الخميس 01/01/1439 - الموافق 21/09/2017 آخر تحديث الساعة 12:46 ص مكة المكرمة 10:46 م جرينتش  
بحوث عقدية
شبهات وردود حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(3-3)

شبهات حول الأمر بالمعروف (3-3)

1431/07/12 الموافق 24/06/2010 - الساعة 10:46 ص
|


الشبهة الرابعة: (ترك الاحتساب لاعتقاد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اختصاص العلماء فقط):
بعض الناس يعتقد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو من اختصاص العلماء فقط وأصحاب الولايات: كأهل الحسبة، وليس لعموم الناس.
والرد على هذه الشبهة:
أن نقول وبالله التوفيق: إن أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كحديث: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"[1]،لم تخصص أحداً ولم تستثن أحداً من الناس، بل أوجبت ذلك عليهم كل حسب طاقته وعلمه؛ ولذا قال الإمام النووي -رحمه الله-: « قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين؛ فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من غير ولاية، والله أعلم.
ثم إنه إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهي عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء»[2].

الشبهة الخامسة: (ترك الاحتساب خشية الوقوع في الفتنة).

يقول بعض الناس: لا نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأننا نخشى الوقوع في الفتنة بسبب ذلك.

كشف حقيقة هذه الشبهة:

أولاً: ترك الاحتساب هو الذي يعرض العبد للفتنة:

لنا أن نسأل أصحاب هذا القول: هل سلمتم من الفتنة بترككم الاحتساب أم أنكم وقعتم فيها؟

تؤكد نصوص الكتاب والسنة أن ترك الاحتساب يعرض العبد للفتنة، ومن تلك النصوص قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25].

يقول عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير الآية: «أمر الله عز وجل المؤمنين: أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم؛ فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم»[3].

ومنها ما رواه الإمام الطبراني عن العرس بن عميرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله: "إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره، ولا تغيره، فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة"[4].

ومنها ما روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: سمعت رسول الله يقول: "إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم، فقد تُودَّع منهم"[5].

يقول القاضي عياض في شرح الحديث: «أصله من التوديع، وهو الترك، وحاصله: أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الخذلان وغضب الرحمن»[6].

ولا يمكن الوقاية من هذه الفتنة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يقول الشيخ جلال الدين المحلي في تفسير الآية: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً …} الآية. «واتقاؤها بإنكار موجبها من المنكر»[7].

ثانياً: مشابهة هذا القول لتعليل المنافق الجد بن قيس في التخلف عن الغزوة:

مما يؤكد شناعة هذا التعليل لترك الاحتساب أنه عين التعليل الذي علل به الجد بن قيس عند تخلفه عن غزوة تبوك؛ فكشف العليم الخبير حقيقة تعليله، وذمه في آيات تتلى إلى الأبد.

فقد ذكر الإمام الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر ذات يوم وهو في جهازه، للجد بن قيس أخي بني سلمه:" هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر؟" فقال: يا رسول الله! أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله، لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "قد أذنت ذلك".

ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة:49].

ثم يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: «أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم»[8].

وهكذا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة طلب السلامة من فتنة لم تقع بعد، قد وقع في فتنة كبرى، ألا وهي ترك ما أوجبه الله تعالى عليه من الاحتساب.

ثالثاً: تعارض هذا القول مع وصية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:

يتنافى هذا القول مع ما أوصى به النبي الكريم أصحابه من قول الحق، وأن لا يخافوا في الله لومة لائم، وأن لا يمنعهم خوف على النفس أو الرزق من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن تلك الأحاديث – على سبيل المثال – ما روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمنعنّ رجلاً منكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه"[9].

وفي رواية أخرى عن أبي سَعِيدٍ الخدري قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ الناس أن يَقُولَ بِحَقٍّ إذا رَآهُ أو شَهِدَهُ؛ فإنه لاَ يُقَرِّبُ من أَجَلٍ وَلاَ يُبَاعِدُ من رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أو يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ".[10]

فأين أصحاب هذه الشبهة من هذا الحديث الشريف ومن الأحاديث الأخرى مثلها؟

رابعاً: منافاة هذا القول لسير الأنبياء والصالحين:

أين أصحاب هذه الشبهة من سير الأنبياء والمرسلين والصالحين الذين عُذِّبوا، وأُخرِجوا من ديارهم، وقُوتلوا، وقُتِلوا بسبب قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أين هم من رجال هذه الأمة الذين تحققت فيهم –بفضل الله تعالى– بشرى رسول صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"[11]؟

تنبيه:

لا يُفهم مما كتبنا أنه لا يُنظر إلى ما يترتب على القيام بالاحتساب ولا يُعبَأ به، بل إن هذا سيُحسب له حسابه، فإن كانت المفسدة المترتبة عليه أعظم من المصلحة المتوقعة، فلا يقوم المرء بالاحتساب آنذاك، وإن كانت المصلحة المرجوة أعظم من المفسدة؛ فيجب عليه أن يقوم بالاحتساب، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات، فلابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرِك واجب وفُعِل محرم".

لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد ليس بهوى الناس بل – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – هو بميزان الشريعة.

ولا يعني كلامنا أيضاً أن نفرط بأنفسنا في الاحتساب، وأن نلقي بأيدينا إلى التهلكة، إن الذي نقصده أن لا يكون الخوف على النفس أو الرزق مانعاً من الاحتساب، ولكن أخذ الحيطة والحذر أمر مطلوب مثل ما هو الحال في الجهاد بالسيف.

الشبهة السادسة: (ترك الاحتساب بسبب عدم استجابة الناس):

يقول بعض الناس: ينبغي أن لا نضيع جهودنا وأوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، حيث إنهم لا يستجيبون.

بيان حقيقة هذه الشبهة:

سنبيّن بعون الله تعالى حقيقة هذه الشبهة بإلفات عناية القارئ إلى النقاط التالية:

أولاً: لا يُشترط لوجوب الاحتساب قبول الناس:

لم يشترط الله تعالى ولا رسوله لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استجابة الناس، بل أوجب الله تعالى على نبيه الكريم وعلى أمته تبليغ الناس أوامره ونواهيه، سواء استجابوا أم لم يستجيبوا، وقد وردت نصوص كثيرة تبيّن هذا، منها على سبيل المثال قوله تعالى: {فإن تولوا فإنما عليه ما حُمّل وعليكم ما حُمّلتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور:54].

ومنها قوله تعالى: {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ} [آل عمران:20].

ومنها قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} [المائدة:92].

ومنها قوله تعالى: {فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} [النحل:82].

ومنها قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن:12].

ومنها قوله تعالى: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 35].

ومنها قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} [هود: 57].

ومنها قوله تعالى: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد:40].

ومنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].

ومنها قوله تعالى: {فذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21 – 22].

فمهمة الرسول الكريم وهكذا مهمة أمته أن يبلغوا الناس أوامر الله تعالى ونواهيه، ويذكروهم سواء استجابوا أم لم يستجيبوا، ولا عذر لهم عند الله لترك هذه المهمة الجليلة بسبب إعراض الناس عنهم، وفي هذا الصدد يقول الإمام النووي: «قال العلماء -رضي الله عنهم-: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين».

وقد قدَّمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول، وكما قال تعالى: {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ}[12].

ومما يؤكد هذا ما قصّه الله تعالى عن أصحاب السبت، حيث استمر الصالحون في نهي العصاة عن التحايل للصيد يوم السبت، ولم يتركوا الاحتساب بسبب عدم استجابة العصاة، بل صرّحوا أنهم يقصدون من وراء احتسابهم أمرين:

1.   أن يُقبل عذرهم عند الله تعالى.

2.   لعل العصاة يستجيبون فيتركوا التحايل ويتوبوا إلى الله تعالى.

يقول سبحانه وتعالى عن قصتهم: {وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164].

ويقول الإمام ابن العربي في تفسير الآية:«لما فعلوا هذا نهاهم كبراؤهم، ووعظهم أحبارهم فلم يقبلوا منهم فاستمروا في نهيهم لهم، ولم يمنع من التمادي على الوعظ والنهي عدم قبولهم؛ لأنه فرض قُبل أو لم يُقْبل، حتى قال لهم بعضهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ} يعني: في الدنيا أو{مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} قال لهم الناهون: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} أي: نقوم بفرضنا ليثبت عذرنا عند ربنا»[13].

ثانياً: الحكم على الناس بعدم الاستجابة من الأمور الغيبية:

إن الحكم على الناس بأنهم لا يستفيدون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور الغيبية، التي لا يعرفها إلا العليم الخبير، إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع رب العباد، يقلّبها متى شاء وكيف ما شاء، وما أسهل على الله تعالى تقليبها.

فقد روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: إنه سمع رسول الله يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء"[14].

وقد شبّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهولة تصريف قلوب العباد بتقليب ريشة بأرض فلاة.

فقد روى الإمام ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مثل القلب مثل الريشة، تقلّبها الرياح بفلاة"[15].

وكم من أشخاص يراهم الناس من أتقى الناس فيتحولّون إلى أفسق الناس، وكم من أفسق الناس يأتيهم الموت وهم من أتقى الناس، هذه حقيقة نقرؤها في سير الناس، ونشاهدها في حياتنا اليومية، وبيّنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم الناطق بالوحي بقوله: "إن الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى الناس عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى الناس عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وهو من أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا"[16].

فإذا كان الشخص يجهل خواتيم الآخرين فكيف يسوغ له أن يفترض أنهم لا يستجيبون، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استناداً إلى هذا الافتراض؟

ثالثاً: وجوب التأسي بالرسول الكريم في هذا الأمر وفي كل أمر:

جعل الله تعالى في رسوله الكريم أسوة لنا حيث يقول عز من قائل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21].

فلنا أن نسأل أصحاب هذه الشبهة: هل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نظراً لعدم استجابة الناس؟  كلا، بل استمر صلوات الله وسلامه عليه في ذلك في أشد الأحوال وأصعبها، راجياً من الله هداية المخاطبين، بل هداية أجيالهم القادمة إن لم يستجب الجيل الموجود.

وسيرته الطاهرة تدل على هذا، فقد روى الإمام مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: " لقد لقيت من قومي، وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي[17]، فلم استفق إلاّ وأنا بقرن الثعالب[18]، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني؛ فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: "إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم"، قال: "فناداني ملك الجبال وسلّم عليّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني، فما شئت[19]؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين[20]".

فقال له رسول الله: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً"[21].

هل يُتوقع بعد ذلك ممن ينتسب إلى هذا النبي الكريم -الحريص على هداية الناس- أن يقول: ينبغي أن لا نضيع جهودنا وأوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون؟!

احتجاج أصحاب الشبهة ببعض الآيات:

يحتجّ أصحاب هذه الشبهة ببعض النصوص التي جاء فيها – على حسب زعمهم – الأمر بالتذكير مشروطاً بالنفع، أو مخصوصاً لمن خاف الوعيد، أو خشي الرحمن بالغيب، واتبع الذكر، ومن النصوص:

قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى: 9].

وقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [فاطر: 18].

وقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} [يس: 11].

وقوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [قـ: 45].

قالوا: نجد في هذه الآيات بأن الله تعالى اشترط لأمره بالتذكير {إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى}كما أرشد نبيه الكريم أن يقتصر في إنذاره عل {مَن يَخَافُ وَعِيدِ} {وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} {مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ}.

لذا لا داعي لبذل الجهود في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر وهم لا يستجيبون.

كشف النقاب عن حقيقة الاحتجاج:

سنبيّن بتوفيق الله تعالى حقيقة احتجاجهم بالآيات من وجهين:

أولاً: النظر في سيرة من أنزل عليه تلك الآيات:

أنزلت تلك الآيات على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي كان يتلوها على المؤمنين، ويعلّمهم إياها، وإليه أسندت مهمة بيانها، وكان صلى الله عليه وسلم صورة حية لما نزلت عليه الآيات، لنا أن نسأل هؤلاء هل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب إعراض الناس؟ كلا، فقد استمر في التذكير والإنذار رغم عناد الكفرة وتمردهم، والفهم الصحيح للآيات هو فهمه وكل استنباط أو استدلال يعارض فهمه وعمله باطل ومردود على صاحبه.

ثانياً: المراد بالآيات على ضوء تفسير المفسرين:

بيّن المفسرون المراد بتلك الآيات فأجادوا وأفادوا جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء وسنذكر بعض ما ذكروا – بعون الله تعالى – في هذا المقام.

أما قوله تعالى {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} فنترك مجال تفسيره للإمام الرازي حيث يقول مثيراً بعض الأسئلة حوله:

السؤال الأول: أنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل، فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى

الجواب: أن المعلق بـ(إن) على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه الآيات، منها هذه الآية:

ومنها قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} [النور: 33] .

ومنها قوله تعالى: {واشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152].

ومنها قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف.

ومنها قوله: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] والرهن جائز مع الكتابة.

ومنها قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ} [البقرة:230] والمراجعة جائزة بدون هذا الظن.

ويتابع الإمام الرازي كلامه ويقول: «إذا عرفت هذا فقد ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد:

أحدهما: أن من باشر فعلاً لغرض فلا شك أن الصورة التي عُلم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي عُلم فيها عدم ذلك الإفضاء، فلذلك قال: {إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى}.

ثانيها: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ونبّه على الأخرى كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} والتقدير {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} أو لم تنفع.

ثالثها: أن المراد به البعث على الانتفاع بالذكرى، كما يقول المرء لغيره إذا بيّن له الحق: قد أوضحت لك إن كنت تعقل؛ فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع.

رابعها: أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول أنه لا تنفعهم الذكرى، كما يقال للرجل: ادع فلانا إن أجابك ما أراه يجيبك.

خامسها: أنه عليه السلام دعا إلى الله كثيراً، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر، وكان عليه السلام يحترق حسرة عل ذلك، فقيل له: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [قـ: 45] إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود؛ فلهذا المعنى قيّده بهذا الشرط[22].

وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [فاطر: 18] فبين المفسرون -رحمهم الله تعالى- بأن المنتفعين بالإنذار هم أولئك، وليس المعنى: بأن غيرهم لا يُذَكر ولا يُنذر، يقول أبو القاسم الغرناطي: «المعنى: أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم، وليس المعنى اختصاصهم بالإنذار»[23].

وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [فاطر: 18]

 فالمراد به – كما بيّن المفسرون– مثل المقصود بالآية السابقة، يقول أبو القاسم الغرناطي في تفسيره: «معناه كقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} [يس: 11] وقد ذكرناه في فاطر»[24].

وأما قوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [قـ: 45]، فهو –كما يقول أبو القاسم الغرناطي– كقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم} [فاطر: 18]، لأنه لا ينفع التذكير إلا من يخاف.

فخلاصة القول: أن الاستدلال بتلك الآيات على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب عدم استجابة الناس غير صحيح.

الشبهة السابعة: (لا إنكار في مسائل الخلاف[25]):

وهذا خطأ والصحيح (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) وليس في مسائل الخلاف، كثيرًا ما نسمع أو نقرأ عند الاختلاف في المسائل الشرعية قول بعضهم: «لا إنكار في مسائل الخلاف»؛ يريد بذلك أن كل مسألة وُجد فيها خلاف بين العلماء فإنه لا يحق لأحد أن ينكر على من خالفه فيها، أو يحمله على رأيه.

وقد بين العلماء المحققون أن هذه المقولة: (لا إنكار في مسائل الخلاف) غير سليمة، وأن مسائل الخلاف تنقسم قسمين:

1-             المسائل الخلافية التي ثبت فيها نص أو نصوص من الكتاب والسنة تدل على صحة أحد الأقوال، فالواجب حينئذٍ اتباع النص، والإنكار على المخالف، مع عذر من أخطأ فيها من المجتهدين.

2-             المسائل الخلافية التي لم يثبت فيها نص، فهذه تسمى: (المسائل الاجتهادية)؛ لأن كل واحد من العلماء المختلفين قد عمل أو أفتى بما أداه إليه اجتهاده، وهذه المسائل لا إنكار فيها، ولا ينبغي لواحد من المختلفين أن يحمل الآخر على قوله؛ لأن كل واحد منهم لم يخالف نصًا، بل خالف اجتهاد مجتهد.

أقوال العلماء المحققين:

·       قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-:

«وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أمّا الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإنه يُنكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء.

وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار، أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً.

وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد [عموما بلا قيد]، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس.

والصواب الذي عليه الأئمة: أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه؛ فيسوغ إذا عدم ذلك فيها الاجتهاد؛ لتعارض الأدلة المتقاربة أو لخفاء الأدلة فيها»[26].

·       ابن القيم –رحمه الله-:

"وقد قال ابن القيم -رحمه الله- قريباً من قول شيخ الإسلام ابن تيمية" وليس في قول العالم: (إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، ولا يسوغ فيها الاجتهاد) طَعْنٌ على من خالفها، ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب، والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير، مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينـزل، وأن ربا الفضل حرام، وأن المتعة حرام، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يُقتل بكافر، وأن المسح على الخفين جائز حضراً وسفراً، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة،...ولهذا صرح الأئمة بنقض حُكم مَنْ حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها.

وعلى كل حال فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نَبَذَها وراء ظهره [27].

·       وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب–رحمه الله-:

«فإن أراد القائل مسائل الخلاف فهذا باطل يخالف إجماع الأمة، فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائناً من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم، وإذا كان الله بعث محمداً بالهدى ودين الحق، وأمرنا باتباعه، وترك ما خالفه؛ فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه وينكر عليه، وإن أريد بمسائل الاجتهاد: مسائل الخلاف، التي لم يتبين فيها الصواب فهذا كلام صحيح، ولا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفاً لمذهبه أو لعادة الناس، فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم، لا يجوز أن ينكر إلا بعلم، وهذا كله داخل في قوله {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36[28].

·       قال الشوكاني–رحمه الله-:

«هذه المقالة –أي: لا إنكار في مسائل الخلاف- قد صارت أعظم ذريعة إلى سدّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما بالمثابة التي عرفناك، والمنـزلة التي بيّناها لك، وقد وجب بإيجاب الله عز وجل، وبإيجاب رسوله صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة، الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع، والنهي عما هو منكر من منكراته: ومعيار ذلك الكتاب والسنة، فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفاً، وينهى عما هو فيهما أو في أحدهما منكراً.

وإن قال قائل من أهل العلم بما يخالف ذلك فقوله منكر يجب إنكاره عليه أولاً، ثم على العامل به ثانياً.

وهذه الشريعة الشريفة التي أُمِرْنا بالأمر بمعروفها، والنهي عن منكرها، هي هذه الموجودة في الكتاب والسنة»[29].

·       وقال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- ردًا على من قال: (المسائل الخلافية لا إنكار فيها)؟:

"لو أننا قلنا: المسائل الخلافية لا ينكر فيها على الإطلاق، لذهب الدين كله حين تتبع الرخص؛ لأنك لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف بين الناس".

ترك الاحتساب لا لوجود شبهة ولكن ترك الاحتساب إرضاء لفئة أو منظمة...: سيكون الكلام على ذلك من خلال الأمور التالية:

أحدها: أن فاعل ذلك قد التمس رضا الناس بسخط الله، وصار الخلق في نفسه أجل من الله؛ فنقول لمن هذا شأنه محذراً لنفسي وإياه بحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القائل فيه: "من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس"[30]

وفي رواية أخرى أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ الِلَّهِ، وَمَنْ أَسْخَطَ اللَّهَ بِرِضَا النَّاسِ وَكَلَهُ الِلَّهِ إِلَى النَّاسِ"[31].

عَنِ بن عَبَّاسٍ قال: قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم: "من أَسْخَطَ اللَّهَ في رضا الناس سَخِطَ اللَّهُ عليه وأَسْخَطَ عليه من أرضاهُ في سَخَطِهِ، وَمَنْ أَرْضَى اللَّهَ في سَخَطِ الناس رَضِي اللَّهُ عنه وَأَرْضَى عنه من أَسْخَطَهُ في رِضَاهُ؛ حتى يُزَيِّنَهُ وَيُزَيِّنَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ في عَيْنِه[32].

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "من الْتَمَسَ رضاء اللَّهِ بِسَخَطِ الناس كَفَاهُ الله مُؤْنَةَ الناس، وَمَنْ الْتَمَسَ رضاء الناس بِسَخَطِ اللَّهِ وكَلَهُ الله إلى الناس"[33]، ونحذر من يعمل ذلك بأنه قد يتعرض للعن، كما لُعِن من سبق، قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة:78]؛ فقد ظهر أن هذا المداهن قد أفسد نفسه من حيث يظن أنه يصلحها.

الثاني: أن الذي يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يقوم بواجبه بسبب: حب الشهرة، والجاه والمنزلة، والرفعة، والخوف عليها من الزوال، لا بد أن يفتح الله له عليه باباً من الذل والهوان من حيث طلب العز; وقد قال بعض السلف: "من ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مخافة المخلوقين، نزعت منه الطاعة؛ فلو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف بحقه، فكما هان عليه أمر الله، أهانه الله وأذله"[34]، كما قال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة:67].

الثالث: أنها إذا نزلت العقوبات، فالمداهن داخل فيها، كما في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25]، وفي الطبراني عَنِ بن مَسْعُودٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم: "إِنَّ من كان قَبْلَكُمْ كَانُوا إذا عَمِلَ الْعَامِلُ منهم بِالْخَطِيئَةِ نَهَاهُ النَّاهِي تعذيرًا؛ حتى إذا كان الْغَدُ جَالَسَهُ وَوَاكَلَهُ وَشَارَبَهُ، كَأَنَّهُ لم يَرَهُ على خَطِيئَةٍ بِالأَمْسِ، فلما رَأَى اللَّهُ ذلك منهم ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ على بَعْضٍ، ثُمَّ لَعَنَهُمْ على لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وَعِيسَى بن مَرْيَمَ، ذلك بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يعتدون، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذَنَّ على يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ على الْحَقِّ أَطْرًا، أو لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ على بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كما لَعَنَهُمْ"[35] قال خَلَفٌ: تأْطُرُونَهُ تَقْهَرُونَهُ.

والنجاة عند نزول العقوبات، هي لأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} [الأعراف:165].

والحمد لله رب العالمين وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

إعداد: عبد الكريم علي عبده الفهدي.

20/3/2010م

مراجعة: د. قسطاس إبراهيم النعيمي.



[1] أخرجه مسلم في صحيحه، 1/69، برقم:49.

[2] شرح النووي على مسلم،2/23.

[3] اللباب في علوم الكتاب، 9/495.

[4] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،17/138 ،برقم:343.

[5] أخرجه أحمد في مسنده،2/163، برقم:6521، تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن أبا الزبير لم يسمع من عبد الله بن عمرو فيما قال أبو حاتم في المراسيل ونقله أيضا عن ابن معين ونقل ابن عدي في الكامل قوله: لم يسمع أبو الزبير من عبد الله بن عمرو ولم يره، وقال البيهقي في الشعب،6/81: المعنى في هذا :أنهم إذا خافوا على أنفسهم من هذا القول فتركوه كانوا مما هو أشد منه وأعظم من القول والعمل أخوف وكانوا إلى أن يدعوا جهاد المشركين خوفا على أنفسهم وأموالهم أقرب وإذا صاروا كذلك فقد تودع منهم واستوى وجودهم وعدمهم. 

[6] فيض القدير،1/354.

[7] تفسير الجلالين، 1/231.

[8] تفسير الطبري، 10/150.

[9] أخرجه أحمد في مسنده،3/44، برقم:11421، تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي نضرة فمن رجال مسلم. 

[10] أخرجه أحمد في مسنده:3/50، برقم:11492، تعليق شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح دون قوله: "فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق, أو يذكر بعظيم", وهذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن الحسن.

[11] أخرجه الحاكم في المستدرك،3/215، برقم:4884، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، تعليق الذهبي قي التلخيص: الصفار لا يدرى من هو.

[12] شرح النووي على صحيح مسلم, 2/22 – 23.

[13] أحكام القرآن،2/797، وانظر أيضاً تفسير القاسمي حيث يقول فيه الشيخ جمال الدين القاسمي: «دل قوله تعالى: ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[الأعراف:164]  على أن النهي عن المنكر لما يسقط، ولو علم المُنكِر عدم الفائدة فيه؛ إذ ليس من شروطه حصول الامتثال منه، ولو لم يكن فيه إلا القيام بركن عظيم من أركان الدين، والغيرة على حدود الله، والاعتذار إليه تعالى –إذ تشدد في تركه- لكفاه فائدة» (7/288).

[14] أخرجه مسلم في صحيحه4/2045،برقم: 2454.

[15] أخرجه ابن ماجة في سننه، المقدمة،1/19برقم:77، وقال عنه الشيخ الألباني: صحيح، أنظر صحيح سنن ابن ماجه،1/22، برقم: 71.

[16] أخرجه البخاري في صحيحه، 5/2381، برقم:6128.

[17] "فانطلقت وأنا مهموم على وجهي": أي على الجهة المواجهة لي ومعنى الجملة: انطلقت هائماً لا أدري أين أتوجه. (أنظر تعليقات الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، على صحيح مسلم (3/1420).

[18] "فلم أستفق إلا بقرن الثعالب": أي لم أفطن لنفسي وأنتبه لحالي، وللموضع الذي أنا ذاهب إليه وفيه إلا وأنا عند قرن الثعالب لكثرة همي الذي كنت فيه.

"قرن الثعالب": هو قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد، أنظر: شرح النووي على صحيح مسلم 12/155.

[19] "فما شئت" ؟ استفهام، أي فأمرني بما شئت، نقلاً عن تعليقات الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي على صحيح مسلم، 3/1421 .

[20] "الأخشبين": بفتح الهمزة، وبالخاء والشين: هما جبلا مكة أبو قبيس والجبل الذي يقابله.انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 12/155.

[21] أخرجه مسلم في صحيحه،3/1420 – 1421، برقم: 1795.

[22] التفسير الكبير للرازي، 31/131.

[23] التسهيل لعلوم التنزيل،3/157.

[24] التسهيل لعلوم التنزيل،3/161.

[25] تمت الاستفادة في الإجابة على هذه الشبهة من بحث للأخ سليمان بن صالح الخراشي بعنوان مسائل الخلاف والاجتهاد.

[26] بيان الدليل على بطلان التحليل (ص 210-211) باختصار.

[27] إعلام الموقعين،3/ 300-301.

[28] الدرر السنية4/8.

[29] السيل الجرّار المتدفق على حدائق الأزهار،4/588.

[30] أخرجه ابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، 1/510، برقم: 276، تحقيق: شعيب الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين غير إبراهيم بن يعقوب وهو ثقة.

[31] أخرجه ابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، 1/511، برقم: 277، تحقيق: شعيب الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين غير إبراهيم بن يعقوب وهو ثقة.

[32] المعجم الكبير للطبراني،11/268برقم:11696، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد برقم:17674، وقال فيه: رجاله رجال الصحيح غير يحيى بن سليمان الحفري وقد وثقه الذهبي في آخر ترجمة يحيى بن سليمان الجعفي.

[33] أخرجه الترمذي في سننه،4/609،برقم:2414، قال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر: حديث رقم: 6097 في صحيح الجامع.

[34] فيض القدير،5/521، كما ذكر ذلك ابن الجوزي في صفوة الصفوة،2/181.

[35] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،10/146، برقم:10268، قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد،7/269رجاله رجال الصحيح.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام