مسلم 4/2074 برقم 2699 كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار/ باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر.

[2]  أخرجه مسلم في صحيحه 4/1996 برقم 2580 كتاب البر والصلة والآداب/  باب تحريم الظلم.

[3]  صحيح البخاري 4/130 برقم 3321 كتاب بدء الخلق/ باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء.

[4]  صحيح مسلم 4/1761 برقم 2245 كتاب السلام/ باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها.

[5]  ينظر: الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للعلامة السعدي ص: 22-23.

[6]  صحيح البخاري 1/17 برقم 42 كتاب الإيمان/ باب حسن إسلام المرء. صحيح مسلم 1/117 برقم 129 كتاب الإيمان/ باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب.

[7]  صحيح البخاري 1/17 برقم 41 كتاب الإيمان/ باب حسن إسلام المرء.

[8]  الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للعلامة السعدي ص: 23.

[9]  صحيح البخاري 8/85 برقم 6400 كتاب الدعوات/ باب الدعاء في الساعة التي في يوم الجمعة.

[10]  مجموع فتاوى ابن باز 9/355.

[11]  صحيح مسلم 2/819 برقم 1162 كتاب الصيام/ باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس.

[12]  ناضحان: الناضح البعير، أو الثور، أو الحمار الذي يستسقى عليه، لكن المراد به هنا البعير؛ لتصريحه في رواية أبي داود بكونه جملاً. ينظر: فتح الباري لابن حجر 3/ 604.

[13]  صحيح البخاري 3/19 برقم 1863 كتاب جزاء الصيد/ باب حج النساء.

[14]  صحيح مسلم 2/917 برقم 1256 كتاب الحج/ باب فضل العمرة في رمضان.

[15]  صحيح البخاري 3/3 برقم 1782 كتاب الحج/ باب عمرة في رمضان.

[16]  سورة القدر.

[17]  الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة للدكتور سعيد القحطاني ص: 438.

[18] المصدر السابق ص: 438.

[19]  صحيح البخاري 3/45 برقم 2014 كتاب فضل ليلة القدر/ باب فضل ليلة القدر.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام