الثلاثاء 05/03/1440 - الموافق 13/11/2018 آخر تحديث الساعة 05:27 ص مكة المكرمة 03:27 ص جرينتش  
تزكية

أسرار مضاعفة أجور الأعمال(4).

1439/10/14 الموافق 28/06/2018 - الساعة 05:46 م
|


الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فلقد أسلفنا في الحلقات الماضية أن هناك ثمّة أسرار وأسباب تجلب للمرء على عمله الصالح أجورا عظيمة, وتقرّبه من الله تعالى, وينال بممارستها والاهتمام بالعمل بمقتضاها المنازلَ الرّفيعة عند الله تعالى؛ كما أشرنا إلى أنّ تلك الأسرار منها ما دلت النصوص الشرعية على تحديد أجورها؛ ومنها ما لا يعلم منتهى أجورها إلاّ رب العالمين, وإنّ ممّا سبق ذكرها من تلك الأسرار ما يلي:

السّرّ الأوّل: الإخلاص والمتابعة.

السر الثاني: صحة العقيدة, وقوّة إرادة ورغبة العبد في الخير.

السر الثّالث: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرم.

السّرّ الرّابع: شرف الزمان المعمول فيه ذلك العمل كشهر رمضان.

السّرّ الخامس: شرف العبد وقربه من الله تعالى.

السّرّ السّادس: عموم نفع العمل للإسلام والمسلمين, وعظم وقعه وأثره.

السّرّ السّابع: التسبب في الخير, ودلالة الناس عليه.

السّر الثَّامن: عظم نفع العمل.

السّر التّاسع: حسن الإسلام وترك الذنوب.

السّر العاشر: تحرّي الأوقات الفاضلة في الشرع لأداء العبادة والأعمال الصّالحة. حيث سبق الحديث عن هذه الأسرار العشرة؛ وذكرنا كلام أهل العلم في أهميتها ومكانتها, وإنّما افتتحنا حديثنا في هذه الحلقة بها؛ ليسهل على القارئ المتابع ربط السّابق بهذا اللاحق, والحمد لله ربّ العالمين.

السّرّ الحادي عشر: الصّدقة من الكسب الطيّب.

فإنّ الصّدقة من الكسب الطّيب سرّ عظيم من أسرار القبول وتضعيف الأجور؛ وعملٌ جليل يحبّه رب العالمين ويرضاه, فيرتّب عليه الثواب العظيم.

ومن الأدلة على أنه من أسباب مضاعفة الأجور ما يلي:

الدّليل الأوّل: قول الله تعلى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة}[1].

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: وتأمل هذا الحث اللطيف على النفقة، وأن المنفق قد أقرض الله المليء الكريم، ووعده المضاعفة الكثيرة[2].

 الدليل الثاني: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل»[3].

وفي لفظ: «ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله»[4].

وفي لفظ: «لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب، إلا أخذها الله بيمينه، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه، أو قلوصه، حتى تكون مثل الجبل، أو أعظم»[5].

فقوله: «فإن الله يتقبلها بيمينه»؛ فيه إثبات صفة اليمين لله تبارك وتعالى؛ فهي يمين تليق بجلاله تعالى وعظمته؛ فقبوله تعالى الصّدقة من الكسب الطّيّب بيمينه تشريف لها؛ وتكريم للمتصدّق؛ لأن اليمين تصان عادة عن مس الأشياء الدنية وهو عنوان الرضا وحسن القبول والله تعالى أعلم.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وسبب هذا أن المال تحبه النفوس وتبخل به، فإذا سمحت بإخراجه لله عز وجل دل ذلك على صحة إيمانها بالله ووعده ووعيده[6].

ثمّ إن الصدقة إحسان إلى الآخرين, وإنفاق في وجوه الخير المتعدية, فهي داخلة في النفع المتعدي؛ فلذا كانت من أسباب مضاعفة العمل, وتكثير الأجر؛ إضافة إلى أن الله تبارك وتعالى ينزل البركة في المال الحلال, فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته, وامتثال أمره[7].

السرّ الثَّاني عشر: إسرار العمل إذا اقتضاه المقام.

فإنّ الإسرار بالعمل الصّالح عند اقتضاء المقام ذلك من الأسرار والأسباب المعينة على تضعيف أجور الأعمال.

ومن الأدلة على أنه من أسباب مضاعفة الأجور ما يلي:

الدّليل الأوّل: قول الله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}[8].

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية[9].

وقال الطبري: يعني فإخفاؤكم إياها خير لكم من إعلانها؛ وذلك في صدقة التطوع[10].

الدّليل الثّاني: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عدل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه»[11].

الشّاهد من الحديث: قوله عليه الصّلاة والسّلام: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه». فما نالا هذه المكانة العالية, والتكريم العظيم من الرحمن الرحيم إلا بسبب إخفائهما ما قاما به من الأعمال الصَّالحة؛ رجاء ثواب الله عليها, ورغبة فيما عنده وحده تعالى.

قال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: ومن لطائف المضاعفة أن إسرار العمل قد يكون سببًا لمضاعفة الثّواب؛ فإن من السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه»[12].

وقال ابن كثير: والأصل أن الإسرار أفضل؛ لما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»[13].

السرّ الثالث عشر: الجهر بالعمل الصّالح إذا حصل بذلك التأسي.

فكما كان الإسرار بالعمل الصّالح من أسرار مضاعفة أجر العمل, فقد يكون إعلانه والجهر به من أسرار المضاعفة أيضا؛ وذلك إذا تعرى الجهر به من الرياء والسّمعة, وترتّب عليه إقبال آخرين عليه؛ اقتداء بالمعلِن الجاهر.

ومن الأدلة على أن الإعلان بالعمل الصَّالح قد يكون  من أسباب مضاعفة الأجور ما يلي:

الدّليل الأوّل: قول الله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير}[14].

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: ففي هذا أن صدقة السر على الفقير أفضل من صدقة العلانية، وأما إذا لم تؤت الصدقات الفقراء فمفهوم الآية أن السر ليس خيرا من العلانية، فيرجع في ذلك إلى المصلحة، فإن كان في إظهارها إظهار شعائر الدين وحصول الاقتداء ونحوه، فهو أفضل من الإسرار[15].

وقال أيضًا: فأما إذا صرفت في مشروع خيري، لم يكن في الآية ما يدل على فضيلة إخفائها، بل هنا قواعد الشرع، تدل على مراعاة المصلحة، فربما كان الإظهار خيرا، لحصول الأسوة والاقتداء، وتنشيط النفوس على أعمال الخير[16].

الدليل الثَّاني: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه؛ من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - عليهم الصّوف, فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحثّ النّاس على الصّدقة، فأبطئوا عنه حتّى رئي ذلك في وجهه, قال: ثم إنّ رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السّرور في وجهه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيّئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء»[17].

وبهذا الحديث يتبين أنّ الإعلان والإسرار بالعمل الصالح يرجع في ذلك إلى ما فيه مصلحة, ويحقق للناس منفعة, ويجنب العامل من الرياء.

قال ابن حجر العسقلاني – رحمه الله تعالى – في هذا المعنى: قال الزين بن المنير لو قيل إنّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال لما كان بعيدا, فإذا كان الإمام مثلا جائزا, ومال من وجبت عليه مخفيا؛ فالإسرار أولى, وإن كان المتطوع ممن يقتدى به ويتبع, وتنبعث الهمم على التطوع بالإنفاق, وسلم قصده, فالإظهار أولى والله أعلم[18].

وقال الطيبي رحمه الله تعالى: جاء آثار بفضيلة الجهر بالقرآن, وآثار بفضيلة الإسرار به, والجمع بأن يقال: الإسرار أفضل لمن يخاف الرياء, والجهر أفضل لمن لا يخافه؛ بشرط أن لا يؤذي غيره من مصل أو نائم أو غيرهما؛ وذلك لأن العمل في الجهر يتعدى نفعه إلى غيره, أي من استماع أو تعلم أو ذوق, أو كونه شعارا للدين؛ ولأنه يوقظ قلب القارىء ويجمع همه ويطرد النوم عنه وينشط غيره للعبادة, فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل[19].

وقال العلامة ابن العثيمين رحمه الله تعالى: الذي يتحدث عن نفسه بفعل الطاعات لا يخلو من حالين:

الحال الأولى: أن يكون الحامل له على ذلك تزكية نفسه وإدلاله بعمله على ربه, وهذا أمر خطير قد يؤدي إلى بطلان عمله وحبوطه, وقد نهى الله سبحانه وتعالى عباده عن تزكية نفوسهم فقال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}[20].

الحال الثانية: أن يكون الحامل له على ذلك التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى, وأن يتخذ من هذا الإخبار عن نفسه سبيلاً إلى أن يقتدي به نظراؤه وأشكاله من بني جنسه, وهذا قصد محمود؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وأما بنعمة ربك فحدث}[21], وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة[22].

المراجع

 

 


[1]  سورة البقرة: 245.

[2]  تيسير الكريم الرحمن ص: 952.

[3]  صحيح البخاري 9/126 برقم 7430 كتاب التوحيد/ باب قول الله تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه}.

[4]  صحيح مسلم 2/702 برقم 1014 كتاب الزكاة/ باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها.

[5]  صحيح مسلم 2/702 برقم 1014 كتاب الزكاة/ باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها.

[6]  جامع العلوم والحكم 2/24.

[7]  ينظر: الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للعلامة السعدي ص: 110.

[8]  سورة البقرة: 271.

[9]  تفسير ابن كثير 1/701.

[10]  تفسير الطبري 5/582.

[11]  صحيح البخاري 2/111 برقم 1423 كتاب الزكاة/ باب الصدقة باليمين. صحيح مسلم 2/715 برقم 1031 كتاب الزكاة/ باب فضل إخفاء الصدقة.

[12]  ينظر: الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للعلامة السعدي ص: 24.

[13]  تفسير ابن كثير 1/701-702.

[14]  سورة البقرة: 271.

[15]  تيسير الكريم الرحمن ص: 116.

[16]  المصدر السّابق ص: 958.

[17]  صحيح مسلم 4/2059 برقم 1017 كتاب العلم/ باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.

[18]  فتح الباري 3/289.

[19]  تحفة الأحوذي 8/191.

[20]  سورة النجم: 31.

[21]  سورة الضحى: 11.

[22]  فتاوى نور على الدرب 22/2.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام