الأربعاء 29/07/1438 - الموافق 26/04/2017 آخر تحديث الساعة 08:54 ص مكة المكرمة 06:54 ص جرينتش  
بحوث عقدية
الذخيرة في الذب عن الصحابي المغيرة رضي الله عنه (1-4)

الذخيرة في الذب عن المغيرة(1-4)

1431/11/24 الموافق 01/11/2010 - الساعة 07:33 م
|


 

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الله سبحانه امتن على هذه الأمة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليعلمها الإيمان والحكمة ويزكيها ويطهرها تطهيراً، وأحاط هذا النبي بثلة من خيرة البشر عليهم من الله أعظم الرحمة وأتم الرضوان، كما قال عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه- : "إن الله نظر في قلوب العباد؛ فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد؛ فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسنٌ، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ"[1].

فهؤلاء الصحابة هم زبدة هذه الأمة وخيرتها، أبرُّها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اصفطاهم الله سبحانه لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونصرة دينه، وحفظ شريعته، فما غيروا ولا بدلوا رضوان الله عليهم، بل صبروا وصابروا، ورابطوا وجاهدوا، حتى فاضت أرواحهم إلى باريهم سبحانه، وهم على ما فارقهم عليه نبيهم صلى الله عليه وسلم.

فسادوا وشادوا وقادوا، وفتحوا الأمصار، وأذلوا الكفار، وأنقذ الله بهم أمماً من النار، بحفظهم وتبليغهم شريعة الله، كما أنزلها سبحانه على نبيه، ولذا زكاهم سبحانه في كتابه في عدة آيات كريمات، وكذا أثنى عليهم نبيهم ومعلمهم الأول، من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، بما هم أهله، ومتصفون به، في كثير من الأحاديث النبوية، ليس هذا مجال بسطها.

فصار لا يبغضهم إلا بغيض، ولا يستحل أعراضهم إلا غوي مبين، عميت بصيرته عن رؤية مئات النصوص الشرعية في فضلهم وتقواهم وصلاحهم، وتعلق ببعض القصص المكذوبة، والروايات المعطوبة، والأفهام التي تعامت عن رؤية كل فضيلة للصحابة الكرام، فصادم بهذه الحجج المتهاوية بنفسها الحجج السامقة، والنصوص البينة الدامغة، ففضح نفسه على رؤوس الأشهاد، والله المستعان!

 وليعلمِ الطاعن في هذا الجيل الفريد، أن طعنه فيهم طعنٌ في مربيهم الأول، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ قوة التلميذ وضعفه غالباً مستمد من معلمه، ومن أحسن تعليماً وأدق تفهيماً من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟!

كما أن الطعن في الصحابة الكرام عليهم من الله سحائب المغفرة والرضوان، طعن في تعديل الله لهم، وتزكيته إياهم، وفي ذلك ما فيه؛ لأن الأمر كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "فالله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالاته أصلاً وميراثاً؛ فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته؛ فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة، وتعظيم المرسل والقيام بحقه، والصبر على أوامره والشكر لنعمه، والتقرب إليه، ومن لا يصلح لذلك، وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله، والقيام بخلافتهم، وحمل ما بلغوه عن ربهم"[2].

ومن الصحابة الكرام الذين نالهم طرف من طعن أغمار الناس وغوغائهم الصحابي الجليل (المغيرة بن شعبة) رضي الله عنه وأرضاه، بسبب الحادثة الشهيرة مع أم جميل، عند إمارته على البصرة، ويطعنون أيضاً في حكم الفاروق رضي الله عنه و أرضاه، وسنعرض -بعون الله- في هذه الوريقات القصة بتمامها، من المصادر الأصلية، بعد أن نورد طرفاً من ترجمة المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، ثم نثني بدراسة أسانيد هذه القصة، ونحكم بما يحكم به أهل الشأن في مثل ذلك.

ثم نورد طرفاً من أفهام أهل العلم والإنصاف لهذه الحادثة، ونختم بخلاصة نورد فيها ما توصلنا إليه من بحثنا هذا، فاللهم يسِّر وأعن!

وأما حكم الفاروق-رضي الله عنه- فلن ندافع عنه؛ لأنه غني عن دفاعنا، فوجه الحق فيه ظاهر، ولا يخفى إلا عمن أعمى الله بصيرته، ممن شحنوا قلوبهم ببغضه رضي الله عنه وأرضاه.

ترجمة المغيرة بن شعبة رضي الله عنه:

أولاً: اسمه ونسبه:

هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب الثقفي، الأمير أبو عيسى، ويقال: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد،وأمه أمامة بنت الأفقم أبي عمر ومن بني نصر بن معاوية.

 ولد بثقيف من الطائف، ونشأ بها رضي الله عنه، وكان كثير الأسفار، أسلم عام الخندق، بعدما قتل ثلاثة عشر رجلاً من بني مالك وفدوا معه على المقوقس في مصر، وأخذ أموالهم، فغرم دياتهم عمه عروة بن مسعود الثقفي.

روى عنه بنوه عروة وحمزة وعقار، والمسور بن مخرمة ومسروق والشعبي وغيرهم، توفي في الكوفة سنة خمسين في الطاعون، عن سبعين سنة، رضي الله عنه وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين، ولما توفي وقفت مصقلة بن هبيرة الشيباني على قبره فقالت من الخفيف:

 إن تحت الأحجار حزماً وجوداً ** وخصيماً ألدّ ذا معلاقِ ** حية في الوجار أربد لا ينـ ** فع منه السليم نفث الراقي. [3]

ثانياً: صفاته الخَلْقية والخُلُقية:

كان -رضي الله عنه- من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة، وكان رجلاً طوالاً، مهيباً، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل: يوم القادسية.

قال ابن سعد: كان المغيرة أصهب الشعر جداً، يفرق رأسه فروقاً أربعة، أقلص الشفتين، مهتوماً، ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين.

وكان داهية، ولذا يقال له: مغيرة الرأي، وعن الشعبي: أن المغيرة سار من دمشق إلى الكوفة خمساً.

وقال الزهري: كان دهاة الناس في الفتنة خمسة، فمن قريش: عمرو، ومعاوية، ومن الأنصار: قيس بن سعد، ومن ثقيف: المغيرة، ومن المهاجرين: عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، فكان مع علي: قيس، وابن بديل، واعتزل المغيرة بن شعبة.

وقال الشعبي –رحمه الله-: "دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد، فأما معاوية بن أبي سفيان فللأناة والحلم، وأما عمرو بن العاص فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير".

و من دهائه أنه استعمله عمر -رضي الله عنه- على البحرين، فكرهوه، فعزله عمر، فخافوا أن يرده، فقال دهقانهم: إن فعلتم ما نامركم، لم يرده علينا، قالوا: مرنا، قال: تجمعون مائة ألف حتى أذهب بها إلى عمر، فأقول: إن المغيرة اختان هذا، فدفعه إلي، قال: فجمعوا له مائة ألف، وأتى عمر، فقال ذلك، فدعا المغيرة، فسأله، قال: كذب  - أصلحك الله- إنما كانت مائتي ألف، قال: فما حملك على هذا؟ قال: العيال والحاجة، فقال عمر للعلج: ما تقول؟ قال: لا والله لأصدقنك، ما دفع إلي قليلاً ولا كثيراً، فقال عمر للمغيرة: ما أردت إلى هذا؟ قال: الخبيث كذب عليّ، فأحببت أن أخزيه.[4]

 __________________

[1] أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وحسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند (1/379).

[2] طريق الهجرتين ص171.

[3] سير أعلام النبلاء (3/22)، أسد الغابة (1/1039- 1040)، تاريخ دمشق (60/13)، الثقات لابن حبان (3/372).

 

[4] سير أعلام النبلاء (3/ 26- 27) أسد الغابة (1/1040) أنساب الأشراف (4/300).

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
سيف الاسلام        السعودية         2011/09/02
سيدنا المغيرة بن شعبة وسيدنا معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنهم والله لايحبهم الامؤمن ولايبغضهم الاخبيث منافق
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام